ماذا لو كانت أغلى فرصة استثمارية في مباراة كرة قدم لا توجد داخل الملعب أصلًا؟ تخيّل أن تنتهي مباراة حضرها عشرات الآلاف، فتُطفأ الأضواء وتُغلق البوابات ويغادر اللاعبون والجماهير. بالنسبة للنادي انتهى الحدث، لكن خارج أسوار الملعب قد تكون القصة الاقتصادية قد بدأت للتو. مطاعم تستقبل زوارًا إضافيين، وفنادق تبيع غرفًا جديدة، ومتاجر تتوسع، وشركات نقل تعيد تنظيم خدماتها، ومستثمرون يكتشفون أن المنطقة التي كانت مجرد عنوان على الخريطة أصبحت وجهة تستحق الاهتمام. هنا لا يعود السؤال عن نتيجة المباراة، ولا عن إيرادات التذاكر، بل عن شيء أكبر: هل يمكن لملعب أن يغيّر مستقبل حي؟ وهل تستطيع الرياضة أن تصنع مدينة جديدة؟.
الملعب الذي تتجاوز قيمته أسواره
في شمال لندن، يقدم استاد توتنهام هوتسبير تجربة تستحق التأمل، فقد امتد النشاط المرتبط به إلى الفعاليات والضيافة والتوظيف والأعمال المحيطة، ولم يعد مقتصرًا على مباريات كرة القدم، وبحسب تحليل أجرته شركة إرنست ويونغ وأعلن النادي نتائجه عام 2023، ارتبطت أنشطة الاستاد بزيادة في القيمة المضافة الاقتصادية السنوية تقارب 200 مليون جنيه إسترليني مقارنة بفترة مرجعية سابقة، إلى جانب دعم نحو ألفي وظيفة إضافية.
ليست أهمية التجربة في حجم الأرقام وحده، بل في التحول الذي تقترحه على طريقة التفكير: من قياس ما يحققه الملعب داخل أسواره، إلى دراسة ما يضيفه للمنطقة التي تحتضنه، لكن هنا يجب الانتباه إلى حقيقة اقتصادية مهمة؛ فليس كل إنفاق حول ملعب يمثل ثروة جديدة، فقد يكون جزء منه إنفاقًا انتقل من حي آخر، أو نشاطًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء المناسبة، ولهذا، فإن السؤال الأعمق ليس: كم أنفق الجمهور؟ بل: كم قيمة اقتصادية جديدة بقيت بعد أن غادر الجمهور؟.
حين تصبح الرياضة جزءًا من صناعة المكان
في السعودية، تفتح المشروعات الرياضية والعمرانية الكبرى مجالًا جديدًا لهذا النوع من التفكير، وتقدم مدينة القدية مثالًا على مفهوم الوجهة المتكاملة، حيث يجري تطوير الرياضة والترفيه والثقافة والأنشطة السياحية والتجارية ضمن منظومة واحدة، ويأتي استاد الأمير محمد بن سلمان جزءًا من هذا التصور، لا مشروعًا منفصلًا عنه. هذه المقاربة تحمل فرصة تتجاوز استضافة المنافسات؛ إذ يمكن للرياضة أن تصبح أحد عناصر جذب السكان والزوار والاستثمارات والخدمات على مدار العام، غير أن القيمة الحقيقية لأي مشروع لا تُحسم يوم افتتاحه، مهما بلغت ضخامته أو جاذبية تصميمه. إنها تظهر بعد سنوات من التشغيل، عندما نستطيع الإجابة عن أسئلة أكثر دقة: هل نشأت أعمال لم تكن موجودة؟ هل توفرت وظائف مستدامة؟ هل تحسنت الخدمات؟ وهل أصبحت المنطقة أكثر حيوية في الأيام التي لا تُقام فيها مباريات؟ فالاستثمار الرياضي قد ينجح في صناعة حدث استثنائي، لكن التحدي الأكبر هو أن يصنع اقتصادًا لا يحتاج إلى حدث استثنائي كي يستمر.
من اقتصاد المباراة إلى اقتصاد المكان
أرى أن إحدى الفرص التي تستحق الاهتمام في مستقبل الاستثمار الرياضي هي الانتقال من تقييم المنشأة بوصفها أصلًا مستقلًا إلى تقييمها بوصفها جزءًا من اقتصاد حضري متكامل، ومن هنا أقترح إطارًا تحليليًا بعنوان: «مؤشر الأثر الحضري للاستثمار الرياضي» وهو نموذج مقترح لقياس ما تضيفه المشروعات الرياضية إلى محيطها الاقتصادي والاجتماعي، عبر خمسة أبعاد رئيسية:
أولًا: القيمة الاقتصادية المضافة. قياس الأعمال والإنفاق الجديد الذي يمكن نسبته إلى المشروع، مع استبعاد ما أمكن من الإنفاق المنتقل من مناطق أخرى، حتى لا نخلط بين تحريك النشاط الاقتصادي وخلق قيمة إضافية فعلية.
ثانيًا: الوظائف المستدامة. ليس عدد الوظائف المؤقتة في يوم المباراة، بل الفرص التي تستمر طوال العام، ومدى استفادة الكفاءات والمنشآت المحلية منها.
ثالثًا: حيوية المنطقة، قدرة المكان على جذب الزوار والمشروعات والأنشطة التجارية خلال الأيام العادية، ومدى تنوع استخداماته خارج مواسم المنافسات.
رابعًا: جودة الحياة. أثر الاستثمار في النقل والخدمات والمساحات العامة وسهولة الوصول، وفي جعل المنطقة أكثر قابلية للحياة والعمل والترفيه.
خامسًا: عدالة توزيع المنافع. مدى استفادة السكان وأصحاب الأعمال المحليين من التنمية، مع رصد أي آثار غير مرغوبة، مثل ارتفاع الإيجارات أو إزاحة الأنشطة القائمة.
* * *
ولا يكتمل هذا القياس دون مقارنة النتائج بما كان يمكن أن يحدث في المنطقة لو لم يُنفذ المشروع، وبما تكلفه من موارد عامة وخاصة، فارتفاع أسعار العقارات ليس دائمًا دليل نجاح، وازدحام المطاعم لا يعني بالضرورة نمو الاقتصاد، وامتلاء المدرجات لا يكفي لإثبات جدوى الاستثمار. النجاح هو أن نعرف ما الذي أضافه المشروع فعلًا، ولمن أضافه، وكم سيستمر هذا الأثر.
السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل بناء أول مدرج
عندما يُخطط لإنشاء منشأة رياضية كبرى، تنصرف الأسئلة غالبًا إلى السعة الجماهيرية والتصميم والتكلفة ومواعيد التنفيذ.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم عند افتتاح ملعب جديد: كم متفرجًا حضر أول مباراة؟ بل: ماذا تغيّر في اقتصاد المدينة وحياة سكانها بعد أن غادر آخر متفرج؟.
** **
د. نورة عبدالله العمراني - متخصصة في إدارة النوادي الرياضية