د. يحيى جابر
حين تتجرأ مليشيا مسلحة على توجيه صاروخ باليستي ثم بمسيرة نحو منطقة مكة المكرمة، فإن الحادثة لا يمكن اختزالها في خبر عسكري عابر أو وضعها في إطار الحسابات التقليدية للحرب، لأن مكة ليست هدفاً عادياً، ولا مدينة يمكن أن تدخل حرمتها في معادلات الانتقام السياسي، وإنما هي البلد الحرام، والقبلة التي تتجه إليها وجوه المسلمين، والبيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، ولذلك فإن مجرد التفكير في استهدافها يكشف مستوى خطيراً من الاستهانة بالمقدسات وبمشاعر المسلمين، وكشف للقناع الحقيقي لعقيدة المليشيا.
لقد قال الله تعالى، {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}، وقال سبحانه، {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}، وقال جل شأنه، {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، وهي آيات تضع حرمة مكة في منزلة لا تقبل المساومة، وتوضح أن الأمن والطمأنينة من المعاني الملازمة لهذا البلد الحرام، ويأتي قوله تعالى، {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}، ليضع أمامنا المفارقة الكبرى، فالله جعل البيت أمناً، بينما يأتي من يحاول إدخال الخوف إلى محيط مكة بالصواريخ الباليستية تارة وبالمسيرات القاتلة تارة أخرى، وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بالسعودية وحدها، لأن مكة في الوعي الإسلامي ليست مجرد مدينة داخل حدود دولة، وإنما هي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم ومقصد الحجاج والمعتمرين من مختلف أنحاء العالم، ولهذا فإن أي اعتداء على منطقة مكة يتجاوز في دلالته الحدود السياسية إلى المساس برمز ديني عالمي، وفي 27 يوليو 2017 أعلنت قيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض صاروخ باليستي أطلقته المليشيا الحوثية باتجاه منطقة مكة المكرمة، وتم اعتراضه فوق منطقة الواصلية بمحافظة الطائف، على بعد نحو 69 كيلومتراً من مكة المكرمة، دون وقوع أضرار، «المصدر ـ وكالة الأنباء السعودية، المملكة العربية السعودية، منظومة الدفاع الجوي تعترض صاروخاً باليستياً أطلقته الميليشيات الحوثية باتجاه مكة المكرمة، 27 يوليو 2017».
وسبق ذلك في أكتوبر 2016 إعلان السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه منطقة مكة المكرمة، وتم تدميره قبل وصوله إلى هدفه، وهو ما يؤكد أن الأمر لم يكن مجرد واقعة منفردة في سياق عسكري ملتبس، وإنما كان استهدافاً لمنطقة يعرف مطلقو الصواريخ مكانتها الدينية والإنسانية، وهنا تحديداً تظهر جرأة المليشيا الحوثية في اختيار منطقة بهذه الحساسية، لكن القرار السياسي والعسكري الذي أصدر الأمر بإطلاقه يبقى قائماً، وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها التحليل الإعلامي، إن توجيه السلاح نحو مكة يحمل رسالة تتجاوز الأثر العسكري المباشر، لأنه يستهدف الأمن النفسي للمسلمين، ويحاول إدخال الخوف إلى المكان الذي جعله الله أمناً، ومن هنا فإن خطورة الفعل لا تقاس بعدد المباني التي أصيبت، وإنما بما يحمله من استخفاف بحرمة المكان واحتمال تعريض ملايين الحجاج والمعتمرين والمدنيين للخطر، والقرآن الكريم يقدم معياراً واضحاً لا يحتاج إلى تأويل سياسي، قال جل شأنه، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، وهذه المعاني القرآنية تجعل التناقض أكثر وضوحاً عندما ترفع ميليشيا الحوثيين الإرهابية شعارات دينية، ثم تستخدم السلاح بما يعرض المدنيين والمقدسات للخطر، فالدين ليس شعاراً يبرر الفعل، وإنما منظومة من القيم والأحكام التي تحفظ الإنسان والدم والمكان، في مكة، 317هـ»، إنها صفحة تاريخية لا يمكن تجاوزها بسهولة، لأن الاعتداء لم يكن مجرد مواجهة بين جيشين، فالتاريخ لا يعيد إنتاج الجماعات نفسها، لكنه قد يعيد إنتاج بعض الأنماط، ومنها الاستهانة بحرمة المقدسات واستخدام العنف لإرسال رسائل سياسية، صاروخ الحوثي أو مسيرته، ليس هو القضية الأساسية، لأن الوسيلة تتغير بتغير العصر، بينما تبقى المسألة الجوهرية في الهدف والقرار والرسالة، لكن الخط الفاصل الذي لا ينبغي تجاوزه واحد، وهو حرمة المدنيين والمقدسات، وقد أوجز القرآن معنى أمن مكة في قوله تعالى، {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}، وهو دعاء نبينا النبي إبراهيم عليه السلام الذي ارتبط بتاريخ البيت الحرام، وورد ذكره في القرآن، {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}، فكيف يستقيم مع هذا المعنى أن تتحول منطقة مكة إلى وجهة لصاروخ باليستي؟ هذه المفارقة تكشف أن الشعارات الدينية لا تكفي لإثبات التدين، وأن الأفعال هي التي تكشف حقيقة الخطاب الديني المزيف، والأكثر إثارة للتناقض أن امليشيا الحوثية قدمت نفسها في خطابها السياسي بوصفها جماعة تدافع عن قضايا المسلمين، بينما كان من بين أخطر أفعالها العسكرية استهداف منطقة مكة المكرمة عسكرياً، وهو أعظم الذنوب، وهذا التناقض لا يحتاج إلى حملة إعلامية واسعة، لأن الفعل نفسه يقدم الدليل على التناقض بين الشعار والممارسة، فمن يدعي نصرة الإسلام لا يحتاج إلى إطلاق صاروخ باتجاه قبلة المسلمين، ومن يزعم الدفاع عن المقدسات لا يمكن أن يجعل مكة ضمن نطاق الاستهداف، ومن يتحدث عن حماية المسلمين لا يمكن أن يعرض الحجاج والمدنيين للخطر.
أصحاب الفيل
وقد عبّر الشعر العربي عن مكانة مكة والحرم تعبيراً بالغاً، فقال الشاعر:
«بلدٌ أمينٌ بهِ أمانٌ للورى
وببيتِهِ تهفو القلوبُ وتطمئنُ
كما أن استحضار قصة أصحاب الفيل يقدم شاهداً قرآنياً آخر على خصوصية البيت الحرام، قال تعالى، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}، ثم قال، {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}، وقال، {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ}، {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}، والاستشهاد بقصة أصحاب الفيل يصور ويذكر بأن الاعتداء على البيت الحرام ظل عبر التاريخ فعلاً بالغ الخطورة في الوعي الإسلامي، وأن مكة ارتبطت دائماً بمعنى الأمن والحرمة، فالقوة العسكرية لا تمنح الشرعية، والصاروخ لا يصنع حقاً، والشعار الديني لا يغسل جريمة، والاعتداء على المقدسات لا يتحول إلى بطولة مهما حاولت الدعاية السياسية تقديمه بهذه الصورة.
إعلامياً
ومن زاوية إعلامية، فإن التعامل مع هذه الوقائع يحتاج إلى خطاب رصين يفرق بين الخبر والتحليل، فلا يكفي القول إن صاروخاً اعترضته الدفاعات الجوية، بل يجب تفسير معنى استهداف منطقة مكة، ووضعه في سياقه التاريخي والديني والسياسي، وإظهار التناقض بين الخطاب الحوثي والممارسة، وهذا يعني أيضاً ضرورة عدم الانجرار إلى المبالغة أو المعلومات غير الموثقة، لأن قوة القضية لا تحتاج إلى اختلاق أرقام أو روايات، وإنما تحتاج إلى الوقائع الثابتة، والآيات القرآنية الواضحة، والشواهد التاريخية الموثقة، وفي تقديري، فإن أخطر ما تكشفه حادثة استهداف مكة ليس مقدار الضرر الذي أحدثه الصاروخ أو المسيرة، وإنما الجرأة على اتخاذ قرار يجعل أقدس بقاع الأرض جزءاً من معادلة الحرب، فالمكان الذي جعله الله أمناً لا ينبغي أن يكون هدفاً للخوف، والبيت الذي تتجه إليه وجوه المسلمين لا ينبغي أن يكون هدفاً للصواريخ، والحرم الذي يقصده الناس للعبادة لا يجوز أن يدخل في الحسابات الانتقامية للحوثيين الإرهابيين، وهي أن الجماعات الحوثية التي تجعل المقدس أداة في صراعها قد تستطيع صناعة الخوف مؤقتاً، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة المقدس، ولا تستطيع فرض روايتها على التاريخ، فإن استهداف مكة يظل فعلاً يكشف صاحبه أكثر مما يضر بالمكان الذي استهدفه، مكة ليست هدفاً عسكرياً، وليست ورقة سياسية، وليست وسيلة لإرسال الرسائل، وليست مجالاً للمزايدة باسم الدين، مكة هي البلد الحرام، والبيت الحرام، والقبلة، ومقصد الحجاج والمعتمرين، ولهذا فإن من يوجه السلاح نحوها يكشف بنفسه حجم التناقض بين شعاره وفعله، والتاريخ لا يعيد الأحداث نفسها، لكنه يحذر من تكرار أخطر الأفكار، والمليشيا الحوثية التي تجرأت على استهداف منطقة مكة بالصواريخ يعرفون أن مكة لا تحتاج إلى شعارات أحد، وإنما يحتاج أصحاب الشعارات إلى أن يتعلموا حرمتها، ويخشون ذنبها.
الطيور الأبابيل
هنا سيعاقب الله الذين تجرأوا على مقدسات المسلمين في الأرض والآخرة، أما الأرض فستأتيهم طيور أبابيل بصواريخ دقيقة وحاسمة تقض مضاجعهم وتدخل عليهم في كهوفهم، ومخابئهم، وتنتقم من كل قيادي أمر ونفذ وشارك، وصقور الجو يعرفون واجبهم متى بدأت المهمة، ومن حقنا كبلاد سلام واجهنا سنوات من العدوان بصبر كبير وحكمة، أن ندافع عن مقدساتنا وسيادة أراضينا، كما أن الله معنا وكل العالم شاهد كثيراً حكمة المملكة في الصبر والبحث عن السلام إلى أقصى حد مع فئة ترى في استهداف مقدساتنا ساحة معركة، ومعتقداتها مربوطة بمعتقدات غيرها ممن يستخدمونهم كأداة.
الطيور الأبابيل كفيلة بهم وتصليهم ناراً تقذف بهم حيث يريدون.
أخيراً: بلادنا رغم ما يحدث تعيش بأمن وأمان ورخاء وسكينة، يحسدنا عليها العالم وتتحمل الدولة حماها الله العبء المالي الهائل والدفاع عن الوطن والمواطن، حتى أننا لم نشعر بأي قلق أو مشكلة، فلولاة أمرنا حماهم الله منا الدعاء وأن يمتعهم بالصحة والعافية، ولبلادنا الخير والنماء والازدهار.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام