د. أنس عضيبات
في عالمٍ صاخبٍ مهووسٍ بالإيجابية المصطنعة، بتنا نُحاصَر بثقافة التجاوز السريع؛ نُطالَب بأن ننهض فور سقوطنا، وأن نبتسم في وجه الانكسار وكأن شيئاً لم يكن وكم هو منهكٌ أن ترتدي قناع القوة بينما روحك تتداعى من الداخل، وكم هو قاسٍ أن نلزم أنفسنا بالبحث الفوري عن «الحكمة» والدرس الكامن خلف جراحنا المفتوحة، فالحقيقة التي نتحاشاها هي أن القوة الحقيقية لا تبدأ بإنكار الوجع، بل بالاعتراف النبيل به؛ كل ما يحتاجه قلبك في بعض اللحظات ليس خطاباً حماسياً ولا نصيحة باردة، بل شجاعة هامسة تقول: «أنا متألم، وأنا لست بخير الآن». الحزن ليس وصمة عار، ولا عيباً أخلاقياً يستوجب المداراة، بل هو دليل حيّ على نبض إنسانيتك وعمق ما فقدت، حيث إن إخفاء الدموع ومحاصرة البكاء تحت وطأة الخوف من أن نبدو ضعفاء هو ظلم فادح لأنفسنا؛ فالدموع ليست هزيمة، بل هي غسيل الروح لترميم ما انكسر، فعندما نحزن «بمثالية»، نتحول إلى جلادين لذواتنا، نحاسبها على بطء التعافي وعلى ارتعاشة الصوت ورغبة العزلة امنح نفسك اليوم إذن العبور: دع الدمعة تأخذ مجراها الطبيعي، واسمح للغصة أن تهدأ بتؤدة، فلا يوجد جدول زمني مُقدس للشفاء، والقلوب لا تُجبر على مدارج السرعة. لكن، ثمة فارق دقيق وشفيف بين أن تُعطي الحزن حقه المشروع، وبين أن تُسلّمه مفاتيح حياتك ومقود غدك الحزن عاطفة نبيلة نمر بها ونعيش تفاصيلها بصدق، لكنه أبداً ليس وطناً نضرب فيه خيامنا لنقيم فيه إلى الأبد وهو محطة استراحة نتفيأ ظلالها لنرمم شتاتنا، لا مقبرة ندفن فيها أحلامنا ورغبتنا في الحياة دع الشعور ينساب في عروقك، تنفسه، راقبه كيف يثور ثم يخبو تدريجياً، رافقه كضيف ثقيل لكنك تعلم يقيناً أنه راحل، ولا تسمح له بأن يعيد تشكيل هويتك أو يحجب عنك نور العالم الخارجي.
وعندما تشعر أن في صدرك متسعاً لنَفَسٍ جديد، وأن في قدميك بقية من عزم، انهض بهدوء.. لا على عجل ولا باندفاع بطولي، بل خطوةً خطوة استعد روتينك، افتح نافذتك للشمس، استطعم فنجان قهوتك، واسترجع تفاصيل حياتك بحنو ورفق، التعافي لا يأتي كانفجار ضوء فجائي، بل كتسلل خيوط الفجر الأولى بعد ليل حالك وطويل؛ يأتي حين تدرك أنك نجوت، ليس لأنك لم تنكسر، بل لأنك سمحت لروحك أن تتشظى وتبكي، ثم جَمَعت شتاتها بيديك ومضيت قُدماً نحو النور.