د. عيسى محمد العميري
منذ أن أرسى الملك المؤسس الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود دعائم المملكة العربية السعودية، انطلقت مسيرة وطنية حملت في جوهرها مشروعاً لبناء الدولة وتوحيد الأرض وجمع الكلمة، وصولاً إلى تأسيس كيان سياسي موحد يستند إلى الأمن والاستقرار، ويضع الإنسان السعودي في صميم اهتماماته.
وقد بدأت هذه المسيرة في مرحلة تاريخية مليئة بالتحديات، لكنها رسمت ملامح وطن أصبح اليوم حاضراً بثقله السياسي والاقتصادي والتنموي على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد أدرك الملك عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه، منذ اللحظات الأولى لتوحيد المملكة، أن بناء الدولة لا يقتصر على توحيد المناطق تحت راية واحدة، بل يتطلب تأسيس مؤسسات قادرة على إدارة شؤون البلاد، وترسيخ الأمن، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للمواطنين.
ومع إعلان توحيد المملكة عام 1932، بدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني، شهدت تطوراً تدريجياً في الإدارة والتعليم والصحة والبنية الأساسية، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية الواسعة التي عرفتها المملكة في العقود اللاحقة. استمرت المسيرة على أيدي أبناء الملك المؤسس، الذين تعاقبوا على قيادة البلاد، فحمل كل عهد مسؤولية استكمال البناء ومواجهة متطلبات مرحلته. ومن الملك سعود إلى الملك فيصل، ثم الملك خالد والملك فهد والملك عبدالله، وصولاً إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز، تواصلت جهود تطوير مؤسسات الدولة وتوسيع الخدمات العامة، وتعزيز مكانة المملكة في محيطها العربي والإسلامي وعلى الساحة الدولية. وقد شهدت هذه العهود توسعاً في إنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق والمطارات، إلى جانب تطوير البنية التحتية والمرافق العامة، وتحسين فرص التعليم والعمل، وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما أسهمت عوائد الثروات الوطنية، وفي مقدمتها النفط، في تمويل مشروعات التنمية، فيما تطورت السياسات الاقتصادية والإدارية بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وتغيرات العصر. ولم تقتصر المسيرة على التنمية الداخلية، بل امتدت إلى العمل العربي والإسلامي والدولي، حيث اضطلعت المملكة بأدوار دبلوماسية وإنسانية واقتصادية، وقدمت المساعدات للدول والشعوب المتضررة، وشاركت في جهود دعم الاستقرار وتسوية الخلافات، إلى جانب رعايتها للمشروعات والمبادرات التي تعزز التعاون والتضامن بين الدول.
وفي العهد الحالي، تتواصل هذه المسيرة من خلال رؤية السعودية 2030، التي أُطلقت عام 2016، بهدف تنويع الاقتصاد، وتوسيع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتنمية السياحة، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، وفتح مجالات جديدة للاستثمار والابتكار. وتمثل هذه الرؤية إطاراً لتطوير الاقتصاد والمجتمع، وتهيئة فرص أوسع للأجيال القادمة.
إن ما يميز تجربة المملكة هو امتداد مشروع بناء الدولة عبر أجيال متعاقبة، مع المحافظة على وحدة الكيان الوطني وتطوير أدوات التنمية والاستجابة للتحولات العالمية.
وقد أتاح هذا التراكم بناء قاعدة واسعة من المؤسسات والمرافق والخدمات، ورفع مستوى الطموحات نحو مستقبل أكثر تنوعاً واستدامة.
وهكذا، تبقى مسيرة الملك عبدالعزيز وأبنائه فصلاً مهماً في تاريخ المملكة الحديث؛ مسيرة بدأت بتوحيد الأرض وتأسيس الدولة، ثم واصلت العمل على ترسيخ الأمن والتنمية وتحسين جودة الحياة.
وتظل مسؤولية المرحلة المقبلة هي صون المكتسبات، وتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، والاستثمار في الإنسان، بما يضمن استمرار التنمية وازدهار المملكة ورفاه شعبها. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي