فاطمة الجباري
بعض الغياب يبدأ قبل الموت.. حين نتوقف عن السؤال
هناك مفارقات في الحياة لا يستطيع العقل تفسيرها، ولا القلب احتمالها، ومن أكثرها وجعًا أن يعيش الإنسان بين أهله وأحبته، حاضرًا بجسده، غائبًا عن اهتمامهم؛ فلا زيارة، ولا اتصال، ولا سؤال، ولا جلسة عابرة تُشعره بأن هناك من يفتقده.
يمضي يومه، ثم أسبوعه، وربما شهره، ولا يأتي أحد.
وقد ينظر إلى هاتفه أكثر من مرة، منتظرًا اسمًا يحبه، أو رسالة تقول: «كيف أنت؟»، أو صوتًا مألوفًا يبدد شيئًا من وحشة الأيام.
لكن لا أحد يأتي.
ليس لأنهم يكرهونه، وليس بالضرورة لأنهم لا يحبونه، وإنما لأن الحياة أخذتهم بعيدًا، وأصبح السؤال مؤجلًا دائمًا إلى «وقت آخر».
والمؤلم أن هذا الوقت الآخر قد لا يأتي.
حين كان حيًّا.. أين كنتم؟
ما دام الإنسان حيًا، يظن البعض أن أمامهم متسعًا من الوقت.
«سنزوره لاحقًا».
«سنتصل به غدًا».
«عندما نفضى سنجلس معه».
«الفرصة القادمة نلتقي».
ثم تأتي لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى..
يرحل الإنسان.
وفجأة تتحول تلك الشخصية التي كان الجميع يظنون أن أمامهم عمرًا طويلًا لزيارتها، إلى خبر عاجل، وصورة تُتداول، وذكرى تُستعاد، وقبر يُزار.
تأتي الوفود من كل مكان.
يمتلئ المكان بالمعزين.
تتعدد الاتصالات والرسائل.
ويقول الجميع:
«كان عزيزًا علينا».
«رحمه الله، كان من أحب الناس إلى قلوبنا».
«ليتنا زرناه قبل أن يرحل».
وهنا يقف السؤال حزينًا عند باب القلب:
أين كنتم حين كان حيًّا؟
حين كان يفرح برؤيتكم؟
حين كان يشتاق إلى أصواتكم؟
حين كان يحتاج إلى جلسة معكم أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر؟
حين كان يستطيع أن يفتح لكم قلبه، ويضحك معكم، ويحكي لكم تفاصيل يومه الصغيرة؟
لا تجعلوا العزاء موعدكم الأول
كم هو مؤلم أن يصبح الموت هو المناسبة التي تجمعنا بمن فرقتنا عنهم مشاغل الحياة.
وكم هو أقسى أن نزور بيت الإنسان بعد أن غادره، بينما كان باب بيته مفتوحًا لنا وهو ينتظرنا.
أن نشتري الزهور بعد رحيله، بينما كان يمكننا أن نقدم له وردة في حياته.
أن نملأ وسائل التواصل بالدعوات له، بينما كان يستطيع أن يسمع منا كلمة طيبة وهو حي.
أن نبكي فراقه، بينما كان ربما يبكي من وحدته ونحن بعيدون عنه.
الحقيقة التي ينبغي ألا نغفل عنها أن الأحياء يحتاجوننا أكثر مما يحتاجنا الراحلون.
الميت قد انقطع عمله، وأصبح بين يدي رحمة الله، ولا نملك له إلا الدعاء والصدقة وما ينفعه بإذن الله.
أما الحي، فما زال يستطيع أن يشعر بحضورنا.
ما زال يستطيع أن يفرح بنا.
ما زال يستطيع أن يسمع «اشتقت لك».
ما زال يستطيع أن يحتضننا ونحتضنه.
لا تؤجلوا المشاعر
نحن نؤجل أشياء كثيرة وكأن العمر مضمون.
نؤجل الزيارة.
نؤجل المصالحة.
نؤجل الاعتذار.
نؤجل السؤال.
نؤجل التعبير عن الحب.
ثم يأتي الموت فيأخذ منا فرصة لا تُسترد.
وحينها لا تنفع عبارة:
«ليتني فعلت».
فـ«ليت» لا تفتح بابًا أُغلق، ولا تعيد صوتًا سكت، ولا تعيد جسدًا غاب تحت التراب.
لذلك، لا تنتظروا المناسبات حتى تتواصلوا.
اتصلوا بلا مناسبة.
زوروا بلا موعد.
اسألوا بلا سبب.
اذهبوا إلى من تحبون لمجرد أنكم اشتقتم إليهم.
فربما كانت زيارتكم القصيرة بالنسبة لكم عادية، لكنها بالنسبة لإنسان آخر كانت أجمل ما حدث له في ذلك اليوم.
الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الكثير
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى هدية، ولا إلى مال، ولا إلى كلمات طويلة.
يحتاج فقط إلى شخص يقول له:
«أنا هنا.. كيف حالك؟»
يحتاج إلى من يشعره بأنه ليس منسيًا.
وأن غيابه يُلاحظ.
وأن وجوده له قيمة.
وأن هناك قلبًا في هذا العالم يفرح حين يراه.
فكم من إنسان يعيش بيننا، لكنه يشعر بأنه وحيد.
وكم من شخص يبتسم أمامنا، وفي داخله أمنية صغيرة:
«ليت أحدًا يسأل عني».
قبل أن يصبح اللقاء الأخير
لا تنتظروا موت من تحبون لتكتشفوا مكانتهم.
لا تجعلوا جنازاتهم أول موعد للقاء.
لا تجعلوا المقبرة أول مكان تقفون فيه طويلًا بجوارهم.
اذهبوا إليهم وهم أحياء.
اجلسوا معهم.
استمعوا إلى حكاياتهم ولو تكررت.
اسألوا عن صحتهم.
شاركوا أفراحهم الصغيرة.
كونوا إلى جوارهم في أيامهم العادية، لا في يومهم الأخير فقط.
فالموت لا يمنحنا فرصة أخرى لنقول ما لم نقله.
والقبر لا يسمح لنا بأن نعوض ما فات.
وفي النهاية..
قد يأتي يوم نقف فيه أمام قبر إنسان أحببناه، ونتمنى لو عاد بنا الزمن دقائق فقط.
لا لنقول له كلامًا عظيمًا..
بل لنقول:
«سامحني.. كان ينبغي أن أزورك أكثر».
«كان ينبغي أن أتصل بك».
«كان ينبغي أن أخبرك أنك عزيز».
لكن الزمن لا يعود.
لذلك، قبل أن تصبح الأسماء ذكريات، والوجوه صورًا، والأصوات تسجيلات قديمة، والبيوت أماكن فارغة..
اذهبوا إلى من تحبون.
قولوا لهم ما تشعرون به.
احتضنوهم.
سامحوهم.
واطلبوا منهم السماح.
فربما تكون الزيارة التي تراها أنت عابرة، هي عندهم عمرًا كاملًا من الفرح.
وتذكروا دائمًا:
لا تنتظروا موت الإنسان لتقولوا: كان عزيزًا.. قولوا له ذلك وهو حي، فبعض الكلمات حين تُقال متأخرة لا قيمة لها سوى أنها تؤلم صاحبها.