أحمد يحي البارقي
اختلفت حروب اليوم عن حروب الماضي بفعل التداخل التقني واتساع الفضاء الرقمي وتعدد منصات التواصل الاجتماعي التي تبث الغث والسمين وتتناقل عبرها المعلومات والأخبار في لحظات. وفي هذا الفضاء المتسارع أصبحت الشائعة أداة مؤثرة في محاولة تغيير المفاهيم والتأثير في الرأي العام وزعزعة الثقة وإرباك المجتمعات، الأمر الذي جعل معركة الوعي لا تقل أهمية عن المواجهة في ميادين القتال.
وأمام هذا التحول أصبحت الحاجة ملحة إلى أن يتدخل القلم ليواجه القلم والصوت ليواجه الصوت دفاعاً عن الأوطان وصوناً للحقيقة جنباً إلى جنب مع القوات التي تقف في الخطوط الأمامية فالجندي في الميدان يحمل هدفاً ورسالة ويؤدي واجبه دفاعاً عن وطنه وأمنه واستقراره والكاتب والمفكر والإعلامي والناشر يحملون بدورهم هدفاً ورسالة وطنية تتمثل في حماية الوعي وكشف التضليل وتوضيح الحقائق والتصدي لمحاولات التأثير في العقول وتوجيهها نحو معلومات مغلوطة.
لم تعد المعركة اليوم مقتصرة على السلاح وما يحققه في الميدان بل امتدت إلى الكلمة والصورة والمعلومة وأصبحت المنصات الرقمية ساحات مفتوحة تتنافس فيها الروايات وتتداخل فيها الحقائق مع الادعاءات، وقد تنشر معلومة غير دقيقة فتجد طريقها إلى آلاف المتابعين قبل أن تظهر حقيقتها، وقد تجتزأ واقعة من سياقها لتستخدم في بناء انطباع مضلل يخدم أهدافاً معينة.
وهنا تبرز مسؤولية الأقلام الوطنية في التعامل مع الأحداث بوعي ومهنية بعيداً عن الانفعال والمبالغة من خلال الاستناد إلى المعلومات الموثوقة وتفنيد الشائعات بالحجة والدليل، وتقديم خطاب إعلامي قادر على مخاطبة العقول وإقناعها فالدفاع عن الوطن بالكلمة لا يكون برفع الصوت وحده، وإنما بامتلاك المعلومة الصحيحة وحسن عرضها والالتزام بالمصداقية والمسؤولية.
كما أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الصحفيين والكتاب وحدهم بل تشمل كل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي فإعادة نشر خبر غير موثق قد تسهم في انتشار الشائعة، بينما يمثل التحقق من المصادر والرجوع إلى المعلومات الرسمية سلوكاً واعياً يحمي المجتمع من التضليل والارتباك.
وفي المملكة العربية السعودية، تبرز أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات الإعلامية والجهات المعنية والكتاب والمثقفين لتعزيز الوعي الوطني وإيصال الحقائق إلى الجمهور في الوقت المناسب فالإعلام المسؤول شريك في حماية المجتمع والقلم المهني قادر على الإسهام في ترسيخ الثقة ومواجهة محاولات التشكيك والتضليل.
ختاماً
الدفاع عن الأوطان مسؤولية تتعدد ميادينها وتتفق غاياتها، فكما يقف الجندي في الميدان مدافعاً عن حدود الوطن يقف الكاتب بقلمه والمفكر بفكره والإعلامي بصوته، كل في موقعه يؤدي رسالته الوطنية وفي زمن الحروب الجديدة تبقى الكلمة الصادقة خط دفاع عن الحقيقة ويبقى الوعي المجتمعي حصناً يحمي الأوطان من الشائعات والتضليل.