إبراهيم أبوهيف
تتجه إسرائيل إلى انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر في لحظة سياسية وأمنية تختلف جذريًا عن انتخابات 2022، فهذه أول انتخابات عامة تأتي بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من سنوات من الحرب والمواجهات الإقليمية واتساع الانقسام الداخلي وإعادة فتح العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والقضاء والقوى الدينية، ولذلك لا تقتصر دلالة الاقتراع على تحديد اسم رئيس الحكومة المقبل، بل تمتد إلى إعادة تشكيل مركز القرار داخل الدولة وتحديد الوزن الذي ستحصل عليه القوى الدينية والقومية في الحكومة المقبلة وحدود قدرة المؤسسات التقليدية على استعادة جزء من تأثيرها في صناعة السياسة.
ولا تشير الخريطة الانتخابية حتى منتصف أكتوبر إلى عودة إسرائيل إلى الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، بل إلى إعادة توزيع القوة داخل اليمين والوسط الأمني، فالبدائل الرئيسية لبنيامين نتنياهو لا تتحرك من موقع يساري يناقض التوجهات الأمنية السائدة، وإنما من داخل البيئة الأمنية والقومية نفسها، وهو ما يجعل الانتخابات أقرب إلى صراع على طريقة إدارة الدولة واستخدام القوة وتركيبة الائتلاف، وليس على تغيير كامل للعقيدة التي حكمت السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
وتؤكد استطلاعات أكتوبر هذا التحول، إذ استطاع حزب «يشار» بقيادة جادي آيزنكوت الحفاظ على موقع متقدم أو منافس مباشر لليكود في عدد من القياسات، فيما بقيت الكتل الكبرى بعيدة عن أغلبية مستقرة، مع اختلاف واضح بين استطلاع وآخر في حجم معسكر نتنياهو والقوى المناهضة له، وهو اختلاف لا يعكس فقط تقلب اتجاهات الناخبين، بل يكشف الأثر الكبير للأحزاب الصغيرة ونسبة الحسم ومعدلات المشاركة في إعادة توزيع المقاعد.
معادلة الـ61 تعيد تعريف معنى الفوز
تبدأ القراءة الدقيقة للانتخابات الإسرائيلية من الرقم 61 وليس من ترتيب الحزب الأول، لأن النظام السياسي لا يمنح الحكومة تلقائيًا للحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما لمن يستطيع جمع أغلبية من أصل 120 عضوًا في الكنيست، ولذلك قد يتصدر آيزنكوت النتائج ويبقى خارج رئاسة الحكومة، كما يمكن لنتنياهو أن يأتي ثانيًا ويحتفظ بفرصة أكبر في تشكيلها إذا نجح في جمع كتلة أكثر تماسكًا.
وهذه المعادلة ترفع من قيمة المقاعد الأخيرة والأحزاب الصغيرة بصورة تتجاوز حجمها العددي، فالقائمة التي تسقط تحت نسبة الحسم البالغة 3.25 في المئة لا تفقد تمثيلها فقط، وإنما تخرج أصوات ناخبيها من عملية توزيع المقاعد، بما يمكن أن يمنح المعسكر الآخر مكاسب برلمانية لم يحصل عليها نتيجة تحول الناخبين إليه، بل نتيجة ضياع أصوات خصمه.
ومن هنا يصبح الفارق بين 58 و61 مقعدًا أكثر تأثيرًا من الفارق بين حزب يتقدم بمقعدين وآخر يأتي خلفه، كما تتحول مرحلة ما بعد الاقتراع إلى امتداد للمعركة نفسها، حيث تبدأ المفاوضات حول الحقائب والتجنيد والقضاء والسياسة تجاه غزة والضفة والعلاقة مع الولايات المتحدة، ويصبح تشكيل الحكومة عملية سياسية مستقلة لا مجرد نتيجة آلية لصناديق الاقتراع.
نتنياهو يحتفظ بالقاعدة ويواجه أزمة في تحويلها إلى أغلبية
لا تشير المعطيات الحالية إلى انهيار الليكود أو تفكك القاعدة الانتخابية لبنيامين نتنياهو، إذ لا يزال يحتفظ بكتلة صلبة من الناخبين وبخبرة واسعة في إدارة التحالفات وصياغة الحكومات المركبة، وهي عناصر تمنحه قدرة على البقاء في المنافسة حتى عندما يتراجع الليكود في بعض الاستطلاعات خلف «يشار».
لكن نقطة الضعف الرئيسية أصبحت موجودة في المساحة المحيطة بالليكود أكثر من وجودها داخل الحزب نفسه، فنتنياهو يحتاج إلى وصول جميع شركائه المحتملين إلى الكنيست واحتفاظهم بحجم يسمح ببناء أغلبية، وأي سقوط لحزب صغير من معسكره يمكن أن يهدر كتلة من الأصوات تكفي لخفضه عدة مقاعد عن الرقم المطلوب.
كما يدخل نتنياهو الانتخابات وهو يحمل عبئًا لم يكن موجودًا بهذه الصورة في 2022، يتمثل في مسؤولية المستوى السياسي عن إخفاق السابع من أكتوبر والخلاف حول إدارة الحرب ومستقبل غزة والعلاقة مع المؤسسة العسكرية والتحقيقات المنتظرة، ولذلك يسعى إلى نقل مركز التقييم من مرحلة ما قبل الهجوم إلى ما جرى بعده، عبر تقديم الحروب والمواجهات الإقليمية وما يعتبره إنجازات أمنية باعتبارها الأساس الذي يجب أن يُقاس عليه أداؤه.
وبذلك تتحول حملته إلى محاولة لإعادة تعريف السنوات الثلاث الماضية، بينما يتحرك خصومه في الاتجاه المقابل بإعادة فتح ملف المسؤولية والمساءلة وكفاءة إدارة الدولة، وهي مواجهة تتجاوز البرامج الحزبية إلى صراع على الرواية التي سيقبلها الناخب الإسرائيلي عن المرحلة كلها.
آيزنكوت يعيد توزيع الثقة داخل اليمين والوسط الأمني
يمثل جادي آيزنكوت أبرز تغير في الخريطة التي بدأت بها الحملة، لأن صعوده لم يأت من توسع اليسار، بل من قدرته على اختراق مساحة كان نتنياهو يحتفظ فيها بتفوق واضح، وهي مساحة الأمن والقيادة والثقة في إدارة الأزمات.
فآيزنكوت يأتي من رئاسة الأركان ولا يقدم نفسه باعتباره نقيضًا للمؤسسة العسكرية أو لتوجهات إسرائيل الأمنية، وإنما باعتباره قيادة قادرة على إدارة الدولة بصورة أكثر مؤسسية وأقل اعتمادًا على التوازنات التي فرضتها القوى الدينية والقومية داخل الحكومة الحالية، وهو ما يسمح له بجذب قطاعات من الوسط واليمين لا ترغب في استمرار نتنياهو لكنها لا تريد التحول نحو اليسار التقليدي.
ويفسر ذلك لماذا لا تعني مكاسب «يشار» تحولًا أيديولوجيًا واسعًا داخل المجتمع الإسرائيلي، بل تعكس في جانب كبير منها إعادة توزيع للثقة بين قيادات تنتمي إلى المجال الأمني نفسه، وهو تحول يمكن أن يغير طريقة إدارة الحكومة وعلاقتها بالمؤسسات أكثر مما يغير نظرتها العامة إلى استخدام القوة أو التهديدات الإقليمية.
كما أن تقدم آيزنكوت يزيد الضغط على بقية المعسكر المناهض لنتنياهو، إذ يقلص المساحة التي كان يتحرك فيها نفتالي بينيت ويائير لابيد، ويجعل المنافسة داخل المعارضة نفسها جزءًا من عملية تحديد من يقودها بعد الانتخابات ومن يتحول إلى شريك في حكومة يقودها آخر.
بينيت وليبرمان يتحولان إلى مفاتيح لبناء الائتلاف
يحتفظ نفتالي بينيت بموقع يسمح له بالتحرك بين اليمين والوسط، وهو موقع يجعله قادرًا على لعب دور أكبر بعد الانتخابات من ترتيبه داخل صناديق الاقتراع، خصوصًا إذا احتاج آيزنكوت إلى استكمال أغلبية لا تعتمد على الأحزاب العربية، فبينيت يستطيع توفير مقاعد من يمين لا يريد استمرار نتنياهو لكنه لا يرغب في الانضمام إلى حكومة تُصنف باعتبارها حكومة وسط تقليدية.
أما أفيغدور ليبرمان فيحمل وزنًا مختلفًا، إذ يجمع بين خطاب أمني يميني وموقف متشدد تجاه الأحزاب الحريدية وقضية التجنيد، وهو ما يجعله قادرًا على المشاركة في بناء ائتلاف بديل عن نموذج نتنياهو من دون أن يتحول إلى جزء من اليسار.
ومن ثم فإن قوة هذين الطرفين لا تُقاس فقط بعدد المقاعد، بل بموقعهما داخل معادلة الـ61، وقد يصبح كلاهما قادرًا على تحديد هوية رئيس الحكومة أو طبيعة الائتلاف إذا انتهت النتائج بتقارب شديد بين الكتل الكبرى.
الحريديم يدخلون الانتخابات بقدرة تفاوضية مرتفعة وضغط اجتماعي أكبر
تظل الأحزاب الحريدية من أكثر الكتل قدرة على تحويل الانضباط الانتخابي إلى نفوذ سياسي، وقد عززت تفاهماتها الأخيرة بشأن فائض الأصوات قدرتها على الاستفادة من كل مقعد ممكن، إلا أن هذه الانتخابات تأتي في بيئة تجعل علاقتها بالحكومة المقبلة أكثر تعقيدًا.
فقضية إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية لم تعد ملفًا دينيًا داخليًا محدودًا، بل أصبحت جزءًا من النقاش حول توزيع أعباء الحرب بعد سنوات من الاعتماد المكثف على قوات الاحتياط، وهو ما رفع حساسية قطاعات واسعة تجاه استمرار الاستثناءات التي تتمتع بها المؤسسات الحريدية.
ويضع ذلك الأحزاب الدينية أمام معادلة مزدوجة، فهي لا تزال أقرب سياسيًا إلى نتنياهو، لكنها تحتاج إلى ضمانات تشريعية واضحة بشأن التجنيد والتعليم الديني وعلاقتها بالمحكمة العليا، وكلما تعقدت معادلة الأغلبية ارتفعت قدرتها على التفاوض على هذه المطالب.
ومن هنا يمكن أن تتحول كتلة الحريديم من رصيد ثابت في معسكر نتنياهو إلى مركز تفاوض أكثر استقلالًا في مرحلة تشكيل الحكومة، خصوصًا إذا ظهرت صيغة أخرى قادرة على توفير حماية سياسية وتشريعية لمصالحها، وهو احتمال لا يجعل خروجها من معسكر نتنياهو مرجحًا بذاته، لكنه يمنع التعامل معها باعتبارها مقاعد محسومة قبل انتهاء المفاوضات.
الصوت العربي يتحول من تمثيل برلماني إلى عامل في تشكيل الحكومة
لا تنافس الأحزاب العربية على رئاسة الحكومة، إلا أن موقعها في انتخابات أكتوبر أصبح أكثر تأثيرًا في حساب الأغلبية، فالمعسكر المناهض لنتنياهو قد ينتهي عند مستوى لا يسمح له بتشكيل حكومة مستقلة، وعندها تصبح المقاعد العربية جزءًا من معادلة البقاء حتى إذا لم تدخل الحكومة رسميًا.
وتزداد قيمة هذه الكتلة مع استمرار القوائم العربية الرئيسية في السباق وارتفاع احتمال حصولها على عدد من المقاعد يكفي لترجيح كفة أي معسكر يقف بين 57 و60 مقعدًا، وهو ما يمنح المشاركة العربية أثرًا يتجاوز حجم التمثيل إلى شكل الحكومة نفسها.
وفي المقابل، يبقى الاعتماد الرسمي على حزب عربي داخل الائتلاف محل رفض لدى قطاعات واسعة من الناخبين اليهود، بما يجعل السيناريو الأكثر واقعية في حالة الحاجة إلى هذه الأصوات قائمًا على دعم من الخارج أو تفاهمات برلمانية محددة أو الامتناع عن إسقاط حكومة، وهي صيغ تتيح تشكيل ائتلاف لكنها تزيد هشاشته السياسية.
وبذلك يصبح معدل المشاركة العربية أحد أكثر المتغيرات حساسية في ليلة الانتخابات، لأن بضعة مقاعد إضافية أو أقل يمكن أن تغير قدرة أي من المعسكرين على الوصول إلى أغلبية مستقلة.
السابع من أكتوبر يعيد تعريف الشرعية السياسية
تتحرك الانتخابات كلها داخل ظل السابع من أكتوبر، حتى عندما تتقدم قضايا أخرى إلى واجهة الحملة، لأن الاقتراع يمثل أول فرصة عامة لإعادة توزيع المسؤولية السياسية بعد الحدث الذي غيّر البيئة الأمنية الإسرائيلية.
ويحتاج نتنياهو إلى جعل مرحلة ما بعد الهجوم هي أساس التقييم، بينما يحتاج خصومه إلى إبقاء مسؤولية الدولة والقيادة عن الإخفاق الأول في مقدمة النقاش، وهو صراع يحدد أي سردية ستصبح أساس الشرعية السياسية في الحكومة المقبلة.
ولهذا يظل أي تصعيد عسكري واسع قادرًا على تغيير اتجاهات التصويت بسرعة، فالمواجهة مع إيران أو لبنان أو غزة تعيد الأمن فورًا إلى صدارة الأولويات، بينما يسمح تراجع مستوى التصعيد بعودة الاقتصاد وتكلفة الحرب والتجنيد والخدمات والانقسام الداخلي إلى واجهة الاهتمام.
كما أن أي تسوية كبيرة بشأن غزة قبل الاقتراع يمكن أن تعيد ترتيب الحملة، لأن الطرف الذي يقدمها باعتبارها إنجازًا سيواجه طرفًا آخر يحاول تقديمها باعتبارها تنازلًا، بما يجعل غزة جزءًا من الصراع على الداخل الإسرائيلي بقدر ما هي ملف إقليمي.
الاقتصاد ينتظر تراجع التصعيد ليصبح أكثر تأثيرًا
لم يختف الاقتصاد من حسابات الناخب الإسرائيلي، لكنه بقي خلف الأمن بسبب استمرار سنوات المواجهة، إلا أن تراكم كلفة الحرب والإنفاق العسكري وتأثير الخدمة الاحتياطية في سوق العمل والاستثمار والخدمات يجعل هذا الملف قابلًا للصعود بسرعة إذا انخفضت حدة التوتر.
وتحمل الحكومة المقبلة عبئًا مزدوجًا، يتمثل في الحفاظ على مستوى مرتفع من الإنفاق الأمني مع إعادة معالجة الضغوط على الميزانية والمجتمع، وهو ما سيضع العلاقة بين الدفاع والخدمات والضرائب والنمو أمام اختبار أكثر صعوبة بعد الانتخابات.
ولذلك فإن الاقتصاد قد لا يكون العامل الأول في تحديد هوية الحكومة، لكنه مرشح لأن يصبح أحد أهم عوامل الحكم على قدرتها على الاستمرار بعد تشكيلها.
خمسة سيناريوهات تحكم مرحلة ما بعد الاقتراع
يتمثل السيناريو الأول في نجاح آيزنكوت في بناء ائتلاف من الوسط واليمين الأمني يصل إلى 61 مقعدًا أو يتجاوزها، وهو مسار ينهي حكم نتنياهو ويغير تركيبة مركز القرار من دون أن ينتج بالضرورة تحولًا جذريًا في العقيدة الأمنية، مع انخفاض محتمل في قدرة القوى الدينية والقومية الأكثر تشددًا على فرض شروطها على الحكومة.
ويقوم السيناريو الثاني على تقدم المعسكر المناهض لنتنياهو من دون امتلاك أغلبية مستقلة، بما يجعله محتاجًا إلى دعم عربي مباشر أو غير مباشر، وهو سيناريو يسمح بتغيير الحكومة لكنه يرفع مستوى هشاشتها ويجعلها أكثر عرضة للصراع حول شرعيتها داخل المجتمع الإسرائيلي.
أما السيناريو الثالث فيقوم على عودة نتنياهو عبر التحالفات حتى إذا لم يحتل الليكود المركز الأول، من خلال نجاح القوى اليمينية والدينية في عبور نسبة الحسم والحفاظ على كتلة تسمح له بالوصول إلى 61 أو الاقتراب منها بما يكفي لجذب شركاء إضافيين.
ويتمثل السيناريو الرابع في كنيست معلق يعجز فيه الطرفان عن تشكيل حكومة، بما يفتح فترة مفاوضات طويلة يمكن أن تعيد إنتاج عدم الاستقرار السياسي أو تدفع نحو انتخابات جديدة أو حكومة مؤقتة ممتدة.
أما السيناريو الخامس فيقوم على ظهور حكومة وحدة أوسع إذا أثبتت النتائج أن استمرار نتنياهو في قيادة الليكود هو العقبة الرئيسية أمام بناء ائتلاف، وعندها يصبح تغيير القيادة داخل الحزب مدخلًا لتركيب حكومة تجمع قوى كانت متنافسة خلال الحملة.
ولا تمثل هذه السيناريوهات توقعًا حتميًا للنتيجة بقدر ما تحدد المسارات التي تسمح بها بنية النظام السياسي، فيما ستتحدد أوزانها الفعلية وفق نسبة المشاركة، ومصير الأحزاب الصغيرة، وحجم التصويت العربي، وتركيبة الكتل التي ستعبر إلى الكنيست.
حدود التغيير داخل إسرائيل
تُظهر الخريطة الحالية أن الانتخابات مرشحة لإعادة توزيع القوة داخل النظام أكثر من إعادة تعريف اتجاه الدولة بالكامل، فصعود آيزنكوت لا يعكس عودة اليسار بقدر ما يعكس بحث جزء من المجتمع عن قيادة أمنية مختلفة، واستمرار نتنياهو لا يعني بقاء كل عناصر الحكومة الحالية بالوزن نفسه إذا تغيرت موازين القوى داخل ائتلافه.
والفارق بين الحكومات المحتملة سيظهر بصورة أكبر في علاقة المستوى السياسي بالجيش والقضاء، وحجم تأثير الأحزاب الدينية والقومية، وطريقة إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، والقدرة على اتخاذ قرارات لا تخضع بصورة كاملة لمنطق الأطراف الأصغر داخل الائتلاف.
أما في الملفات الإقليمية، فإن مساحة التغيير ستكون أكثر محدودية ما لم يصاحب تغيير الحكومة تحول سياسي واضح في التعامل مع غزة والضفة والدولة الفلسطينية، لأن معظم القوى اليهودية الرئيسية ما زالت تتحرك داخل مجال أمني متشدد بدرجات متفاوتة.
وبذلك فإن تغير رئيس الحكومة يمكن أن ينتج تغيرًا مهمًا في أسلوب إدارة الدولة وتحالفاتها الداخلية، لكنه لا يكفي بذاته لإنتاج تغيير استراتيجي شامل في سلوك إسرائيل تجاه محيطها.
فلسطين تبقى الاختبار الإقليمي للحكومة المقبلة
أياً كان شكل الائتلاف، ستجد الحكومة المقبلة أمامها غزة والضفة والقدس والاستيطان ومستقبل السلطة الفلسطينية والدولة الفلسطينية، وهي ملفات لا تختفي بتغير القيادة ولا يمكن فصل بعضها عن بعض إذا كان الهدف بناء استقرار قابل للاستمرار.
وفي غزة، سيرتبط الاختبار بمستقبل الوجود العسكري وإدارة القطاع وإعادة الإعمار وارتباطه بالمؤسسات الفلسطينية، وفي الضفة سيتركز على الاستيطان والضم ومحاولات تغيير الواقع القانوني والجغرافي والديموغرافي، بينما ستظل القدس جزءًا أساسيًا من أي تسوية سياسية نهائية.
ولهذا فإن قياس الانتخابات إقليميًا وفق اسم الفائز وحده سيظل قراءة ناقصة، فالقيمة الحقيقية لأي تغيير داخل إسرائيل ستتحدد بمدى انعكاسه على هذه الملفات وعلى قدرة الحكومة المقبلة على الخروج من منطق إدارة الصراع إلى مسار سياسي يعالج جذوره.
اليوم التالي إقليميًا
أياً كانت تركيبة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فإن السياسة الخارجية مرشحة للاحتفاظ بجوهر أمني أكثر اتساعًا مما كان عليه قبل السابع من أكتوبر، فسنوات الحرب دفعت إسرائيل من مفهوم الردع التقليدي إلى مفهوم يقوم على إبعاد مصادر التهديد خارج الحدود والاحتفاظ بحرية العمل العسكري حتى بعد الوصول إلى تفاهمات أو ترتيبات لوقف القتال، وهو تحول يتجاوز نتنياهو نفسه ويمتد إلى قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية والقوى السياسية الرئيسية.
في الملف الإيراني، لن يكون الخلاف الأساسي بين حكومة وأخرى حول اعتبار طهران تهديدًا استراتيجيًا، وإنما حول أسلوب إدارة هذا التهديد وحدود التنسيق مع الولايات المتحدة، فحكومة أكثر اعتمادًا على المؤسسة الأمنية قد تميل إلى دمج القوة العسكرية داخل مسار أمريكي أوسع، بينما يمكن لائتلاف أكثر اعتمادًا على اليمين القومي أن يمنح حرية العمل الإسرائيلي أولوية أكبر، وفي الحالتين سيظل الهدف منع إعادة بناء القدرات الإيرانية وتحجيم نفوذها الإقليمي.
أما لبنان، فيمثل النموذج الأكثر وضوحًا لتحول الحدود إلى عمق أمني، إذ لم يعد الهدف الإسرائيلي مقتصرًا على إبعاد حزب الله عن الشمال، بل أصبح مرتبطًا بمنع إعادة بناء قدراته والحفاظ على قدرة التدخل عند الضرورة، وهو ما يرفع احتمالات استمرار الضغط العسكري والسياسي على الساحة اللبنانية حتى بعد انتهاء العمليات الواسعة.
ويتقاطع ذلك مع سوريا وغزة والضفة في اتجاه يقوم على توسيع المجال الأمني الإسرائيلي خارج الحدود الرسمية، مع فارق بين الضم والاستيطان ذي البعد السياسي والأيديولوجي في الأراضي الفلسطينية، وبين إنشاء أحزمة أو مناطق نفوذ أمني في ساحات أخرى، لكن المحصلة الإقليمية واحدة، وهي أن الحكومة المقبلة، أياً كان رئيسها، ستدير إسرائيل من تصور أمني أكثر هجومية واتساعًا، فيما سيحدد شكل الائتلاف حجم اندفاع هذا التصور وحدود تحوله من ترتيبات أمنية مؤقتة إلى واقع سياسي وعسكري طويل الأمد.