بعض التواريخ نعود إليها لنتذكر ما حدث، وبعضها نعود إليها لنفهم الذي ما زال يحدث فينا. وذكرى تأسيس الهلال من النوع الذي يستمر أثره؛ نستعيدها فنجد أن رجلًا بدأ حكاية، وأن أجيالًا ما زالت تعيش في اتساعها، تضيف إليها من أعمارها، وتأخذ منها ما يعينها على الفرح.
حين أسّس عبدالرحمن بن سعيد، رحمه الله، ذلك النادي في الرياض عام 1957، كان يضع حجرًا في أرض، ويفتح في الوقت نفسه نافذة في وجدان بلاد لم يكن في وسع البدايات أن تُري أصحابها كل ما سيأتي: مدرجات تمتلئ، ورايات تعبر الحدود، وأطفال يكبرون ثم يصحبون أطفالهم إلى الحكاية نفسها. لكن تلك البداية كانت تحمل سرّها؛ إيمانًا بأن ما يستحق أن يُبنى، يستحق أن يُمنح العمر.
وهذا أول ما يجعل تأسيس الهلال أكبر من مناسبة رياضية: أن أثر الإنسان قد يتجاوز حدود حياته، وأن الفكرة الصادقة تستطيع أن تواصل العمل بعد غياب صاحبها. يرحل المؤسس، ويبقى في كل فرحة شيء من صنيعه، وفي كل جيل امتداد لنيّته الأولى. ولعل من أجمل الوفاء أن ننظر إلى هذا الفرح الممتد، ثم نقول: رحم الله من بدأه.
منذ تأسيسه، كان الهلال مشروع ريادة. تظهر ملامحه في السؤال الذي يتجدد بعد كل وصول: وماذا بعد؟ فالمجد الذي يستقر طويلًا في مكانه يتحول إلى ذكرى، والهلال تعلّم أن يحمل ذاكرته معه إلى الميدان؛ يستند إليها، ويعرّضها في كل مرة لاختبار جديد.
من هنا تكوّنت ثقافة هلالية لها مزاجها وتوقعاتها ولغتها. صار الفوز مسؤولية تزداد بما سبقها من انتصارات، وصارت البطولة وعدًا بمزيد من العمل. وفي هذا الطموح شيء جميل وشيء شاق أيضًا؛ فالجمهور الذي ذاق الفرح كثيرًا يصعب إقناعه بالانتظار، والكيان الذي رفع السقف عاليًا يعرف أن عليه أن يظل قادرًا على بلوغه.
ولذلك التاريخ وجوهه التي تمنحه ملامحه الإنسانية. من مبارك عبدالكريم وسلطان مناحي، إلى جيل محسن بخيت وبشير الغول، كانت الشخصية الهلالية تتكوّن في أقدام الرجال وصبرهم وتضحياتهم. لكل زمن ظروفه، ولكل جيل مهمته؛ رجال صنعوا البداية، وآخرون صانوا جذوتها، ومن جاءوا بعدها وجدوا أمامهم إرثًا يطالبهم بأن يكونوا جديرين به.
ثم جاء الإمبراطور صالح النعيمة، فصار للقيادة في الوجدان الأزرق وجه نعرفه؛ هيبة تتقدم الفريق، وثقة تسري من القائد إلى زملائه والمدرج. وتتابعت الوجوه التي حملت معنى القيادة وعبء القميص: يوسف الثنيان، وسامي الجابر، وياسر القحطاني، ومحمد الشلهوب، وسلمان الفرج، وصولًا إلى سالم الدوسري. لكل واحد لغته في مخاطبة المباراة؛ مراوغة تفتح المستحيل، أو حضورا يحسم الموعد، أو هدوءا يعيد ترتيب الخوف.
والشارة، في حكاية كهذه، ميراث معنوي. يضعها اللاعب على ذراعه، ويضع معها تاريخًا كاملًا أمام ضميره. حوله زملاؤه، وخلفه أجيال تنتظر أن ترى في خطواته شيئًا ممن سبقوه.
ولم تكن أبواب الهلال مغلقة على موهبة من مكان واحد. منذ ريفيلينو، كان في الحكاية أفق يتسع للعالم؛ نجم من ذاكرة الكرة البرازيلية يأتي إلى الرياض، فيرى الصغار أمامهم ما كانوا يتابعونه من بعيد. وكان نجيب الإمام شريكًا في تلك المرحلة، حتى إن دهشته باللعب إلى جوار ريفيلينو بقيت حكاية تُروى. هكذا اجتمعت في القميص الأزرق موهبة عربية وخبرة عالمية، مبكرًا، قبل هذا الاتساع الذي نعيشه اليوم.
ثم مضت السنوات، وجاء كماتشو وتفاريس وكارلوس إدواردو، فصار لكل اسم مدخل إلى قلوب الناس: قدم تصنع الحل، ومدافع يمنح المدرج طمأنينته، ولاعب يحضر حيث ينتظر الجمهور الفارق. بعض القادمين وصلوا بأسماء يعرفها العالم، وبعضهم اتسعت شهرتهم وهم يرتدون الأزرق. وفي الحالتين كان الملعب هو الموعد الذي تتحول فيه الموهبة إلى محبة، والعقد إلى علاقة تعيش بعد نهايته.
وللعرب في هذه الذاكرة دفؤهم الخاص؛ من نجيب الإمام إلى صلاح الدين بصير وطارق التايب، حتى ياسين بونو. وجوه مختلفة، ولهجات متعددة، يجمعها ذلك النداء الذي يخرج من المدرج حين يرى الإتقان. وللخليج مكانه القريب أيضًا؛ بشار عبدالله وجاسم الهويدي اسمان تستعيد معهما الذاكرة زمنًا من الأزرق، وتستعيد كيف تصبح موهبة القادم من الجوار جزءًا من حكاية البيت.
واليوم، مع المشروع الرياضي السعودي واتساع طموحه، يواصل الهلال استقبال كوكبة من نجوم العالم، ومنهم روبن نيفيز، في فصل جديد من علاقة قديمة بالطموح. تتسع الإمكانات، وتكبر المنصة، ويبقى السؤال الذي ينتظر كل قادم: ماذا ستضيف إلى هذه الحكاية؟ فالاسم يمنح صاحبه انتباه الناس أولًا، ثم يمنحه عطاؤه مكانه بينهم.
وكما تعاقبت المواهب، تعاقبت الأفكار. من زاجالو وبروشتش، مرورًا ببلاتشي ويوردانيسكو وجيريتس ودياز وجيسوس، حتى سيموني إنزاغي، عرف الهلال مدارس تدريبية متعددة، وأسماء حملت معها تجاربها وتصوراتها للعبة.
ومع كل مدرسة جاء سؤال مختلف عن المساحة والحركة والانضباط والجرأة؛ فأصبح للنادي نصيبه من الحوار الكروي الذي يدور في العالم، يتعلم منه ويختبره في ملاعبنا.وهنا يمتد أثر التأسيس إلى ما وراء النتائج. فقد أسهم الهلال في رفع مقدار ما ننتظره من النادي السعودي، وفي توسيع الصورة التي نتخيلها لحضوره. جعل البعيد وجهة يمكن الاستعداد لها، وجعل الحلم محتاجًا إلى معرفة وتنظيم وعمل، وإلى رجال يستطيعون تحويل الرغبة إلى موعد.
وللثقافة هنا معناها الحي؛ ما يفعله الناس بما يحبون. الكلمات التي ابتكروها، والأهازيج التي حفظوها، والمقالات التي كتبوها، والحكايات التي أعادوا روايتها حتى صارت من تراث العائلة. كم من أب شرح لابنه زمنًا كاملًا وهو يشرح له هدفًا! وكم من اسم لاعب فتح حديثًا عن بيت قديم، وأصدقاء تفرّقوا، وصوت مذيع كان يملأ مساءاتنا! ويكفي أن تدخل مدرسة، وتفتح مع الصغار حديثًا عن الهلال، لتعرف كيف يتأسس الحب من جديد. تتزاحم الأسماء على ألسنتهم، وتلمع العيون وهم يروون هدفًا أو يقلّدون احتفالًا؛ لكل طفل بطله، ولكل واحد حكايته الأولى مع الأزرق. هناك، في الفصول والفسح وملاعب الصباح، ترى الإرث وهو يجد ورثته، وتدرك أن ما بدأه المؤسسون صار قادرًا على تجديد نفسه في قلوب لم تشهد أكثر تاريخه، لكنها تؤمن أن أجمله ينتظرها.
ثم زر متجر الهلال، وابحث عن قميصه؛ قد لا تكاد تجد المقاس الذي تريد، لأن محبيه سبقوك إليه. وراء كل قميص غادر الرف طفل ينتظر هدية، أو مشجع يستعد لموعد، أو محب يريد أن يحمل انتماءه قريبًا من قلبه. وما إن يخلو مكانه في المتجر حتى يبدأ حضوره في حياة صاحبه؛ يرتديه إلى الملعب، ويظهر به في صورة، ثم يحتفظ به يومًا شاهدًا على عمر من المحبة. يكفي هذا النادي أن كل لاعب ارتدى قميصه صنع معه ذاكرة.
تختلف مساحة الأثر؛ أحدهم أقام في الوجدان سنوات، وآخر مرّ سريعًا وترك لحظة لا تُنسى. نحفظ لهذا هدفًا، ولذاك تصديًا، ولآخر محاولة أخيرة أبقت الرجاء حيًا. حتى الذين لم تكتمل حكاياتهم كما تمنينا، بقوا جزءًا من حديثنا عن الفريق وعن أنفسنا.
نتذكر المباراة، فتعود معها الغرفة التي شاهدناها فيها، واليد التي صافحناها بعد الهدف، ومن كان يجلس إلى جوارنا ثم غاب. لذلك تحمل بعض الانتصارات فرحين: فرح ما تحقق، وفرح من نتمنى لو كانوا معنا ليروه.
ثم اتسعت الحكاية، وحدثت بها آسيا، ورآها العالم. وحين بلغ الهلال نهائي كأس العالم للأندية أمام ريال مدريد، كانت رحلة بدأت في الرياض تصل إلى مشهد يتابعه العالم؛ وراء اللاعبين تاريخ من المحاولات، ووراء القميص أجيال آمنت بأن له مكانًا في تلك الصورة.
ثم جاء كأس العالم للأندية عام 2025، فكتب الهلال فصلًا آخر من حضوره العالمي، وهزم مانشستر سيتي بأربعة أهداف لثلاثة بعد التمديد، وعبر إلى ربع النهائي. كانت ليلة رأى فيها العالم ما يعرفه الهلاليون عن فريقهم: طموحًا يقوى بالمواجهة، وثقة تنمو كلما كبر التحدي. وفي تلك الليلة بدا الطريق من البدايات إلى العالمية واضحًا؛ فكرة آمن بها رجال في الرياض، ثم تعاقبت الأجيال على حملها حتى صار لها هذا الصوت في العالم.
وفي ذكرى التأسيس، يستحق الذين حملوا هذه الحكاية أن نحفظ لهم فضلهم: من أسّس، ومن أدار، ومن دعم، ومن درّب، ومن لعب، ومن عمل بعيدًا عن الضوء. فالإرث العظيم حصيلة أمانات انتقلت بين أيدٍ كثيرة؛ كل جيل تسلّمه وفيه تعب من سبقه، ثم ترك فيه شيئًا لمن سيأتي بعده. ونحن، المشجعين، لنا نصيب من هذه الأمانة. أن نكون صالحين لهذا الحب؛ نمنحه وفاءً، ونحفظ له أخلاقه، وندعو لمن رحلوا من رجاله، ونشكر من أحسنوا إليه. وأن يجد الأطفال الذين يأخذون عنا هذا الانتماء فرحًا يستحق أن يُورث، ومحبة تزيد أصحابها نبلًا.رحم الله من أسّس الهلال، ومن خدمه ومضى، وبارك فيمن يصون إرثه ويزيده.
لقد منحونا ناديًا نشجعه، ومنحونا معه عمرًا آخر نحسبه بالمباريات، وبيوتًا بعيدة تجمعنا بها صرخة فرح، وأسماءً كلما ذكرناها عاد إلينا شيء من شبابنا. وسيأتي طفل لم يولد بعد، يسأل أباه يومًا: كيف أحببت الهلال؟ وحين يبدأ الأب بالإجابة، سيبدأ التأسيس من جديد.
** **
- خالد الباتلي