سليمان بن صالح المطرودي
في العلاقات بين الدول، لا تُقاس المواقف بما تحمله البيانات الرسمية من عبارات التضامن والتأييد، ولا بما تتضمنه الخطابات الدبلوماسية من كلمات منتقاة بعناية، وإنما بمدى انعكاس تلك المواقف على السياسات والممارسات الفعلية.
فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها حين تتناقض معها الأفعال، ويصبح التضامن المعلن مختلفًا عن السلوك الذي تشهده الوقائع.
ومن هذا المنطلق، فإن التضامن مع المملكة العربية السعودية لا يحتاج إلى مزيد من البيانات المنمّقة بقدر ما يحتاج إلى مواقف عملية واضحة، تنسجم فيها التصريحات الرسمية مع السياسات المتبعة، وتتحمّل فيها المؤسسات الإعلامية مسؤولياتها المهنية والأخلاقية، بما يحفظ للدول سيادتها، ويصون العلاقات بينها من محاولات الإساءة والتأجيج.
فليس من المنطقي أن تعلن دولة رفضها للعدوان، وتؤكد حرصها على الأمن والاستقرار، بينما تتيح بعض المنابر الإعلامية العاملة من أراضيها المجال لتبرير ذلك العدوان أو الترويج له، أو تسمح بتحويل منصاتها إلى ساحات لبث خطاب الكراهية والتحريض ضد المملكة العربية السعودية.
فمثل هذا التناقض يضعف مصداقية المواقف المعلنة، ويثير تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام الفعلي بمضامينها.
ولا يعني ذلك أن التضامن يقتضي تطابق الآراء، أو أن العلاقات بين الدول يجب أن تخلو من الاختلاف في وجهات النظر؛ فالاختلاف أمر طبيعي في العلاقات السياسية، كما أن حرية التعبير قيمة ينبغي احترامها وحمايتها.
غير أن هناك فارقًا واضحًا بين ممارسة الحق في التعبير عن الرأي، وبين توظيف هذا الحق لتبرير العدوان أو التحريض على الكراهية أو المساس بسيادة الدول وأمنها.
فالحرية لا تعني غياب المسؤولية، والاستقلالية الإعلامية لا تعني التخلي عن المعايير المهنية والأخلاقية.
والإعلام المسؤول هو الذي يتيح تعدد الآراء، ويعرض الوقائع بموضوعية، ويميز بين التحليل السياسي والتحريض، وبين النقد المشروع والترويج للعنف والعدوان.
أما الانتقائية في تطبيق المعايير المهنية، بحيث تُرفع شعارات الحرية حين تخدم اتجاهًا معينًا، وتُغيب حين تتعارض مع المصالح، فإنها تضعف الثقة بالإعلام ومصداقيته.
والمسؤولية هنا لا تقع على عاتق الحكومات وحدها؛ بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية التي ينبغي أن تلتزم بمواثيقها المهنية، وإلى الأفراد الذين يتعيَّن عليهم إدراك أن حرية الرأي تقترن بالمسؤولية عن الكلمة وآثارها.
كما أن الموقف الرسمي لا يكتمل بمجرد إعلان رفض العدوان، بل يتطلب اتساقًا واضحًا بين ما يُقال وما يُمارس، في حدود القوانين والالتزامات التي تحكم كل دولة.
والمملكة العربية السعودية، بما تمثِّله من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إقليمية ودولية، ليست مجرد طرف في علاقات ثنائية أو سجالات إعلامية عابرة؛ بل هي دولة لها سيادتها ومصالحها وأمنها، ومن حقها أن تتوقع من شركائها وأصدقائها وضوح المواقف، واتساقها مع المبادئ التي يعلنون الالتزام بها.
فالعلاقات المستقرة لا تُبنى على المجاملات وحدها، وإنما على الثقة المتبادلة، واحترام المصالح المشروعة، والوفاء بالالتزامات، والابتعاد عن المواقف المزدوجة.
كما أن حماية العلاقات بين الدول من حملات التحريض والإساءة لا تعني مصادرة الرأي أو إغلاق أبواب النقد، وإنما تعني ترسيخ ثقافة سياسية وإعلامية تفرّق بين الاختلاف الذي يثري النقاش، والخطاب الذي يسهم في تأجيج الصراعات.
فالنقد حق، أما تبرير العدوان فمسألة مختلفة، والتعبير عن الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للتضليل أو التحريض.
إن التضامن الحقيقي لا يُختبر في الأوقات الهادئة، حين يكون إعلان المواقف سهلًا وقليل التكلفة؛ بل يظهر حين تتطلب المواقف وضوحًا واتساقًا وتحملًا للمسؤولية.
وعندها تتضح المسافة بين من يكتفي بإعلان التضامن، ومن يترجمه إلى سلوك وممارسة، وبين من يتعامل مع المبادئ باعتبارها التزامًا ثابتًا، ومن يتخذها شعارات تتغير وفقًا للظروف والمصالح.
وفي نهاية المطاف، لا تحتاج المملكة إلى عبارات تضامن تتناقض معها الممارسات، بقدر ما تحتاج إلى علاقات واضحة تقوم على الاحترام المتبادل، ومواقف صادقة لا تتبدل بتبدل الظروف.
فالمواقف الحقيقية لا تثبتها الكلمات وحدها، بل يصدّقها العمل، والتضامن ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة ثم تنقضه الممارسات؛ إنه مسؤولية سياسية وأخلاقية، ومصداقية تُبنى بالأفعال قبل الأقوال.