الهادي التليلي
الفترة الزمنية التي تتعرض فيها البشرية لخطر الحروب والأوبئة تعد هي الفترة الأقسى على البشرية، وهي أيضاً الفترة الأميز لاختبار ميزان القيم لدى الفئة البشرية الواحدة، ومدى تكاتف أفراده وتآزرهم هي الفترة التي يمكن أن ينتصر فيها الخلاص الفردي على الأنا الجمعي لكل شعب.
التضامن زمن الحروب يكون خالصاً مستخلصاً من مفاهيم المجاملة والنفاق والرياء، يكون كما يقول إيمانويل كانط أخلاقاً وقيماً لذاتها لا تتوسل لغيرها، بمعنى أن الأخلاق في هذا الزمن الحساس تكون لذاتها وحسب التعبير العامي صادقة هي أخلاق تمليها القيم الجمعية ومحبة الفرد للآخرين، إنها الاختبار الجدي للمجتمع وتآزره وتراحمه وما اختزله الأفراد من منظومتهم الدينية وما تدعو إليه.
الحروب تجعل الفرد بغريزته أميل إلى الحل السهل وهو الخلاص الفردي، والديانات بمختلف مشاربها تهيب بالمنتمين إليها بالإيثار ونكران الذات والتعاطف وبين الذات وغريزتها والمنظومة الدينية وقيمها يكون الجدل والحوار والصراع الذهني للإنسان.
تقف الدول والأوطان بقوانينها الضامنة للفرد وحمايته من أخيه الإنسان في سياق مبدئي الحق والواجب وبين هذا وذاك وتأويل كل واحد لمفهوم الحق والواجب وحركة الغريزة الذاتية والتشريعات الدينية تكون فترات الحروب الامتحان الأعسر لدى البشرية، حيث رأينا عبر التاريخ كيف تحولت شعوب معروفة بقيمها القبلية الجميلة أصبحت بعد ما تعرضت لوباء الربيع العربي وكراً للفوضى وقتل بني الجلدة الواحدة لبعضهم وتناحرهم من أجل أبسط الأسباب، وبعد الحربين العالميتين تحولت العلاقات الإنسانية أكثر عدوانية لدرجة أن ذهب الفيلسوف هوبز لتعريف الإنسان بأنه ذئب أخيه الإنسان، كما انتشرت نزعة القلق والشك في المصير وهو ما انعكس على الفن والثقافة إذ انتشرت الدادائية والعبثية والسوريالية وغيرها. الأخلاق زمن الحروب لها تعريف آخر لأن مصير الفرد صار مهدداً وتعرف البشرية هذه الفترة بكونها محك معرفة خلاصة ما تعلمه الإنسان وما ترسخ في شخصيته من قيم ومبادئ.
الحرب لا تصنع أخلاقها ولكن البشر تتكشف حقيقتهم خلالها
لذلك وجب على مؤسسات التعليم غرس قيم التضامن أثناء السلم وخلال الحرب، فلو عدنا إلى تعريف الفتى في حضارتنا نجده من يهب ماله أثناء السلم ودمه أثناء الحرب، والإنسان خلال السلم أو الحرب هو عضد أخيه الإنسان، والتضامن هو ما يميز الشعوب التي تستند إلى شرائع دينية من غيرها، فعالم الأخلاق هو سماء تتكشف خلالها قيم البشرية تجاه بعضها خلال الشدائد.