د. عمر بن أحمد مسملي
لم يعد امتلاك هاتف ذكي واتصال بالإنترنت مجرد وسيلة للتواصل أو متابعة الأخبار والترفيه؛ فقد أصبح في متناول أي شخص أن يتحول إلى صانع محتوى، وأن يبني جمهورًا واسعًا، وربما يحوّل حضوره الرقمي إلى مصدر دخل ومهنة مستقلة. وخلال سنوات قليلة، انتقلت صناعة المحتوى من نشاط يمارسه البعض في أوقات الفراغ إلى صناعة مؤثرة تتداخل فيها التقنية والإبداع والتسويق والإعلام، وتتنافس فيها الأفراد والمؤسسات على جذب انتباه الجمهور. لكن هذا التحول يطرح سؤالًا مهمًا: هل تعني كثرة المشاهدات نجاح المحتوى؟ وهل يكفي أن يمتلك الشخص الجرأة على الظهور أمام الكاميرا ليصبح صانع محتوى محترفًا؟ أم أن سهولة النشر أسهمت، في بعض الحالات، في انتشار محتوى سريع الاستهلاك، محدود القيمة، يعتمد على إثارة الانتباه أكثر من تقديم المعرفة أو الإبداع؟
الحقيقة أن صناعة المحتوى في منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ليست مشكلة في ذاتها، ولا ينبغي النظر إليها بوصفها نشاطًا ترفيهيًا سطحيًا بالضرورة. فهي مساحة واسعة للتعلم والتعبير والابتكار، وفرصة لتحويل الهوايات والمواهب إلى مشروعات مهنية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز بين محتوى يصنع قيمة تستحق البقاء، ومحتوى لا يتجاوز هدفه اقتناص لحظات من انتباه الجمهور.
من الهواية إلى الاحتراف
قد تبدأ صناعة المحتوى بهواية بسيطة؛ شخص يحب التصوير، أو يهوى التقنية، أو يستمتع بالقراءة، أو يمتلك خبرة في الطبخ أو السفر أو التعليم.
ومع الوقت، يمكن أن تتطور هذه الهواية إلى مشروع احترافي إذا اقترنت بالتعلم والتخطيط والتخصص والقدرة على فهم الجمهور.
فالاحتراف لا يعني بالضرورة امتلاك استوديو متكامل أو معدات باهظة الثمن، كما لا يتطلب أن يكون صانع المحتوى مشهورًا أو أن يمتلك ملايين المتابعين.
الاحتراف، في جوهره، هو أن يعرف الإنسان ما الذي يريد تقديمه، ولمن يقدمه، ولماذا يستحق محتواه أن يُشاهَد، وأن يلتزم بمعايير واضحة في الدقة والجودة والاستمرارية واحترام الجمهور.
وقد يكون صانع محتوى متخصص في شرح مفاهيم علمية معقدة بلغة مبسطة أكثر تأثيرًا من حساب ترفيهي يحصد أضعاف مشاهداته، إذا أسهم الأول في توسيع معرفة جمهوره أو مساعدته على اتخاذ قرار أفضل. كذلك يمكن لهواية التصوير أو الكتابة أو الألعاب الإلكترونية أن تتحول إلى نشاط اقتصادي ناجح، شريطة أن تتطور المهارة وأن يضيف صاحبها قيمة واضحة إلى ما يقدمه.
ومن المهم هنا ألا نضع الهواية والاحتراف في طرفين متناقضين؛ فالهواية قد تكون نقطة البداية لأفضل المشروعات الإبداعية. المشكلة لا تبدأ حين يصنع الإنسان محتوى من أجل المتعة أو الربح، بل حين يتوقف عن تطوير نفسه، ويصبح تكرار ما يجذب المشاهدات أهم لديه من تحسين ما يقدمه.
متى تتحول صناعة المحتوى إلى سطحية؟
لا تُقاس سطحية المحتوى بمدته القصيرة، ولا بأسلوبه المرح، ولا بكونه ترفيهيًا. فقد تحمل دقيقة واحدة فكرة علمية مهمة، وقد يقدم مقطع كوميدي ملاحظة اجتماعية ذكية، بينما قد يمتد محتوى لساعات من دون أن يضيف معرفة أو يقدم تجربة ذات معنى.
السطحية تظهر عندما يصبح جذب الانتباه غاية مستقلة عن أي قيمة أخرى؛ عندما تُختزل الموضوعات المعقدة في أحكام متسرعة، أو تُستخدم المبالغة لإثارة الجدل، أو تُنشر معلومات غير دقيقة لأن تصحيحها أقل جاذبية من تداولها، أو تتحول خصوصيات الآخرين ومشكلاتهم إلى مادة للضحك والتشهير.
وفي بعض الحالات، يتعلم صانع المحتوى أن المبالغة في العنوان، أو افتعال الخلاف، أو تقديم وعود كبيرة، أو عرض تجارب استثنائية على أنها قواعد عامة، قد ترفع التفاعل. ومع تكرار هذا السلوك، تتراجع الحدود بين الترفيه والتضليل، وبين الرأي والمعلومة، وبين الجرأة والإساءة.
ولا يعني ذلك أن كل محتوى واسع الانتشار سطحي، أو أن المحتوى الجاد محكوم عليه بقلة الجمهور. فهناك تجارب تثبت أن المعرفة يمكن أن تُقدَّم بأسلوب جذاب وممتع، وأن الموضوعات المتخصصة تستطيع الوصول إلى جماهير واسعة عندما تُشرح بطريقة مناسبة. لكن النجاح الحقيقي يتطلب الجمع بين القدرة على جذب الانتباه والقدرة على تقديم ما يستحق هذا الانتباه.
اقتصاد الانتباه وخوارزميات المنصات
تعمل منصات التواصل ضمن بيئة تنافسية تسعى فيها ملايين المنشورات والمقاطع إلى الفوز بوقت المستخدم واهتمامه. ولهذا أصبحت المشاهدات ومدة المشاهدة والتعليقات والمشاركات مؤشرات مهمة في تقييم أداء المحتوى، كما تؤثر أنظمة التوصية في المواد التي تظهر للمستخدمين.
هذه البيئة تضع صانع المحتوى أمام معادلة صعبة: عليه أن يقدم شيئًا جذابًا بما يكفي ليصل إلى الجمهور، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على جودة ما يقدمه حتى لا يصبح أسيرًا للمؤشرات الرقمية. فقد يدفع السعي المستمر إلى زيادة التفاعل بعض المبدعين إلى تكرار الصيغ الرائجة، حتى عندما لا تتناسب مع تخصصهم أو رسالتهم، أو إلى تغيير مواقفهم وأسلوبهم وفق ما يحقق انتشارًا أسرع.
تزداد أهمية هذا التحدي عندما يتعلق المحتوى بالأخبار والصحة والمال والقضايا الاجتماعية. فالمعلومة المضللة قد تنتشر بسرعة، بينما يحتاج التحقق منها إلى وقت وجهد، وقد يحقق الادعاء المثير تفاعلًا أكبر من التفسير المتزن. وقد أشار تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2025 إلى أن 58 % من المشاركين في عينته الدولية أعربوا عن قلقهم بشأن قدرتهم على التمييز بين الصحيح والزائف في الأخبار عبر الإنترنت، كما رأى 47 % أن الشخصيات المؤثرة على الإنترنت تمثل أحد أبرز مصادر التهديد بالمعلومات الكاذبة أو المضللة، وهي نسبة مماثلة لمن أشاروا إلى السياسيين. وتوضح هذه النتائج، في نطاق العينة التي تناولها التقرير، أن التأثير الرقمي يصاحبه تحدٍّ حقيقي يتعلق بالثقة والتحقق.
ومع ذلك، لا يصح تحميل الخوارزميات وحدها مسؤولية انتشار المحتوى السطحي؛ فالجمهور يشارك في تشكيل المشهد من خلال اختياراته وتفاعلاته، وصانع المحتوى يظل مسؤولًا عن قراراته. كما أن المنصات قد تساعد على اكتشاف أعمال تعليمية وثقافية متميزة، وتتيح للمواهب التي لم تكن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام التقليدية الوصول إلى جمهورها.
الذكاء الاصطناعي: فرصة للإبداع أم طريق إلى التكرار؟
أضاف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى صناعة المحتوى. فأصبحت أدواته قادرة على المساعدة في توليد الأفكار، وصياغة النصوص، وتصميم الصور، وتحرير الفيديو، وتلخيص المعلومات، وتحويل المواد من صيغة إلى أخرى. وهذا يتيح للأفراد والمشروعات الصغيرة إنتاج محتوى أكثر تنوعًا، ويخفض بعض الحواجز الفنية والتقنية التي كانت تتطلب وقتًا أو خبرة متخصصة.
لكن سهولة الإنتاج لا تعني بالضرورة ارتفاع الجودة. فعندما يعتمد الجميع على الأدوات نفسها من دون إضافة تجربة شخصية أو معرفة متخصصة أو رؤية إبداعية، قد تتشابه النصوص والصور والمقاطع، وتزداد كمية المحتوى على حساب أصالته. وقد ينتج عن الاستخدام غير المتحقق منه نشر معلومات خاطئة أو صور مضللة تبدو واقعية، بما يجعل التمييز بين الحقيقة والمحتوى المصطنع أكثر صعوبة.
لذلك، ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تعزز قدرات صانع المحتوى، لا بديلًا عن مسؤوليته. يمكن للأداة أن تقترح صياغة أو تساعد في تنظيم الأفكار، لكن الإنسان يظل مسؤولًا عن التحقق من المعلومات، واحترام حقوق الملكية الفكرية، ومراعاة الخصوصية، وتوضيح استخدام المحتوى الاصطناعي عندما يكون ذلك مهمًا لفهم الجمهور أو تجنب تضليله. والفرق بين الاستخدام الاحترافي والسطحي للذكاء الاصطناعي ليس في استخدام الأداة أو الامتناع عنها، بل في كيفية توظيفها: هل تُستخدم لتطوير الفكرة ورفع الجودة وتوفير الوقت، أم لإنتاج كميات كبيرة من المواد المتشابهة من دون مراجعة أو قيمة مضافة؟
الشهرة مسؤولية وليست مجرد امتياز
كلما اتسع جمهور صانع المحتوى، ازدادت قدرته على التأثير في المعرفة والذوق والسلوك والقرارات. وهذه القدرة تمنحه فرصًا مهمة، لكنها تضع على عاتقه مسؤوليات لا يمكن تجاهلها، خصوصًا عندما يتناول قضايا تمس المجتمع أو يقدم نصائح قد تؤثر في حياة الآخرين.
ومن أبرز هذه المسؤوليات التمييز الواضح بين الإعلان والرأي الشخصي، والإفصاح عن المصالح التجارية ذات الصلة، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، وعدم استغلال خصوصية الآخرين لتحقيق الانتشار، وتجنب الإساءة والتشهير والتنمر. كما أن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه ليسا علامة ضعف؛ بل يمكن أن يكونا من أهم مؤشرات المصداقية والاحتراف.
ولا يعني ذلك مطالبة كل صانع محتوى بأن يتحول إلى أكاديمي أو صحفي متخصص. فالمجالات متنوعة، ومن حق الجمهور أن يجد الترفيه والفكاهة والتجارب الشخصية. لكن من الضروري أن يدرك المبدع حدود خبرته، وألا يقدم انطباعًا شخصيًا بوصفه حقيقة علمية، أو تجربة فردية باعتبارها نصيحة صالحة للجميع.
الجمهور شريك في صناعة المشهد
غالبًا ما يُناقش المحتوى من زاوية مسؤولية صانعه والمنصة التي تنشره، لكن الجمهور يؤدي دورًا أساسيًا أيضًا. فالتفاعل ليس مجرد نتيجة لما يُعرض؛ بل يمكن أن يكون إشارة تشجع على تكراره. وكلما كافأ الجمهور المبالغة والمعلومات غير الدقيقة بالانتشار، زادت الحوافز لإنتاج المزيد منها. في المقابل، يستطيع المستخدم أن يساهم في تحسين البيئة الرقمية من خلال التحقق من المصادر، والتريث قبل إعادة النشر، والتمييز بين الإعلان والمعلومة، ومراجعة مؤهلات من يقدم النصائح المتخصصة. كما يمكنه دعم المحتوى الذي يقدم معرفة أو تجربة مفيدة، حتى إن لم يكن الأكثر إثارة أو انتشارًا.
تبدأ التربية الإعلامية هنا من سؤال بسيط ينبغي أن يطرحه المستخدم على نفسه: هل أشارك هذا المحتوى لأنه موثوق ومفيد، أم لأنه أثار غضبي أو دهشتي؟ فليس كل ما يجذب الانتباه جديرًا بالتصديق، وليس كل ما يحظى بملايين المشاهدات دليلًا على الجودة أو الخبرة.
كيف نقيس النجاح الحقيقي؟
من الطبيعي أن يتابع صانع المحتوى أعداد المشاهدات والمتابعين والتفاعل، فهي مؤشرات تساعده على فهم جمهوره وتطوير أسلوبه. لكن الاعتماد عليها وحدها يقدم صورة ناقصة عن النجاح. فهناك فرق بين محتوى يشاهده الناس لثوانٍ ثم ينسونه، ومحتوى يعودون إليه أو يثقون بصاحبه أو يستفيدون منه في تعلم مهارة أو اتخاذ قرار.
يمكن النظر إلى النجاح من خلال مجموعة أوسع من المعايير، تشمل جودة المعلومات، والأصالة، وثقة الجمهور، والاستمرارية، والقدرة على بناء مجتمع مهتم، والأثر التعليمي أو الثقافي أو الاقتصادي. وفي المحتوى التجاري، لا تقتصر القيمة على حجم الوصول، بل تشمل أيضًا مصداقية العلاقة مع الجمهور واستدامة المشروع. أما في المحتوى المعرفي، فقد تكون الفائدة التي يحققها عدد محدود من المتلقين أعمق من تفاعل واسع لا يترك أثرًا يُذكر.
ولا توجد معادلة واحدة تصلح لجميع أنواع المحتوى؛ فنجاح المحتوى الترفيهي يختلف عن نجاح المحتوى التعليمي أو الإخباري أو التسويقي. لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أن الأرقام ينبغي أن تكون أدوات لفهم النجاح، لا بديلًا عن تعريفه.
نحو صناعة محتوى أكثر نضجًا
تملك المجتمعات العربية، والمجتمع السعودي على وجه الخصوص، فرصًا واسعة لتطوير صناعة محتوى تجمع بين الهوية المحلية والانفتاح المعرفي والإبداع التقني. ويمكن أن يكون المحتوى وسيلة لتعريف الجمهور بالعلوم والتقنية والثقافة والتراث والمبادرات الوطنية، وتقديم تجارب الشباب ومشروعاتهم، وشرح التحولات الاقتصادية والاجتماعية بلغة قريبة من الناس. لكن بناء صناعة ناضجة لا يتحقق بمجرد زيادة عدد الحسابات أو المشاهدات؛ بل يحتاج إلى تطوير مهارات الكتابة والتصوير والتحرير والتحقق من المعلومات، وإلى تعاون بين صناع المحتوى والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والقطاع الخاص. كما يحتاج إلى بيئة تشجع الابتكار وتحترم الحقوق، وتتيح فرصًا للاستدامة المهنية، من دون أن تجعل الربح السريع المعيار الوحيد لما يستحق الإنتاج.
ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تسهم في ذلك عبر تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية، وتعليم الطلاب كيفية تقييم المصادر وصناعة الرسائل بوعي، بدل الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمحتوى. كما تستطيع الجهات الداعمة للمبدعين تشجيع المشروعات التي تجمع بين الجاذبية والجودة، وتساعد المواهب على تحويل أفكارها إلى أعمال مهنية مستدامة.
في النهاية، ليست المشكلة أن يبدأ الإنسان صناعة المحتوى هواية، أو أن يسعى إلى الشهرة والربح، فهذه دوافع طبيعية قد تقود إلى الإبداع والنجاح. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الأهداف بديلًا عن الجودة والصدق واحترام عقل الجمهور. فالمحتوى الجيد لا يُقاس فقط بعدد من شاهدوه، بل بما يضيفه إلى من شاهدوه.
إن التحدي الحقيقي أمام صانع المحتوى اليوم ليس أن ينتج المزيد فحسب، بل أن يقدم ما يستحق أن يُشاهَد ويُتذكَّر ويُوثَق به. وبين هواية تتحول إلى احتراف، ومحتوى ينتهي بانتهاء لحظة التفاعل، تتحدد قيمة التجربة الرقمية: هل نريد سباقًا لا ينتهي وراء المشاهدات، أم صناعة تترك أثرًا يستحق البقاء؟.