أحمد آدم
بين مطرقة التضخم الداخلي، وسندان الغضب المعيشي، وصقيع الاستطلاعات المتراجعة، تجد إدارة الرئيس ترامب نفسها أمام مفترق طرق تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين. فعلى وقع الأيام القليلة القادمة والحاسمة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026، لم يعد الصراع محصوراً في مقاعد الكونغرس فحسب، بل تحول إلى استفتاء عاصف على مصير إمبراطورية الصفقات، وعقيدة الردع في الشرق الأوسط، وتوازنات النظام العالمي بأكمله.
فهل ينجح ترامب في إشعال دبلوماسية اللحظة الأخيرة للهروب من فخ «البطة العرجاء»، أم أن «الموجة الزرقاء» قادمة لتعيد رسم خريطة واشنطن والعالم؟
أولاً: تشريح الغضب الشعبي.. الاستطلاعات والمال السياسي أمام عقبة المعيشة
عندما نرى تراجع شعبيه ترامب وأرقام تأييده التي تقترب من أدنى مستوياتها التاريخية.
1 - مؤشرات الميدان وهزيمة «الموجة الحمراء» في الاستطلاعات.
من المقرر أن تُجري الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي القادمة يوم الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026. هذه الانتخابات تحظى بأهمية بالغة هذا العام؛ إذ تترقبها الدوائر السياسية بفارغ الصبر لكونها اختبارًا حاسمًا لشعبية الإدارة الحالية وسياساتها الاقتصادية والخارجية، حيث سيتنافس المرشحون على مقاعد الكونغرس كاملة (جميع مقاعد مجلس النواب الـ435 وثلث مقاعد مجلس الشيوخ أي 35 مقعدًا).
المشهد الرقمي والاستطلاعي وحتى نهاية العشرة أيام الأولى من هذا الشهر يشير إلى تقدم واضح وملموس للحزب الديمقراطي في مؤشرات التصويت العام مدفوعاً بضغوط اقتصادية ومخاوف المعيشة التي تؤثر مباشرة على شعبية الإدارة الحالية.
عند سؤال الناخبين: «أي حزب تفضل أن يسيطر على مجلس النواب ومجلس الشيوخ؟»، تُظهر التجميعات الوطنية المتوسطة الصادرة في بداية أكتوبر ما يلي:
* المتوسط العام للتتبع: (الديمقراطيون: 50.9 % إلى 52.2 % - الجمهوريون: 43.35 إلى 47.8 %). الفارق: تقدم الديمقراطيين بمعدل يتراوح بين +7.5 % إلى +8 % على المستوى الوطني.
* موقف ترامب وقاعدة «ماجا» والتكتيكات الانتخابية: تُظهر البيانات الاستطلاعية حالة فريدة من «التنافر التكتيكي» داخل معسكر المعارضة والجمهوريين: نسبة تأييد أداء ترامب: مستقرة عند مستويات منخفضة تقارب (32 % - 33 %) على الصعيد الوطني، مع تراجع خاص في ملفات إدارة الاقتصاد والتضخم (حيث يرى 65 % من الناخبين أن التعامل مع الاقتصاد غير مرضٍ) وضبط أسعار الوقود.
* الانقسام داخل القاعدة الجمهورية: أظهر استطلاع أخير لـThe Independent Politico أن 25 % من الناخبين الذين صوتوا للرئيس ترامب يقرون بأن على المرشحين الجمهوريين في الولايات المتأرجحة (مثل ميشيغان وبنسلفانيا) النأي بأنفسهم قليلاً عن خطابات «ترامب الصريحة» لضمان الفوز بمرشحي الوسط. استراتيجية التعبئة: تعتمد حركة ماجا بشكل أساسي على رفع معدلات المشاركة في المناطق الريفية وقواعد المحافظين الصلبة لتعويض العجز الحاصل في الضواحي التي تتجه بوضوح نحو الحزب الديمقراطي.
الأرقام تشير إلى وجود «موجة زرقاء» محتملة قد تمنح الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب بفارق مريح، في حين تظل معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً ومنافسة نظراً للطبيعة الجغرافية للمقاعد المعروضة للتنافس هذا العام.
2 - الأسباب الأربعة لتآكل الرصيد الشعبي (التضخم، الاستقطاب، الجمارك، وأزمة الثقة).
الكراهية أو الرفض هنا لترامب ليست وليدة الصفر، بل هي نتاج تراكم لعدة عوامل رئيسية تمس حياة المواطن الأمريكي اليومية ونفسيته السياسية، وتتلخص فيما يلي:
أ - أزمة المعيشة والتضخم ووعود خفض الأسعار
السبب الأول والمباشر لتألب قطاعات من الناخبين ضده هو شعورهم بأن الواقع الاقتصادي خالف الوعود الانتخابية. فالمواطن الأمريكي البسيط دخل الانتخابات السابقة على أمل تخفيض أسعار الغذاء، السلع، والرعاية الصحية.
الواقع الحالي يشهد ضغوطاً تضخمية متواصلة وارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الوقود والـمشتقات بسبب الأزمات الخارجية (مثل أزمة إغلاق مضيق هرمز وتداعياتها النفطية).
عندما ترتفع تكلفة المعيشة، يوجّه الناخب الغضب مباشرة نحو رأس الإدارة التنفيذية، بغض النظر عن التفاصيل المعقدة.
ب - الاستقطاب الحاد وأسلوب القيادة المثير للجدل
طريقة إدارة ترامب السياسية وخطابه الخشن يقسمان الشارع الأمريكي بشكل عمودي:
خصومه ومستقلو الوسط يرون في أسلوبه هجوماً مستمراً على المؤسسات الديمقراطية التقليدية، والقضائية، والإعلامية، مما يعتبرونه تهديداً للاستقرار الدستوري والأعراف السياسية الأمريكية.
لغة التخوين والخطاب الهجومي المستمر خلقت شعوراً لدى الناخبين المعتدلين بأن الإدارة تكرس الانقسام المجتمعي بدلًا من توحيد الصفوف في أوقات الأزمات.
جـ - السياسات الخارجية والحروب التجارية (التعريفات الجمركية)
يرى منتقدوه أن سياسات الرسوم الجمركية الواسعة تسببت في نتائج عكسية عبر تحميل المستهلك الأمريكي أعباءً إضافية بدلاً من معاقبة الدول المنافسة كما كان يُروج. وكذا الانخراط في أزمات خارجية جديدة أو التصعيد العسكري المفتوح في الشرق الأوسط (مثل أزمة إيران والممرات المائية) يثير حفيظة الناخب الأمريكي الذي يميل بطبعه إلى الانكفاء الداخلي وتجنب التورط في حروب خارجية جديدة تكلف دافعي الضرائب باهظاً.
د - إشكالية الثقة والوعود غير المكتملة
تُظهر استطلاعات الرأي واجتماعات التركيز أن نسبة كبيرة من الناخبين ممن صوتوا له سابقاً يشعرون بخيبة أمل نظراً لعدم تحقق بعض الوعود الكبرى بالشكل المأمول، أو بسبب الشعور بأن الإدارة تعطي أولوية لملفات تخص قاعدتها الصلبة “ماجا “وتتجاهل الأولويات المعيشية الملحة للمواطن العادي في الضواحي والطبقات الوسطى.
الرفض لترامب اليوم هو مزيج بين «ألم في الجيب» نتيجة غلاء المعيشة، و»إرهاق نفسي» من حالة الاستقطاب السياسي المستمرة التي لا تتوقف.
3 - حرب المئات من الملايين.. هل ينقذ «إيلون ماسك» إمبراطورية ترامب؟
في مشهد غير مسبوق من التداخل بين عمالقة التكنولوجيا والمال السياسي، برز اسم الملياردير «إيلون ماسك» كأبرز داعم مالي لحملة الحزب الجمهوري؛ حيث أشارت التقارير المالية والوكالات إلى ضخه لأكثر من (270 مليون دولار وإجمالي يتجاوز 366 مليون دولار في الدورة الحالية) موجهة للجان الصناديق الفيدرالية والمرشحين في الولايات المتأرجحة بهدف وقف «الموجة الزرقاء» وإنقاذ أغلبية الجمهوريين في الكونغرس.
لكن قراءة المشهد تؤكد أن تدخله المالي الضخم لم يكن كافياً لتغيير الدفة، لسببين جوهريين:
أ - عجز المال عن شراء الغضب المعيشي: فالناخب الأمريكي الذي يكتوي بنار التضخم وغلاء الوقود وأزمات المعيشة لا تخدعه الحملات الإعلانية الممولة، بل يحاسب الإدارة على «جيبه الخاوي».
ب - معاناة الدفاع عن النفس وحماية الإمبراطورية: لم يكن دعم ماسك مجرد انحياز أيديولوجي، بل هو محاولة مستماتة لحماية نفسه وشركاته من كابوس «التحقيقات البرلمانية»؛ فهو يدرك تماماً أن فوز الديمقراطيين وسيطرتهم على لجان الكونغرس سيفتح أبواب الجحيم لمراجعة فترة توليه للمهام الإدارية والوزارية (وما رافقها من إقالات وتعيينات)، فضلاً عن التدقيق المشدد في مليارات العقود الفيدرالية والصفقات الاقتصادية لشركاته (مثل سبيس إكس وتسلا). إنها باختصار معركة بقاء ومصالح كبرى، وليست مجرد تبرع انتخابي عابر.
ثانياً: عقيدة «صانع الصفقات».. هروب للخارج وتثبيت للإرث قبل فوات الأوان
الصفقات الاستعراضية (مثل صفقة النفط والترتيبات مع فنزويلا، واتفاقية الأمن والاستثمار في جرينلاند التي أُبرمت مؤخرًا، والتحركات المثيرة للجدل بشأن روسيا وبوتين). تبدو صفقات «يائسة» أو محاولة لفرض واقع مسبق يوحي بأن الرجل يقرأ اتجاهات الرياح الاستطلاعية ويعلم صعوبة الاحتفاظ بالكونغرس، يفتح الباب أمام قراءة سياسية بالغة الأهمية من زوايا ثلاث:
1 - الهروب للأمام وتشتيت الانتباه الداخلي
عندما تشعر أي إدارة سياسية بأنها تخسر المعركة الداخلية (بسبب التضخم، وضغط الشارع، وغلاء المعيشة)، تلجأ عادةً إلى ما يُعرف في العلوم السياسية بـ»تشتيت الانتباه الخارجي» أو محاولة تسجيل انتصارات دراماتيكية عابرة للحدود.
صور التدخل والسيطرة على مقدرات الطاقة في فنزويلا وترتيبات الاستحواذ أو الحماية الاستراتيجية في جرينلاند تهدف مخاطبة الناخب الأمريكي بلغة القوة والهيمنة «نحن نعيد أمريكا عظيمة ونؤمن مصادر الطاقة ونواجه روسيا والصين في القطب الشمالي».
لكن المشكلة أن المواطن الذي يعاني من ارتفاع سعر جالون الوقود وسلة التغذية في السوبرماركت المحلي لا يرى رابطًا مباشرًا ومريحًا بين صفقات جرينلاند أو كاراكاس وبين جيبه الخاوي؛ بل يراها استعراضًا مكلفًا وخطراً، مما يزيد من شعور اليأس أو التخبط لدى الإدارة.
2 - الهرولة لحفر إرث جيوسياسي قبل خسارة الكونغرس
إذا كان ترامب ورجال إدارته يدركون حقًا من واقع قراءة الاستطلاعات الميدانية التي تعطي الديمقراطيين أفضلية واضحة قبل 20 يومًا فقط من التجديد النصفي أن السيطرة على الكونغرس قد تضيع، وأن شبح التحقيقات أو العزل سيطارد الإدارة في حال خسارة مجلس النواب، فإن هذه الصفقات الكبرى تبدو كمن يهرول لفرض وقائع جيوسياسية على الأرض لا تستطيع أي أغلبية ديمقراطية مقبلة إلغاءها بسهولة.
تثبيت أقدام النفوذ الأمريكي في القطب الشمالي عبر اتفاقية جرينلاند، وإعادة هندسة ملفات الطاقة الفنزويلية، وترتيبات التسوية أو الصفقات مع موسكو، كلها محاولات لترسيخ «إرث إمبراطوري» يصعب التراجع عنه، بغض النظر عن نتائج انتخابات نوفمبر.
3 - رسائل الضعف الضمنية خلف التحركات الدراماتيكية
هذه التحركات مظهر من مظاهر «اليأس»؛ فالقائد الواثق من استقرار شعبيته وقاعدته الداخلية لا يحتاج إلى القفز فوق الطاولة وإشعال أزمات دولية كبرى ومعاهدات مثيرة للجدل في عز الأزمة الانتخابية. اللجوء إلى هذه الصفقات الضخمة والصادمة في توقيت حرج يعكس غالباً شعور الفريق الرئاسي بأن المعركة التقليدية على الاقتصاد المحلي قد خُسرت، ولم يتبقَ سوى محاولة «صدم» الوعي العام بملفات خارجية ضخمة لعلها تحرك المياه الراكدة.
ثالثاً: مأزق «هرمز» ومواجهة طهران.. بين الصبر الاستراتيجي وخيارات «اللحظة الأخيرة»
هناك تقارير تؤكد احتمالات كبيرة بأن يحاول ترامب انهاء الحرب الإيرانية وفتح مضيق هرمز قبيل الانتخابات. وهو ما يعني نجاح سياسة إيران وصبرها الاستراتيجي أثناء لعبة شرائها للوقت.
1 - إيران ولعبة شراء الوقت انتظاراً لـ«البطة العرجاء»
إيران تدرك تماماً أن الوقت الحالي هو أسوأ توقيت سياسي ممكن لترامب، ولذلك فهي تلعب ببراعة على حافة الهاوية:
أ - الرهان على العداد الزمني وتغير الإدارة: تعتقد القيادة الإيرانية أن كل يوم يمر يقترب بالولايات المتحدة أكثر من موعد انتخابات التجديد النصفي (3 نوفمبر 2026) يقلل من هامش قدرة ترامب على شن حرب واسعة النطاق، نظراً لأن أي مغامرة عسكرية كبرى ستتحول فوراً إلى كارثة انتخابية مدمرة لحزبه.
ب - شراء الوقت بانتظار «البطة العرجاء»: تراهن طهران على أن فوز الديمقراطيين المحتمل سيقيد يدي ترامب بالكامل، وينقل واشنطن من حالة التصعيد الخشن والتهديد بالضربات إلى مرحلة الشلل التشريعي والبحث عن تسوية دبلوماسية أهدأ، وهو ما سيمنح الإيرانيين مكاسب تفاوضية أفضل بكثير مما لو واجهوا إدارة جمهورية متفردة بالسلطة.
هذا التكتيك الإيراني المعتمد على استنزاف الوقت، بالتوازي مع استمرار الضغوط في مضيق هرمز وعبر الحلفاء الإقليميين، هو ما يضع ترامب في مأزق الاختيار بين صفقات اللحظة الأخيرة أو الضربات الاستعراضية الخاطفة.
2 - سيناريوهات ترامب قبيل الاقتراع (الضغط التفاوضي السري أم الضربة الخاطفة؟)
أحدث التقارير الصادرة عن وكالات الأنباء العالمية (مثل رويترز، وأسوشيتد برس، ونيويورك تايمز) حتى منتصف أكتوبر 2026، تشير الي احتمالين لإنهاء مأزق حرب إيران.
أ - الاستعراض العسكري والتلويح بالضربة كأداة ضغط تفاوضي سري
تشير تقارير البنتاغون ووكالات الأنباء إلى أن الإدارة الأمريكية قامت بالفعل بتعزيزات عسكرية ضخمة في المنطقة (شملت نشر آلاف الجنود وحاملات طائرات إضافية).
هذه الحشود لا تُقرأ فقط بوصفها تمهيداً لحرب مفتوحة، بل كأداة «ضغط قصوى» لانتزاع اتفاق سريع عبر قنوات الوساطة السرية، خصوصاً مع مساعي طهران وعواصم إقليمية لفتح الممرات وتجنب الانهيار الاقتصادي الكامل. إذا نجحت هذه الضغوط، قد يخرج ترامب بمعاهدة أو ترتيبات عاجلة تضمن «فتح مضيق هرمز» ليُعلن أمام ناخبيه أنه حقق النصر الدبلوماسي وأعاد تدفق الطاقة لتخفيض أسعار الوقود قبل 3 نوفمبر.
ب - سيناريو «الضربة الخاطفة السريعة» (خيار الأيام الثلاثة)
كشفت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً أن البنتاغون أعد بالفعل خططًا لضربة عسكرية مكثفة وخاطفة لمدة ثلاثة أيام تستهدف البنى التحتية الحيوية ومواقع الصواريخ والمسيرات ومنشآت الحرس الثوري الإيراني.
ورغم إعلان ترامب العلني لتخفيف الفزع في الأسواق أنه لن يشن هجومًا واسعًا قبل الانتخابات، إلا أن الدوائر الاستخباراتية تدرك أن تعثر المفاوضات السرية أو حدوث تطور أمني مفاجئ قد يدفع ترامب للقفز فوق الطاولة وتنفيذ عملية عسكرية سريعة ومحدودة (تُسوّق إعلامياً كإنجاز حاسم)، ليُعلن بعدها إنهاء المهمة والانسحاب الجزئي لقطع الطريق على خصومه الديمقراطيين.
ترامب يرقص على حافة حفرة من النار؛ فهو بين مطرقة استطلاعات الرأي المتراجعة بسبب التضخم، وسندان خيارات عسكرية إن لم تكن حاسمة وسريعة، فإنها ستكلفه البيت الأبيض والكونغرس معاً.