د.ناصر بن حمد الهملان
ماذا لو كان أعظم رصيد استراتيجي للوطن هو شعبه؟ وماذا لو كانت قوة الدولة لا تُقاس بما تمتلكه من سلاح فحسب، بل بما يمتلكه أبناؤها من وعي وانتماء واستعداد لتحمل المسؤولية؟
حين تُقاس الجيوش بأعداد جنودها، وتُوزن قوتها بترساناتها العسكرية، وتُرتَّب مكانتها وفق موازين السلاح، تظل هناك قوة لا تختزلها الأرقام، ولا تحيط بها التصنيفات؛ قوة تنبع من الإيمان، وتتجذر في القيم، وتترسخ في ولاء المواطن لوطنه، ووفائه لقيادته، واستعداده لحماية أرضه وصون مكتسباته. فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل انتماء يسكن وجداننا، ومسؤولية نحملها، وقيادة نلتف حولها، وأمانة نتوارث واجب الحفاظ عليها.
وفي المملكة العربية السعودية، تتجلى هذه العلاقة في الاعتزاز بالعقيدة الإسلامية، والوفاء للوطن، والولاء للقيادة، والتلاحم الراسخ بين الشعب وقيادته. وحين تواجه المملكة التحديات، يدرك المواطن أن أمنه من أمنها، وأن استقراره مرتبط باستقرارها، وأن المحافظة على وحدتها ومكتسباتها مسؤولية وطنية مشتركة.
لستُ محللًا سياسيًا، لكن حين يتعلق الأمر بوطني، يصبح الاهتمام بشؤونه جزءًا من وجداني، ويغدو الولاء له مبدأً راسخًا في ضميري، ولستُ عسكريًا، لكن حين يُهدَّد وطني، أشعر بأنني جندي يرتدي الزي المدني؛ ثابتًا على ولائه، مستعدًا لبذل الغالي والنفيس دفاعًا عن وطني، وصونًا لأمنه، وحمايةً لأرضه ومكتسباته، ووفاءً لولاة أمره ودفاعًا عنهم، وهذا الشعور لا يخصني وحدي، بل يعكس مسؤولية وطنية يؤمن بها كل مواطن مخلص، يؤدي واجبه من موقعه، وفي حدود مسؤولياته واختصاصه.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية حين نستحضر مكانة المملكة العربية السعودية؛ فهي أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ووجهة ملايين الحجاج والمعتمرين، كما تضطلع بدور مهم على المستويين الإقليمي والدولي. وقد جعلت المملكة خدمة الحرمين الشريفين شرفًا ومسؤولية، وأسهمت في مجالات العمل الإنساني والإغاثي، انطلاقًا من قيمها الإسلامية وحرصها على مد يد العون للمحتاجين.
غير أن العطاء لا يعني الضعف، والحكمة لا تعني العجز، والحرص على السلام لا يتعارض مع امتلاك القدرة على الدفاع عن الوطن وصون السيادة، فالدولة القادرة على حماية مصالحها هي التي تجمع بين الحكمة في اتخاذ القرار، والقوة في حفظ الأمن، والاستعداد المسؤول لمواجهة التحديات.
إن الجيوش النظامية تُبنى بالتدريب والتسليح والانضباط والتنظيم، وتُقاس قدراتها بمعايير عسكرية معروفة، أما قوة المجتمع، فتتجلى في وعي أفراده، وتماسكهم، والتزامهم، واستعدادهم لتحمل المسؤولية، وحين تتكامل القدرات العسكرية مع حكمة القيادة، وكفاءة المؤسسات، ووعي المجتمع، تتعزز قدرة المملكة على مواجهة المخاطر، وتحقيق الاستقرار، وحماية حاضرها ومستقبلها.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الجندية العسكرية المتخصصة، التي تضطلع بها القوات المسلحة في الدفاع عن المملكة وحماية حدودها، والمهام الأمنية التي تؤديها الأجهزة المختصة لحفظ الأمن والاستقرار، وبين المسؤولية الوطنية العامة التي يتحملها كل مواطن.
فالمسؤولية المدنية لا تحل محل الجندية العسكرية، بل تكملها؛ إذ تتجسد في الوعي، والالتزام بالأنظمة، وحماية الممتلكات، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، ومواجهة الشائعات، والمحافظة على الوحدة الوطنية، والإسهام في خدمة المجتمع، كما أن احترام الاختصاصات، والتعاون مع مؤسسات الدولة، وأداء الواجب بإخلاص، تمثل جميعها عناصر تعزز منعة المملكة وقدرتها على حماية أمنها ومكتسباتها.
ومن هذا المنطلق، فإن قوة المملكة لا تُختزل في عنصر واحد، ولا تقوم على قدراتها العسكرية وحدها، على أهميتها الاستراتيجية، بل تستند إلى منظومة متكاملة تشمل قيادة حكيمة ورشيدة، وقواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، ومؤسساتها الوطنية، واقتصادها، وتماسك مجتمعها، ووعي أبنائها، ولكل عنصر من هذه العناصر دوره الذي لا غنى عنه في بناء دولة قوية وآمنة وقادرة على الاستمرار والتطور.
إن قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية تؤدي دورًا أساسيًا في حماية المملكة والدفاع عن أمنها، بما تمتلكه من قدرات، وما يبذله رجالها من جهود وتضحيات. ويظل هذا الدور ركيزة لا غنى عنها في منظومة الأمن الوطني، وتزداد هذه المنظومة قوةً حين تستند إلى مجتمع واعٍ ومتماسك، يدرك أفراده مسؤولياتهم، ويلتزمون بواجباتهم، ويضعون مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.
وهنا تتجلى الفكرة التي يقوم عليها هذا المقال: إنه جيش المواطنين؛ جيش يرتدي الزي المدني، لا تُقاس قوته بترسانة السلاح أو بعدد الأفراد، بل بصدق الانتماء، ووعي المجتمع، وتماسك أبنائه، واستعدادهم لخدمة وطنهم والدفاع عن مكتسباته، وهو تعبير مجازي عن قوة المجتمع التي تساند مؤسسات الدولة، وتتكامل مع قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، دون أن تحل محلها أو تنتقص من اختصاصاتها.
فالوطن القوي ليس الذي يمتلك السلاح فحسب، بل الذي يستند إلى عقيدة راسخة، وقيادة حكيمة ورشيدة، ومجتمع واعٍ، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد متين. وطنٌ يدرك أبناؤه أن أمنه واستقراره مسؤولية مشتركة، وأن الولاء الحقيقي لا يقتصر على الشعارات، بل ينبع من القيم الراسخة ويتجلى في السلوك والعمل والإخلاص وأداء الواجب، والوفاء للوطن والقيادة.
إن قوة المملكة العربية السعودية، بعد توفيق الله، تكمن في تكامل هذه المقومات؛ في حكمة قيادتها، وقوة قواتها المسلحة، وكفاءة أجهزتها الأمنية، وتماسك مجتمعها، ووعي أبنائها، وحين تتكامل هذه العناصر، تتعزز منعة المملكة، ويترسخ أمنها واستقرارها، وتتواصل مسيرتها بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الإيمان والأمن والوحدة والاستقرار، وحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وأمدّهما بعونه وتوفيقه، وأدام على المملكة وشعبها العزّ والمجد، ووفّقها لمزيد من الرفعة والازدهار.