د. أحمد محمود الخضري
تألقت اللغة العربية ببيانها الساحر ودقتها المتناهية في رصد أطياف الجمال، ولا سيما جمال المرأة؛ إذ لم تدع ملمحًا من ملامح الحسن أو درجة من درجات البهاء إلا وأفردت له لفظًا فريدًا يختزل تفاصيله، ويفصح عن كوامن سحره بدقة عز نظيرها.
ويأخذنا أحد لغويي القرن الخامس الهجري وهو العلامة أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ) في كتابه «فقه اللغة وسر العربية» إلى رحلة لغوية فريدة يستقصي فيها منازل الجمال عند المرأة، واصفًا تفاصيل الحسن بعبارات بالغة الدقة والبيان، حيث تنحني المعاني إجلالًا لتفاصيل حسنها وتصطف الألقاب لترسم مراتب جمالها؛ فما إن تلمح في محياها قبسًا رقيقًا من الوسامة حتى تدعى وضيئةً وجميلةً.
فإذا تآلفت ملامحها وتناسق حسنها في نغم واحد فهي حسانة، وتلك التي استغنت ببدائع فطرتها عن بهرج التصنع وزيف المساحيق هي الغانية.
فإذا بلغت من ثقتها بمفاتنها حدًا جعلها تزهد في فاخر الثياب وثمين الحلي، غير آبهة بزينة الطين، فمكانتها المعطال. أما التي ارتسم الحسن في تقاسيمها وسمةً ثابتةً وعلامةً فارقةً لا تمحوها الأيام فهي الوسيمة، وإن أوتيت نصيبًا وافرًا وحظًا مقسومًا من روعة البهاء قيل عنها قسيمة. وتسمو المرتبة بالرائعة إذا كان مرآها يبهج الأرواح، ويأسر النفوس، ويثير في الروع دهشةً لا تزول، حتى إذا ارتقت ذروة الجمال فغلبت سائر النساء بطلعتها وسلبت العقول ببريقها، فهي الباهرة التي لا تجارى.
** **
عضو هيئة تدريس بقسم أصول اللغة - جامعة الأزهر