«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
خلال عقد من رؤية السعودية 2030، اتسعت خريطة الثقافة في المملكة، من المكتبات والأمسيات الأدبية إلى المتاحف والمعارض والمسارح ودور السينما والمهرجانات والمواقع التاريخية، وأصبحت التجارب الثقافية جزءًا من خيارات الترفيه واللقاءات الاجتماعية والرحلات العائلية، في تحول يطرح سؤالًا يتجاوز نمو القطاع إلى طبيعة العلاقة التي تتشكل بين الثقافة والمجتمع.
فهل تحولت الثقافة إلى عادة اجتماعية تتجدد في الحياة اليومية، أم أن اتساع الخيارات لا يزال يسبق ترسخ المشاركة واستدامتها؟
يقدم تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية لعام 2025 مؤشرًا لافتًا؛ إذ بلغت نسبة المشاركة في الأنشطة الثقافية 74.8 %، فيما ظلت معدلات المشاركة، باستثناء زيارة دور السينما، مستقرة عند نحو 69 % خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وتضع هذه الأرقام المشهد أمام مرحلة تتطلب الانتقال من قياس حجم المشاركة إلى فهم طبيعتها، ومدى انتظامها، وقدرتها على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
من اتساع الخيارات إلى استدامة المشاركة
لا تعني المشاركة بالضرورة نشوء عادة ثقافية؛ فزيارة المتحف مرة واحدة تختلف عن العودة إليه، وحضور مهرجان لا يعادل بناء اهتمام مستمر بالفنون أو التاريخ أو القراءة. وبين التجربة العابرة والممارسة المنتظمة تتحدد قدرة الثقافة على التحول إلى جزء من نمط الحياة.
ويكشف استقرار معدلات المشاركة، باستثناء السينما، أهمية النظر إلى ما وراء عدد الزوار والفعاليات: ما الذي يدفع الجمهور إلى العودة؟ وأي الأنشطة تنجح في تحويل الاهتمام الأولي إلى ارتباط مستمر؟ وكيف يمكن توسيع المشاركة لتشمل فئات لا تصل إليها البرامج الثقافية بالقدر نفسه؟
لا تتوقف الإجابة على تنوع المحتوى وحده، بل تشمل جودة التجربة، وسهولة الوصول، وتكاليف المشاركة، وتوافر المرافق، وملاءمة البرامج لاهتمامات الجمهور. فالثقافة تصبح أقرب إلى العادة حين يجد الفرد فيها ما يستحق التكرار، لا حين تتاح له فرصة الحضور فحسب.
الشباب في المقدمة.. وتحدي الوصول إلى الأجيال
تظهر الفروق العمرية أحد أبرز ملامح المشاركة الثقافية؛ إذ سجلت الفئة من 18 إلى 24 عامًا أعلى معدل، بلغ 83 %، مقابل 62 % لدى الفئة من 55 عامًا فأكثر، وفق المؤشرات المنشورة عن التقرير.
ولا تعني هذه الفجوة بالضرورة تفاوتًا في الوعي الثقافي، بقدر ما تفتح المجال لفهم اختلاف أنماط المشاركة والاهتمامات والفرص المتاحة. فالشباب يجدون أمامهم خيارات متنوعة تشمل السينما والمعارض والفنون التفاعلية والمهرجانات، فيما قد تتطلب زيادة مشاركة الفئات الأكبر سنًا برامج تراعي اهتماماتها وخبراتها، وتربط التجارب الثقافية بالتاريخ والتراث والمعرفة.
والرهان هنا ليس على استقطاب جيل بعينه، بل على بناء مشهد ثقافي يستوعب الأجيال المختلفة، ويتيح انتقال الخبرات بينها. فالمتاحف والمواقع التاريخية والمكتبات والبرامج الفنية تستطيع أن تصبح فضاءات مشتركة للتعلم والحوار، متى صُممت تجاربها بما يلائم تنوع الجمهور.
الدخل.. حين تتجاوز المشاركة حدود الاهتمام
يرتبط ارتفاع الدخل، وفق المؤشرات المنشورة عن التقرير، بمستويات أعلى من المشاركة المتكررة، وهو ما يسلط الضوء على البعد الاقتصادي في العلاقة بالثقافة.
فالاهتمام لا يكفي وحده لضمان المشاركة المنتظمة؛ إذ تؤثر تكاليف التذاكر والتنقل، والمسافة إلى المرافق، وتوافر الوقت، في قدرة الأفراد والأسر على تكرار التجربة. وقد يتساوى شخصان في اهتمامهما بالفنون أو التاريخ، بينما تختلف فرصهما في تحويل هذا الاهتمام إلى ممارسة مستمرة.
ومن هنا، لا ينفصل توسيع المشاركة عن عدالة الوصول إلى الفرص الثقافية، من خلال المكتبات العامة والبرامج المجتمعية والأنشطة المفتوحة والفعاليات الملائمة للأسر، إلى جانب توزيع الخيارات بصورة تراعي احتياجات المناطق المختلفة.
فنجاح التحول الثقافي لا يقاس بتنوع المنتجات والفعاليات وحده، بل بقدرة المجتمع بمختلف فئاته على الوصول إليها والاستفادة منها، بعيدًا عن العوائق الاقتصادية والجغرافية.
الثقافة من المكتبة إلى الموقع التاريخي
لم تعد التجربة الثقافية محصورة في الكتاب أو الأمسية الأدبية؛ إذ تتوزع بين المتاحف والمعارض الفنية والمسرح والسينما والمهرجانات التراثية والمواقع التاريخية، ولكل منها مدخل مختلف إلى المعرفة والفنون والذاكرة الاجتماعية.
فالمتحف يتيح قراءة التاريخ من خلال مقتنياته وشواهده، والمكتبة تفتح المجال للتعلم والقراءة، فيما تقدم المعارض والمسرح والفنون تجارب جمالية وفكرية. وتمنح المهرجانات التراثية الزائر فرصة للتعرف على الحرف والعادات والتقاليد في سياق حي، بينما تربط المواقع التاريخية بين المكان وذاكرته الحضارية.
وتكمن أهمية هذا التنوع في توسيع طرق الوصول إلى الثقافة، بحيث لا تقتصر المشاركة على جمهور متخصص أو نشاط بعينه، بل تمتد إلى تجارب تجمع المعرفة والترفيه والتواصل الاجتماعي.
غير أن تعدد الخيارات لا يضمن وحده عمق التجربة؛ فالمعيار الأهم هو قدرة المحتوى على تجاوز المشاهدة العابرة إلى الفهم والتفاعل، وتحويل الزيارة إلى اهتمام يستمر بعدها.
السياحة الثقافية.. اكتشاف المكان وذاكرته
تمنح السياحة الثقافية هذا التحول بعدًا اجتماعيًا وحضاريًا إضافيًا؛ إذ تجمع بين اكتشاف المكان والتعرف على تاريخه وتراثه وبيئته، وتتيح للرحلات الداخلية أن تتجاوز الترفيه إلى المعرفة.
في جدة التاريخية، على سبيل المثال، تتداخل العمارة التقليدية مع ذاكرة التجارة والحياة الحضرية على ساحل البحر الأحمر. وفي القرى التراثية والمواقع التاريخية بمناطق المملكة، تتجلى روايات متنوعة عن العمران والحرف والعلاقات الاجتماعية، فيما تتيح الوجهات الجبلية والصحراوية التعرف على الموروث المحلي وطرق التكيف مع البيئة.
وتفتح هذه التجارب مجالًا لالتقاء الثقافة بالاقتصاد المحلي، من خلال دعم الخدمات السياحية والمنتجات الحرفية والمنشآت الصغيرة، وإتاحة الفرصة للمجتمعات المحلية لتقديم تراثها وروايتها التاريخية للزوار.
لكن قيمة السياحة الثقافية لا تقاس بعدد الزيارات وحده، بل بعمق التجربة وما تتركه من معرفة وارتباط بالمكان. فحين يفهم الزائر تاريخ الموقع وخصوصيته، تصبح الرحلة أكثر من زيارة عابرة؛ إذ يمكن أن تولّد اهتمامًا بالتراث المحلي، وتشجعه على اكتشاف وجهات أخرى.وهنا تتقاطع الثقافة مع السياحة وجودة الحياة، وتتحول الهوية المحلية من عنصر يُعرض للزائر إلى تجربة حية يتفاعل معها ويكتشف من خلالها تنوع المملكة الحضاري والبيئي.
بعد عقد من الرؤية.. كيف يُقاس التحول الثقافي؟
يرصد تقرير الحالة الثقافية لعام 2025 مسار القطاع خلال عشرة أعوام من رؤية السعودية 2030، ضمن مشهد يشمل الإنتاج الثقافي والمعارف والمهارات والمشاركة والاقتصاد الإبداعي، إلى جانب التحولات المؤسسية والتنظيمية.
غير أن قياس التحول الاجتماعي يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من نمو المؤسسات والفعاليات: مدى انتظام المشاركة، وتنوع الجمهور، والفروق بين المناطق والفئات العمرية والاجتماعية، وقدرة التجارب الثقافية على استقطاب الزوار مجددًا.
فالمتحف الذي يدفع زائره إلى اكتشاف التاريخ، والمكتبة التي تعزز عادة القراءة، والرحلة التي تعمق معرفة الإنسان بمكانه، والفعالية التي تفتح حوارًا حول الفن والأفكار، كلها أمثلة على انتقال الثقافة من مجرد نشاط إلى تجربة تترك أثرًا في الحياة اليومية.وبينما تشير نسبة المشاركة البالغة 74.8 % إلى اتساع قاعدة المتفاعلين مع الأنشطة الثقافية، يبقى السؤال الأعمق متعلقًا باستدامة هذه العلاقة، ومدى قدرة القطاع على تحويل الإقبال إلى اهتمام متجدد، وإتاحة فرص المشاركة لمختلف شرائح المجتمع.فنجاح التحول الثقافي لا يكتمل بكثرة الفعاليات أو اتساع خيارات الترفيه وحدهما، بل حين يجد الناس في الثقافة ما يدفعهم إلى العودة إليها؛ معرفةً تتراكم، وتجربةً تتجدد، وعلاقةً أعمق بتاريخ المكان وهويته. عندها فقط تقترب الثقافة من أن تصبح عادة اجتماعية، لا مجرد حدث في روزنامة الفعاليات.