ناصر المحيّاني
يشهد النظام الدولي تحولات جوهرية في طبيعة المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين، إذ تجاوزت التهديدات مفهوم الحروب الكلاسيكية مع بروز الحروب الهجينة من المليشيات الإرهابية المسلحة كأكبر مهدد للاستقرار، وذلك عبر استهدافها المباشر للأعيان المدنية والممرات المائية وشرايين التجارة البحرية. وقد أحدث هذا التحول تداخلاً خطيراً جعل من الاستقرار الأمني وحماية الاقتصاد الدولي كلاً لا يتجزأ، إذ يعني هذا التشابك المعقد بين الأمن الإنساني والاقتصادي، أن أي تقويض للاستقرار في رقعة جغرافية معينة لم يعد حدثاً معزولاً، بل أضحى شرارة مباشرة تضرب عمق المصالح الدولية، مهددة سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وكلفة الشحن والتأمين، ومستهدفة عصب الاقتصاد العالمي بشكل مباشر.
وتتفاقم هذه المخاطر على نحو غير مسبوق عندما تقع الممرات البحرية الاستراتيجية تحت وطأة التهديد المباشر للسفن التجارية، أو عندما تتركز الهجمات على الأعيان المدنية، والمنشآت النفطية، والموانئ، والبنى التحتية، فضلاً عن الكلفة الإنسانية الباهظة من خسائر في الأرواح، وبالتالي فإن هذه الاعتداءات لم تعد مجرد تحد أمني محلي فحسب، بل أصبحت اختباراً جوهرياً لالتزام المنظومة الدولية بإنفاذ القوانين الناظمة للعلاقات بين الدول، وحفظ الأمن الإنساني، وضمان حرية الملاحة المشروعة لخطوط التجارة العالمية، والتصدي الصارم لمحاولات توظيف القوة العسكرية كأداة لممارسة الضغوط الاقتصادية، أو فرض الأجندات السياسية.
وفي هذا الإطار، تتبلور الإشكالية الحقيقية في النظام الدولي المعاصر، والمتمثلة في الفجوة الهائلة بين إقرار القرارات الدولية وقوة إنفاذها لتصبح واقعاً ملموساً، فالأزمة لا تكمن في غياب التشريعات – إذ يمتلك العالم ميثاق الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الدوليين، واتفاقيات جنيف لحماية المدنيين، واتفاقية قانون البحار لعام (1982) – لتأمين الممرات المائية، فضلاً عن قرارات مجلس الأمن لتجفيف تمويل الإرهاب. ومع ذلك فإن هذه الترسانة القانونية تظل عاجزة عن كبح الاعتداءات المليشياوية، ما لم تقترن بآليات تنفيذ فعالة، ومسؤولية جماعية تضمن المساءلة القانونية الناجزة، وهو التحدي الجوهري الذي يواجه منظومة الأمن الجماعي اليوم.
وتقتضي المقاربة القانونية العلمية لتفكيك هذه الإشكالية فصلاً دقيقاً بين المسارات القانونية المتنوعة، فبينما ينظم القانون الدولي الإنساني التزامات الأطراف في النزاعات المسلحة، يظل ميثاق الأمم المتحدة مقيداً لاستخدام القوة ويحمي السلم الدولي، وتظل اتفاقية قانون البحار المعيار الحاكم للحقوق والاختصاصات الملاحية، بالتزامن مع تدابير مجلس الأمن التي تختلف تبعاتها القانونية باختلاف صياغتها ومبرراتها. كما ينبغي الفصل بين المسؤولية الجنائية للأشخاص، والمسؤولية الدولية المنطبقة على الدول، والمآل القانوني للجماعات غير النظامية، مع مراعاة قواعد الإسناد الدولي التي لا تعتبر صور الارتباط الدبلوماسي أو الدعم السياسي موجباً آلياً لتحميل دولة بعينها وزر أفعال تنظيم مسلح.
وتتضاعف الأهمية الاستراتيجية لهذه القواعد بالنظر إلى الموقع الجغرافي الفريد لمنطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، اللذين يمثلان شرايين نابضين يربطان حركة الأسواق الحيوية. وفي هذا الفضاء الجيوسياسي، يستند تأمين المضائق الحيوية مباشرة إلى المواد من (37) حتى (44) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي شرعت نظام المرور العابر كضمانة لحرية الملاحة الدولية والتجارة العالمية، فبينما تثبت المادة (38) هذا الحق للسفن كافة، تأتي المادة (44) لتقيد الدول المشاطئة للمضائق وتمنعها قطعياً من إعاقة حركة المرور العابر أو تعليقه تحت أي مبرر. وإلى جانب ذلك، تضع المواد (100) إلى (107) التزامات صارمة للتعاون الجماعي المشترك في قمع القرصنة البحرية وتحديد اختصاصاتها القضائية، مما يستدعي المجتمع الدولي والمنظمات الأممية ضرورة التمييز المنهجي والقانوني بين أعمال القرصنة بمعناها الجنائي التقليدي المستهدف للكسب الشخصي، وبين الهجمات الإرهابية والاعتداءات المسلحة ذات الدوافع السياسية التي تشنها الميليشيات كأداة للابتزاز الدولي وممارسة الضغوط الاقتصادية.
وفي هذا الفضاء، يتبلور الدور القيادي للمملكة العربية السعودية كشريك دولي رئيسي يمتلك مصالح مباشرة في حماية حرية الملاحة البحرية، وحماية المنشآت الحيوية، وكحالة دراسية بالغة الأهمية في توظيف القدرات الدفاعية والعمل الدبلوماسي المشترك لحفظ استقرار الأسواق العالمية، حيث واجهت المملكة وطأة هذه التهديدات بشكل مباشر، ولا سيما خلال ذروة الهجمات العدائية المليشياوية، والتي تسببت في فترات سابقة بتهديد ما يقارب (4.8) مليون برميل يومياً من النفط الخام المار عبر مضيق باب المندب، وهو ما يمثل نحو (%4 ) إلى (%5 ) من إمدادات الطاقة العالمية، فضلاً عن تسبب تلك التهديدات العابرة للحدود في رفع كلفة التأمين على الشحن البحري في المنطقة، بنسب تصاعدية تقدر بنحو (%200 )، مما هدد بركود تضخمي للسلع الأساسية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي والإنساني لملايين البشر. ولقد تجاوز التحرك السعودي –في هذا الإطار- أبعاد الدفاع عن السيادة الوطنية، ليتكامل بشكل مباشر مع مقاصد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في صون السلم والأمن الدوليين، وحماية الشرايين الاقتصادية المشتركة للإنسانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح السؤال الإستراتيجي على طاولة الإرادة الدولية: «إلى أي مدى يمكن للترسانة القانونية والقرارات الدولية -ذات الصلة– أن تتحول الى شبكة ردع أمني وقانوني قادرة على كبح تهديدات الجماعات المسلحة ضد المدنيين والمنشآت الحيوية؟». إن كفاءة المنظومة الدولية اليوم تقاس بمدى قدرتها على الانتقال من حيز الإدانة إلى إنفاذ آليات التنفيذ الجماعي، وبما يكفل الحماية المشروعة لشرايين التجارة العالمية، وصون ركائز السلم والأمن الدوليين.
إن العودة إلى ميثاق الأمم المتحدة تعد الخطوة الأولى لتحديد مسؤوليات المجتمع الدولي في مواجهة الفوضى الإقليمية والعالمية، كونه المرجع القانوني الأعلى لحفظ السلم والأمن الدوليين، فالميثاق لم يُكتب فقط لمنع الحروب التقليدية، بل وضع لإنشاء منظومة أمن جماعي تمتلك أدوات حقيقية وفعالة، تتيح لمجلس الأمن فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية صارمة، وتفويض العمل العسكري الجماعي عند الضرورة لردع أي جماعة مسلحة أو مليشيا إرهابية تحاول ابتزاز العالم أو تقويض استقراره.
وقد تقرر في المادة (2-4) امتناع الدول الأعضاء في الهيئة جميعاً عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة. وتشكل هذه المادة الركيزة البنيوية الناظمة للعلاقات الدولية المعاصرة، مع وجوب الفصل المنهجي بينها وبين قواعد القانون الدولي الإنساني التي تضبط سلوك الأطراف بعد اندلاع الأعمال العدائية، إذ إن البحث في مشروعية اللجوء الى القوة ينفصل قانوناً وموضوعاً عن معايير مشروعية الأساليب المتبعة أثناء خوضها.
وفي مسار تفعيل آليات الفصل السابع، تمنح المادة (39) مجلس الأمن الصلاحية الحصرية لتوصيف حالات التهديد للسلم، أو الإخلال به، أو وقوع أعمال العدوان، تمهيداً لإقرار التدابير القسرية اللازمة. ويتدرج الميثاق في فرض التدابير، إذ تتيح المادة (41) حزمة من الإجراءات الردعية التي لا تتطلب استخدام القوة المسلحة – كالعقوبات الاقتصادية وعزل خطوط الاتصال والمواصلات. ومع ذلك، يفوض الميثاق المجلس عبر المادة (42) بالانتقال الفوري نحو الإنفاذ العسكري الجماعي الجوي أو البحري أو البري، متى ما تبين أن التدابير غير العسكرية لم تكن كافية لردع الانتهاكات وإعادة السلم الدولي إلى نصابه.
ولمنع استباحة السيادة، وضعت المادة (51) حداً فاصلاً يشرعن حق الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي لأي دولة تواجه هجوماً مسلحاً، في انتظار تدخل من مجلس الأمن لممارسة مهامه. وكما أن هذه المادة تلزم الدول بإبلاغ المجلس بالخطوات المتخذة تحت هذه المظلة، فقد استوجب - بالضرورة- إضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته تجاه تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار رقم (2216 لسنة 2015)، والقرار رقم (2722 لسنة 2024).
وفي الشق الإنساني، يصطدم إرهاب المليشيات – مباشرة– بالمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والتي تعد الركيزة الأساسية لحماية الأمن الإنساني في النزاعات، إذ توجب كفالة المعاملة الإنسانية لكل من لا يشترك في الأعمال القتالية. وتحظر هذه المادة بشكل جازم كافة أشكال الإعتداء على الحياة والسلامة الجسدية، بالتوازي مع التجريم المطلق لأخذ الرهائن، والمساس بالكرامة الشخصية، أو إيقاع العقوبات وإصدار الأحكام أو تنفيذ أي عقوبات خارج نطاق محاكمة شرعية تضمن كافة الحقوق القضائية الجوهرية والمقررة دولياً.
ومن المنظور الحقوقي، تكرّس المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 القاعدة الآمرة لالتزام النزاعات بضرورة التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين المنشآت المدنية والأهداف العسكرية. ويتكامل هذا المبدأ مع المادة (51) في الفقرة (2) التي تحظر بشكل قاطع جعل السكان المدنيين محلاً للهجوم، وتجرّم صراحة كافة أعمال العنف أو التهديد به والتي تستهدف أساساً بث الرعب ونشر الذعر بين المدنيين. كما أن استهداف الموانئ والمطارات المدنية يعد خرقاً صارخاً للمادة (52) التي تحمي الأعيان المدنية وتمنع تحويلها إلى أهداف عسكرية، وعلى الصعيد الإجرائي، تلزم المادة (57) أطراف النزاع اتخاذ كافة التدابير الاحترازية الإلزامية في العمليات الهجومية، بهدف التثبت من هوية الأهداف واختيار وسائل قتالية تقلل من الخسائر الجانبية، مع وجوب تعليق أي عمل عسكري أو إلغائه متى تبين انتفاء مسوغاته القانونية أو خرقه لمبدأ التناسب.
وفي طليعة الأطر الدولية لمكافحة الإرهاب، يبرز القرار رقم 1373 لعام 2001 وثيقة إلزامية تفرض على الدول اتخاذ تدابير صارمة لمنع وتمويل الأعمال الإرهابية وتجريمها وتجميد الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية للأشخاص والكيانات المتورطين في ارتكابها أو تيسيرها، مع حظر إتاحة أي موارد لهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إن هذا القرار يضع المليشيات وداعميها تحت طائلة القانون، ويفرض على المجتمع الدولي تفعيل التعاون الأمني المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية الفورية وتطوير آليات التحقيق وإنفاذ القانون، لقطع الطريق أمام أي محاولة لابتزاز الأسواق العالمية او تهديد السلم الدولي، كما يؤكد القرار رقم 1566 لعام 2004 أهمية تعزيز هذا التعاون الدولي والمساءلة الجماعية لحظر وترويع المدنيين وتحييد مخاطر التنظيمات المسلحة.
وأمام هذه التحديات، تنهض المملكة العربية السعودية بدور ريادي كقوة موازنة وصمام أمان للاستقرار الجيواقتصادي العالمي، وينطلق منظورها الاستراتيجي من الترابط الوثيق بين أمنها الوطني واستقرار شرايين التجارة الدولية، مما جعلها في طليعة القوى العالمية التي تقود الجهود العملياتية والدبلوماسية لتأمين الممرات البحرية الحيوية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وتتجسد هذه المكانة سيادياً ومؤسسياً في حشد الدعم الدولي لتفعيل آليات الردع، إذ قادت المملكة تأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، ليكون مظلة أمنية وقانونية عابرة للمقاربات التقليدية العاجزة. كما سخرت الرياض جهود التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، لترجمة نصوص مواد القانون الدولي إلى تدابير دفاعية، وعملت بالتنسيق العملياتي الوثيق مع التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان حرية الملاحة، لإحباط التهديدات الهجينة وتأمين تدفقات الطاقة العالمية، علاوة على ذلك قيادتها تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، والمستند بصورة كاملة على نصوص القانون الدولي، كتحالف وقائي استباقي يهدف الى حماية أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة. ولقد جاء التحرك السعودي ليمثل نموذجاً عملياً لسد فجوة الإنفاذ الدولية وتحصين الاقتصاد العالمي من الابتزاز.
ونستخلص من ذلك، أن المنظومة القانونية الدولية تقف اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز حبر المواثيق إلى إرادة الإنفاذ، إذ لم يعد أمن الممرات البحرية والمنشآت الحيوية شأناً إقليمياً معزولاً يخص الدول المشاطئة فحسب، بل هي الركيزة الأساسية لاستقرار الأسواق وصون الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي هذا المنعطف الجيوسياسي، تبرز المقاربة السعودية كحائد صد عملي يسد فجوة الردع الدولي، ويترجم نصوص القانون الدولي إلى واقع أمني ملموس، الأمر الذي يضع الأمم المتحدة وعواصم القرار أمام مسؤولية جماعية ملزمة للشراكة الفعلية مع جهود المملكة، كسبيل وحيد لتجفيف منابع الإرهاب المليشياوي، وتأمين مستقبل السلم والأمن الدوليين.
** **
كاتب ومحلل سياسي - باحث في الشأن الدولي والسياسي