د. أماني بنت خلف الغامدي
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 1.2 مليار إنسان حول العالم يخوضون معركة صامتة يومياً. ورغم هذا الرقم الهائل، لا زلنا حين نقترب من عتبة النفس البشرية، نسمع في خلفية المشهد همساً قديماً يتردد في أروقة مجتمعنا، يقابله وعي جيل يحاول أن يرفع صوته بالرحمة والعلم. ففي كل مجلس، ثمة شخص يبتسم ويجاري أطراف الحديث، بينما تشتعل في رأسه حرب لا يراها أحد.
لكن دعونا نفتح الباب ونتأمل ما يدور في عقلية مجتمعنا بصراحة حين نُسمّي الإحباطات والأفكار السلبية المتكررة والنزيف الداخلي «دلعاً أو ما فيه إلا العافية، أو دلع وضعف إيمان.. لو يقوم يقرأ له وجهين قرآن ويستغفر بطيب، كلنا نضيق ونحزن!»، تلك العبارات التي اعتدنا سماعها ليست مجرد رأي عابر؛ إنها جدار سميك يسد طريق الشفاء. صحيح أن الحزن الطبيعي يزور الجميع؛ أو دمعة تسقط لفقدان عزيز، أو تنهيده تخفف وطأة يوم شاق. أما الاكتئاب، فهو شيء آخر تماماً. أشبه بانطفاء كامل في محرّك الحياة، شلل في الطاقة، ودماغ يفرغ فجأة من كيميائيته المتوازنة. وكما أن القلب الذي يمرض ليس فاسداً، والدماغ الذي يضطرب ليس كافراً. والنفس كالبدن، تُبتلى وتعتل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا). وكما لا نطلب من مريض البنكرياس أن يُنتج الأنسولين بقوة الإرادة وحسن الظن بالله فقط، لا يصح أن نطلب من دماغ يعاني اختلالاً كيميائياً أن يبتسم بالضغط عليه. التداوي ليس نقيضاً للإيمان، بل هو عين الأخذ بالأسباب.
كما أن هناك رعباً من نوع آخر هو «وش يقولون الناس؟ فلو خطوت خطوة واحدة لعيادة طبيب نفسي، لصقوا بي وصمة الجنون، تعطلت وظيفتي، ووقف نصيب بناتي وأبنائي.. أسكت وأحترق وحدي أرحم». المفارقة المؤلمة أن أكثر من 90 % ممن يحتاجون يد العون يفضلون المعاناة في الظلام خوفاً من تلك النظرة. كما لازلنا نبتكر في مجالسنا نكاتاً عن الوسواس والاكتئاب، ونتنمر على المريض النفسي بالخلل الروحي وضعف الإيمان ونرمي كلمات مثل «شد حيلك «كأنها حل سحري، دون أن ندري أننا نرمي حجراً في بئر مريض يغرق.
وللمرضى نقول إن طلب المساعدة ليس راية بيضاء ترفعها استسلاماً؛ بل هو أقصى درجات النضج والشجاعة. واليوم، تبدلت المعادلة حين دخلت الاستشارات النفسية مراكز الرعاية الأولية، وأتاحت المنصات الرقمية الحديثة جلسات العلاج عبر الشاشات بكامل الخصوصية والأمان، تحطم حاجز الخوف القديم. العيادة لم تعد مكاناً للعزل، بل مساحة آمنة لاستعادة الذات.
وللمجتمع أن يعي أننا كبشر لسنا قضاة بل نحن شبكة أمان حين يمر إنسان بأزمة نفسية، تفقد أصابع الاتهام معناها. والمسؤولية ليست فردية، بل دائرة متصلة ففي البيت نحتاج إلى أب وأم ينصتان دون إلقاء مواعظ اللوم، ويوفران حضناً آمناً قبل البحث عن الحلول. أما في المدارس والجامعات فنحن نحتاج بيئات تعليمية تُعلّم أبناءنا لغة المشاعر، وتميز القلق والتنمر قبل أن يتحولا إلى ندوب دائمة. وفي بيئات العمل علينا أن ندرك أن الإنتاجية الحقيقية تنبع من السلامة النفسية، لا من استنزاف الموظف حتى الاحتراق. ولا ننسى أننا نحتاج في لغتنا اليومية أن نلغي كلمة «مريض نفسي خطير»، ونقول بدلاً منها: إنسان يمر برحلة نفسية. فالتشخيص الطبي عارض في حياة صاحبه، وليس هويته الكاملة ولا قيداً على طموحه.
ولا يُقاس رقي أي مجتمع باختفاء الألم منه، بل بالدفء والرحمة التي يحتضن بها المتألمين. وفي ظل حراك جودة الحياة ومستهدفات رؤية المملكة 2030، خرجت الصحة النفسية من دائرة العيب والخوف لتصبح استثماراً حقيقياً في أعز ما نملك وهو الإنسان.
دعونا نُسكت ذلك الصوت القديم الذي يحكم ويقسو، ولنكن آذاناً صاغية وقلوباً تستوعب. فالحياة قد تقسو على الجميع، لكن أشد ما يكسر الإنسان ليس ثقل الحمل، بل أن يلتفت حوله في لحظة انكساره فلا يجد من يفهم وجعه.