صالح الشادي
ليس الغوغاء فئة اجتماعية محددة لها حدود واضحة، بل هم حالة جماعية تظهر عندما يتحول حشد من الناس إلى كتلة عاطفية مندفعة، تتصرف أحياناً خارج حدود التروي والمسؤولية الفردية. قد يكون الفرد داخل هذا الحشد موظفاً أو طالباً أو عاملاً أو أباً، لكنه حين يذوب في الجماعة يفقد جزءاً من قدرته على التفكير النقدي، ويصبح أكثر استجابة للانفعال الجماعي، وأقل شعوراً بالمسؤولية الشخصية. وهذا لا يعني أن كل حشد غوغاء، فالتجمعات البشرية قد تكون سلمية وواعية ومطالبة بحقوقها، لكن الغوغاء هم تلك الحالة التي يغلب فيها الاندفاع على التروي، والانفعال على الحجة، والتبعية على الاستقلال.
وكما نلاحظ في بعض الدول تتعدد أدوار هذه الحشود بحسب السياق. في أوقات النزاعات، قد تتحول الجماهير إلى أداة تعبئة عاطفية خطيرة، حيث تُستغل المشاعر الوطنية أو المخاوف الجماعية لدفع الناس إلى مواقف متطرفة أو تأييد أعمى لقرارات لا تخدمهم. وقد يكون هؤلاء في بعض الأحيان ضحايا لتأثيرات إعلامية أو اجتماعية تضخم العاطفة وتقلل فرص التفكير الهادئ. وفي المقابل، قد تظهر الحشود في سياقات المطالبة بالحقوق أو مقاومة الظلم، حيث تختلط المشاعر المشروعة بالغضب، وقد يتحول جزء منها إلى تصرفات تضر بالقضية أكثر مما تنفعها. أما في المباريات الرياضية، فيمنح الحشد الفرد إحساساً بالانتماء والانتصار الجماعي، لكن هذا الإحساس قد ينزلق إلى شغب وتخريب، خاصة عندما ترتبط الرياضة بالهوية والمنافسة. وفي المناسبات العامة، سواء كانت احتفالية أو اجتماعية، يمكن أن يتحول الحشد إلى قوة بناء إذا نُظمت، أو إلى قوة إرباك إذا تُركت للفوضى.خلفية هؤلاء ليست واحدة. هم ليسوا بالضرورة جهلة أو غير متعلمين، بل قد يكونون من طبقات مختلفة، غير أن هناك عوامل مشتركة تزيد احتمال اندفاعهم: الشعور بعدم الرضا، وضعف فرص العمل، ومحدودية التعليم، والحاجة إلى إحساس بالانتماء والمعنى. عندما يشعر الإنسان أن صوته لا يُسمع، أو أن حياته بلا أفق واضح، يصبح أكثر استعداداً للانضمام إلى أي جماعة تمنحه إحساساً بالقوة، حتى لو كانت تلك الجماعة مندفعة أو متأثرة بآخرين، كما أن الخطاب المتشنج، سواء في بعض وسائل الإعلام أو على منصات التواصل أو في بعض التجمعات، يلعب دوراً في تحويل الحشد إلى غوغاء.
أما وعي هذه الجماهير فهو وعي نسبي ومتذبذب. الفرد داخل الجماعة قد يفقد مؤقتاً بعض مهارات التفكير المستقل، ويصبح أكثر تقليداً للآخرين، وأكثر استجابة للشعارات البسيطة والصور العاطفية، وهذا لا يعني أنهم بلا وعي مطلق، فكثير من حركات الاحتجاج الجماهيري عبر التاريخ كانت تعبيراً عن وعي بظلم واقع، لكنها انزلقت أحياناً إلى العنف أو التخريب بسبب غياب القيادة المسؤولة أو وجود محرضين، لذا يمكن القول: إن الغوغاء ليسوا دائماً ضحايا، ولا دائماً جناة، بل هم غالباً نتاج تفاعل معقد بين ظروف اجتماعية واقتصادية، وتربية غير سليمة، وخطاب متشنج، وضعف في قنوات التعبير السلمي.
وإذا سألنا: هل هم ضحية تربية؟ فالجواب يحتمل التفصيل. التربية التي تقوم على التلقين بدل الحوار، والطاعة العمياء بدل التفكير النقدي، والخوف من الخطأ بدل احترام القانون، تنتج أفراداً أكثر قابلية للانجراف خلف الجماهير. كذلك التربية التي تعزز الانتماء الأعمى للقبيلة أو الحزب أو الطائفة أو الفريق، وتغذي ثقافة الكراهية والانتقام، تسهم في تكوين شخصية هشة أمام التحريض. لكن التربية ليست العامل الوحيد، ولا يصح أن تُستخدم ذريعة لإعفاء الفرد من مسؤوليته. فالإنسان قادر على الاختيار، والمجتمع قادر على تصحيح مساره إذا توفرت الإرادة والمعرفة.
يرى الخبراء أنه للتقليل من تأثير هذه الظاهرة، لا بد من معالجة الأسباب لا الاكتفاء بالتعامل مع النتائج. الحل لا يكون في المواجهة وحدها، بل في الوقاية والتوعية. المطلوب هو تعليم يقوم على التفكير النقدي وحل المشكلات، وتربية على المواطنة وحقوق الإنسان واحترام القانون، ومن الضروري إصلاح الخطاب الإعلامي ومنصات التواصل، بحيث لا تتحول إلى منابر للتحريض والكراهية والأخبار الزائفة، كما أن تحسين الظروف العامة وفرص العمل والتعليم الجيد والخدمات الأساسية يقلل من مشاعر الإحباط التي تغذي الاندفاع الجماعي، وفي المجال الرياضي، لا بد من تنظيم الملاعب، ونشر الروح الرياضية، وفصل الرياضة عن الصراعات الضيقة. وفي أوقات الأزمات، ينبغي تعزيز الحوار وفتح قنوات آمنة للتعبير السلمي.أما مسألة السيطرة على الغوغاء، فينبغي أن تُفهم بمعنى الإدارة والتنظيم، لا بمعنى التلاعب بالناس وتحويلهم إلى أدوات. الإدارة المشروعة تكون عبر القانون، وحماية الحق في التعبير السلمي، وحماية الأرواح والممتلكات، وتعزيز الحوار، كما تحتاج المجتمعات إلى قيادات واعية قادرة على توجيه الطاقة الجماعية نحو البناء، وإلى مؤسسات قوية تستجيب للمطالب العادلة قبل أن تتحول إلى أزمات، وكلما زاد وعي الناس، وقل شعورهم بالإحباط، وتحسنت ظروفهم، قل تأثير الغوغاء، وتحول الحشد من قوة تدميرية إلى قوة مدنية منظمة.
ختاماً، الغوغاء ليسوا شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً. هم طاقة بشرية هائلة، إذا وُجهت بالوعي والعدالة والمسؤولية، أصبحت قوة للتغيير والبناء. وإذا تُركت للتحريض والجهل والاستغلال، تحولت إلى دمار يحرق أصحابه قبل غيرهم. المجتمع المتوازن هو الذي لا يكتفي بإدانة الغوغاء، بل يسأل عن أسبابهم، ويعالج جذورهم، ويحوّل جماهيرهم إلى مواطنين واعين قادرين على المشاركة لا الانجراف.