د. زايد بن محمد آل سلطان
من أشد الحقائق مرارة في واقعنا العربي أن الأمة باتت تحارب أقوياءها بدلاً من التقوي بهم، وتتنافس على إضعاف بعضها بدلاً من التكاتف لحماية مصالحها وردع أعدائها، وكأن قوة أي دولة عربية أصبحت تهديدًا لجيرانها، لا رصيدًا استراتيجيًا لأمتها.
إن الأمم الواعية تدرك أن قوة أحد مكوناتها إضافة إلى قوتها الجماعية، وأن امتلاك دولة منها عناصر التفوق السياسي أو الاقتصادي أو العسكري لا ينبغي أن يكون مدعاة للريبة والخصومة، بل فرصة لبناء منظومة تكامل تحفظ المصالح وتصون السيادة وتعزز القدرة على مواجهة التحديات.
لكن المؤسف أن بعض السياسات العربية سلكت الطريق المعاكس؛ فبدلاً من البحث عن عوامل القوة المشتركة، انشغلت بصراعات النفوذ وحسابات المنافسة الضيقة، حتى أصبحت بعض الدول ترى في إضعاف شقيقاتها مكسبًا سياسيًا، متجاهلة أن إضعاف القوي لا يصنع من الضعيف قويًا، وإنما يجعل الجميع أكثر ضعفًا وانكشافًا.
والتاريخ يعلمنا أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغًا، وأن كل قوة عربية تتراجع تترك خلفها مساحة تتقدم إليها قوى أخرى، تحمل مصالحها وأجنداتها، التي لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الأمة العربية وأمنها القومي.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نختلف على موازين القوة بيننا، بينما يتفق خصومنا على استثمار مواطن ضعفنا. ونستنزف قدراتنا في صراعات داخلية، ثم نتساءل لماذا تتراجع مكانتنا وتتزايد التدخلات الخارجية في شؤوننا!
وليس المطلوب أن تتطابق مواقف الدول العربية أو تتلاشى خلافاتها، فاختلاف المصالح أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الفارق كبير بين إدارة الخلاف بما يحفظ المصالح المشتركة، وتحويله إلى معركة استنزاف تنتهي بإضعاف الجميع.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن العربي لا يتحقق بإضعاف دولة لصالح أخرى، ولا بتغذية الانقسامات أو استدعاء التدخلات الخارجية، وإنما ببناء توازن عربي قائم على احترام السيادة وتكامل المصالح وتعزيز عناصر القوة والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الدور السعودي بوصف المملكة ركيزة محورية في استقرار المنطقة، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة عربية وإسلامية، وما تضطلع به من جهود لتعزيز التعاون وخفض التوترات وتغليب مسارات التنمية والاستقرار. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على إضعاف الآخرين، بل بالقدرة على بناء شراكات تجعل الجميع أكثر أمنًا ومنعة.
إن العالم لا يحترم الأمم الممزقة، ولا ينتظر الضعفاء حتى يتفقوا، والمصالح الدولية لا تُدار بالعواطف والشعارات، بل بموازين القوة ووحدة الموقف وحسن توظيف الإمكانات.
والحقيقة المرة التي ينبغي أن ندركها قبل فوات الأوان هي أن سقوط قوة عربية لا يعني بالضرورة صعود قوة عربية أخرى، بل قد يكون بداية سقوط الجميع.
فالأمة التي تستنزف أقوياءها، وتبدد مقدراتها، وتفتح أبوابها لصراعات النفوذ، إنما تمهد الطريق لأعدائها كي يفرضوا عليها شروطهم.
وأمة تهدم قوتها بيدها، لا تحتاج إلى عدو يهزمها!