صبحي شبانة
يشكّل أمن المملكة ركيزة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، بالنظر إلى مكانتها الدينية الفريدة بوصفها موطن الحرمين الشريفين وقبلة أكثر من ملياري مسلم، وثقلها السياسي والاقتصادي، وموقعها الجيوستراتيجي الذي يصل بين آسيا وأفريقيا، ويطل على ممرات بحرية حيوية تتوقف عليها حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ومن هذه المكانة الاستثنائية تنبع دلالات موجة التضامن العربي والدولي مع المملكة في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها؛ فتلك المواقف لا تعبّر عن تضامن دبلوماسي عابر، ولا تختزلها حسابات المصالح وحدها، بل تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استقرار المملكة جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة، وأن تهديد أمنها يضع أمن الخليج والبحر الأحمر، وسلامة الملاحة الدولية، ومصالح الاقتصاد العالمي أمام مخاطر لا يمكن الاستهانة بها، وتتضاعف خطورة هذا التحدي حين يصدر عن ميليشيا مارقة تتجاوز بعملياتها حدود الدولة الوطنية، وتضرب عرض الحائط بقواعد القانون الدولي ومقتضيات حسن الجوار، وتسعى إلى فرض إرادتها بقوة السلاح، وتحويل التهديدات العابرة للحدود إلى أداة للابتزاز وزعزعة الاستقرار، وفي مواجهة هذا التصعيد العدواني، تبرز أهمية تماسك الموقف العربي والدولي، ليس فقط في إدانة الاعتداءات، وإنما في تأكيد حق المملكة المشروع في حماية أراضيها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أرضها، وردع كل من يهدد استقرارها، بما يحول دون اتساع دائرة التصعيد أو تحوّل الاعتداءات إلى واقع مفروض على المنطقة، لذا تتجاوز دلالات التضامن حدود الدفاع عن دولة تتعرض للتهديد، لتشمل حماية منظومة الأمن الإقليمي، وصيانة حرية الملاحة والتجارة، والحفاظ على فرص التنمية والاستقرار في منطقة لا تحتمل مغامرات مسلحة جديدة.
ولعل أول ما يلفت النظر في التضامن مع المملكة هو أن دوافعه لا تنحصر في المصالح السياسية أو الاقتصادية، على أهميتها، بل تستند أيضًا إلى رابطة روحية عميقة تجمع السعودية بمئات الملايين من المسلمين في مختلف القارات، فالمملكة تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفيهما أقدس المقدسات الإسلامية، وإليهما تتجه قلوب المسلمين ووجوههم في صلواتهم، وتشد الرحال إليهما أفواج الحجاج والمعتمرين والزائرين من شتى البلدان والثقافات واللغات، ولذلك فإن العلاقة بين المملكة والعالم الإسلامي ليست علاقة مصالح عابرة أو تحالفات تتبدل بتبدل الظروف، وإنما هي علاقة تتداخل فيها العقيدة بالوجدان، والرمزية الدينية بالمسؤولية العملية عن رعاية الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن، وعندما يُستهدف أمن المملكة، فإن مشاعر القلق لا تقتصر على مواطنيها والمقيمين فيها، بل تمتد إلى شعوب ترى في استقرارها ضمانة لاستمرار أداء هذه الرسالة الدينية والإنسانية في أجواء من الأمن والطمأنينة، وهذه المكانة لا تُقاس بالشعارات وحدها، وإنما بما يرتبط بها من مسؤوليات ضخمة تتطلب استعدادًا دائمًا وقدرة تنظيمية وأمنية وخدمية استثنائية، فمواسم الحج والعمرة تستقبل ملايين المسلمين، وتحتاج إلى منظومة متكاملة من الخدمات والنقل والصحة والسلامة وإدارة الحشود، وهو جهد لا تنحصر نتائجه في الداخل السعودي، بل ينعكس على تجربة ملايين البشر الذين يقصدون الأراضي المقدسة كل عام، ومن ثم، فإن حماية المملكة واستقرارها تكتسب معنى يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، لتتصل بحق المسلمين في الوصول الآمن إلى مقدساتهم، وباستمرار أداء شعائرهم في بيئة مستقرة، وبالمسؤولية التي تضطلع بها الدولة السعودية في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، ومن الخطأ التعامل مع الاعتداءات على المملكة كما لو كانت مجرد حلقة في نزاع إقليمي يمكن احتواؤه بتصريحات عابرة، لأن اتساع دائرة المخاطر يجعل تداعياتها المحتملة أبعد من الحسابات العسكرية المباشرة.
وإذا كانت المكانة الدينية تفسر جانبًا أصيلًا من الارتباط الوجداني بالمملكة، فإن موقعها الجيوستراتيجي يفسر جانبًا آخر من الاهتمام الدولي بأمنها، فالسعودية تقع في قلب مساحة جغرافية تتصل بالخليج العربي والبحر الأحمر، وتجاور ممرات بحرية ذات أهمية حيوية للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة وحركة النقل بين الشرق والغرب، وهذا الموقع لا يمنحها أهمية استراتيجية في محيطها المباشر فحسب، بل يجعل استقرارها جزءًا من منظومة أوسع تتصل بأمن الممرات البحرية، واستدامة سلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية، وقدرة الاقتصاد الدولي على التعامل مع الأزمات دون أن تتحول إلى اضطرابات متلاحقة، وفي عالم أصبحت فيه الأزمات تنتقل بسرعة من ساحة إلى أخرى، لم يعد ممكنًا الفصل بين أمن دولة محورية كالسعودية وبين مصالح الدول التي تعتمد على استقرار المنطقة وانسياب تجارتها.
ولذلك فإن استهداف المطارات والمنشآت المدنية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تصعيد عسكري محدود، لأن هذه المنشآت تمثل شرايين للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وبوابات لحركة البشر والأعمال والاستثمار، كما أنها ترتبط مباشرة بأمن المدنيين وسلامة الملاحة الجوية، وحين تمتد الاعتداءات إلى منشآت مدنية، فإن أثرها يتجاوز الخسائر المباشرة إلى محاولة بث القلق وتعطيل الحياة الطبيعية وإرباك حركة السفر والاقتصاد، وقد كشفت ردود الفعل التي أعقبت الاعتداءات الأخيرة على المملكة عن إدراك واسع لخطورة هذا المسار، إذ توالت الإدانات والمواقف المعلنة من دول عربية وإسلامية ودول أخرى، إلى جانب مواقف أممية أكدت خطورة استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، وقد عبّر مجلس التعاون لدول الخليج العربية عن تضامنه الكامل مع المملكة، مؤكدًا أن أمنها جزء لا يتجزأ من الأمن الجماعي لدوله، كما صدرت مواقف تضامن وإدانة عن دول عدة، من بينها مصر والإمارات وتركيا، إلى جانب مواقف دولية أخرى، وهذه المواقف على اختلاف سياقاتها تلتقي عند مبدأ أساسي هو رفض تحويل المدنيين والمنشآت المدنية إلى أدوات في الصراعات المسلحة.
تكتسب هذه الموجة من التضامن أهمية إضافية لأنها لا تنطلق من منطقة واحدة أو من دائرة سياسية محددة، بل تعكس اتساع الإدراك بأن الاعتداء على المملكة لا يمكن عزله عن التداعيات المحتملة على الاستقرار الإقليمي والدولي، فالتضامن العربي يحمل معنى الوفاء لمبدأ الأمن المشترك، والتضامن الإسلامي يتصل بمكانة المملكة ومسؤولياتها الدينية، أما المواقف الدولية فتتصل كذلك بقواعد القانون الدولي، وحرية الملاحة، وأمن الطيران المدني، واستقرار أسواق الطاقة والتجارة، ومن المهم هنا ألا يُقرأ هذا التضامن باعتباره مجرد تعاطف عابر في أعقاب حدث مؤلم، بل بوصفه فرصة لتأكيد قواعد لا ينبغي أن تخضع للمساومة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، ورفض الاعتداء على المدنيين، وعدم السماح للجماعات المسلحة بفرض إرادتها على الدول أو تهديد أمن المنطقة من خارج مؤسسات الدولة الوطنية، ولا يمكن فهم هذا الحضور الدولي للمملكة من دون التوقف عند سياستها الخارجية التي اتسعت دوائرها خلال العقود الماضية، وتداخل فيها العمل السياسي مع الدبلوماسية الاقتصادية والمساعدات الإنسانية والتنموية، فقد ارتبط الدور السعودي في محطات عديدة بدعم جهود الاستقرار، والمساهمة في معالجة الأزمات، وتقديم المساعدات للدول والمجتمعات التي تواجه الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية، كما برزت المملكة في مسارات الوساطة والحوار، وفي دعم العمل الإنساني، وفي المساهمة في تمويل مشروعات تنموية وإغاثية عبر مؤسساتها المعنية، وهذه الأدوار لا تعني أن المملكة تتحرك في عالم خالٍ من الاختلافات أو تضارب المصالح، ولا أن كل موقف دولي منها تحكمه الاعتبارات ذاتها، لكنها تؤكد أن علاقاتها الدولية لا تقوم على النفط وحده، وأن حضورها يتجاوز التبادل التجاري إلى شبكة واسعة من المصالح والشراكات والمواقف الإنسانية والسياسية.
إن اختزال المملكة في كونها واحدة من أكبر الدول المنتجة للطاقة في العالم يظل قراءة ناقصة لطبيعة تأثيرها، فالنفط عنصر مهم في مكانتها الدولية، لكنه ليس العنصر الوحيد، كما أن التحولات الاقتصادية والقفزات التنموية التي تشهدها المملكة، وتوسع قطاعات الاستثمار والسياحة والصناعة والتقنية والخدمات، تعزز من اندماجها في الاقتصاد العالمي وتزيد من أهمية استقرارها بالنسبة إلى شركائها، وكلما اتسعت المصالح المتبادلة، ازدادت الحاجة إلى حماية البيئة الإقليمية التي تسمح باستمرارها، ليس انطلاقًا من مصلحة سعودية فحسب، وإنما من مصلحة الدول التي تربطها بالمملكة علاقات تجارية واستثمارية واستراتيجية، فالاستقرار ليس قيمة سياسية مجردة، بل هو شرط أساسي لحركة الأسواق، وانتظام الطيران، وتدفق الاستثمارات، واستمرار مشروعات التنمية، وقدرة المجتمعات على بناء مستقبلها بعيدًا عن تهديدات العنف، وفي هذا السياق، تبدو أهمية التضامن الدولي في أنه يضع المسؤولية أمام المجتمع الدولي بصورة أكثر وضوحًا، فالإدانة السياسية ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية الموقف، خصوصًا عندما تتكرر الاعتداءات وتتسع مخاطرها لتشمل المدنيين والمنشآت الحيوية، المطلوب هو موقف دولي متماسك يترجم المبادئ المعلنة إلى خطوات عملية في إطار القانون الدولي، ويعمل على منع تكرار الاعتداءات، ويعزز حماية المدنيين، ويحول دون تحول الممرات البحرية والجوية إلى ساحات للابتزاز والتهديد، كما أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على حماية المصالح الاقتصادية أو ضمان تدفق الطاقة، بل تشمل صيانة قواعد السلم والأمن الدوليين، ورفض أن تتحول الجماعات المسلحة إلى قوى تفرض الوقائع بالقوة خارج مؤسسات الدولة والالتزامات الدولية.ولا يعني ذلك أن التضامن مع المملكة دعوة إلى توسيع دائرة الصراع أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، بل إن جوهره الحقيقي يجب أن يكون دعم حقها المشروع في حماية أمنها وسيادتها، والعمل في الوقت نفسه على معالجة أسباب التصعيد ومنع امتداد آثاره، فالقوة والردع يكتسبان قيمتهما حين يسهمان في حماية الاستقرار، والدبلوماسية تحقق غايتها حين تستند إلى التزامات واضحة وآليات تضمن تنفيذها، أما ترك الاعتداءات تتكرر من دون مساءلة أو ضمانات جدية، فإنه يضعف الثقة بالقواعد الدولية ويشجع على اختبارها مجددًا، ومن هنا فإن مسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية تتمثل في مساندةلمساعي الرامية إلى تثبيت الأمن، ومنع استهداف المدنيين، وتهيئة الظروف التي تتيح تسوية مستدامة للصراعات، لا الاكتفاء بإدارة أزماتها كلما انفجرت من جديد، كما أن التضامن مع المملكة ينبغي أن يُفهم في إطاره العربي الأوسع، باعتباره تأكيدًا على أن أمن الدول العربية لا يتجزأ، وأن استقرار دولة محورية ينعكس على محيطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالمنطقة عانت طويلًا من الحروب وتفكك المؤسسات وصعود الجماعات المسلحة وتراجع فرص التنمية، وأي تهديد جديد لأمن دولة مركزية فيها قد يضيف إلى هذه الأزمات أعباء أخرى لا تقف آثارها عند الحدود، لذلك فإن تعزيز العمل العربي المشترك، وتطوير آليات التنسيق الأمني والدبلوماسي، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، تمثل جميعها مسارات ضرورية للانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على منع التصعيد وحماية المصالح المشتركة، وليس التضامن الحقيقي مجرد بيانات تتكرر عند وقوع الاعتداءات، وإنما هو موقف ثابت من سيادة الدول ورفض الاعتداءات، واستعداد للتعاون من أجل استدامة الأمن والاستقرار.
وإذا كانت الاعتداءات الأخيرة قد أعادت طرح سؤال أمن المملكة على نطاق واسع، فإنها تتيح أيضًا فرصة لتذكير العالم بحقيقة أعمق، وهي أن مكانة السعودية لا تنبع من مورد اقتصادي أو قوة جغرافية منفردة، بل من اجتماع عناصر تمنحها حضورًا استثنائيًا في الوجدان الإسلامي، وفي الحسابات العربية، وفي شبكة المصالح الدولية، إنها دولة الحرمين الشريفين التي يتطلع المسلمون إلى استمرار دورها في خدمة المقدسات، ودولة ذات موقع استراتيجي يؤثر في أمن الممرات البحرية والتجارة العالمية، وشريك اقتصادي ودبلوماسي له حضور في قضايا التنمية والاستقرار والعمل الإنساني. هذه المكانة تفرض على المجتمع الدولي أن يتعامل مع أمنها باعتباره قضية تتجاوز حدود التضامن البروتوكولي إلى مسؤولية مشتركة عن حماية قواعد النظام الدولي وصيانة الاستقرار.
في النهاية، لا يحتاج التضامن مع المملكة إلى مبالغة في وصف مكانتها، لأن حقائق الجغرافيا والتاريخ والدين والاقتصاد تكفي لتفسيرها، ولا يحتاج إلى اختزال دورها في عنصر واحد، لأن تأثيرها نتاج منظومة متكاملة من الأدوار والمسؤوليات، وما تكشفه المواقف العربية والدولية الراهنة هو أن أمن السعودية يرتبط بمصالح أوسع من حدودها، وأن استقرارها ليس قضية تخص السعوديين وحدهم، وإن كان حقهم الأول في وطن آمن ومستقر، بل قضية تتصل كذلك بأمن الخليج والبحر الأحمر، وبسلامة التجارة الدولية، وبمصالح ملايين المسلمين، وبقدرة المنطقة على الإفلات من دوامة الصراعات، ومن هنا فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن يخرج بها العالم من هذه اللحظة هي أن حماية المملكة من الاعتداءات ليست مجاملة سياسية ولا اصطفافًا عابرًا، وإنما التزام بمبدأ واضح: لا استقرار إقليميًا مستدامًا من دون احترام سيادة الدول، ولا أمن دوليًا حقيقيًا إذا تُرك المدنيون والمنشآت الحيوية رهائن للجماعات المسلحة، ولا مستقبل آمنًا للمنطقة ما لم يتحول التضامن المعلن إلى عمل جاد يحمي السلام ويمنع تكرار التهديدات، فأمن المملكة ليس شأنًا منفصلًا عن أمن العالم، بل أحد العناوين المهمة لأمن منطقة تتقاطع فيها مصالح الشعوب والدول، ويظل استقرارها ضرورة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى مستقبل الجميع.