رائد محمد آل شهاب
من كتاب التكامل الخماسي سوف أشرح مفهوم التكامل، وهل ينطبق على الأفراد، المجتمعات والمنظمات والدول؟ طبعاً، لا يوجد أحد كاملا، فخاصية الكمال لله وحده. فالجميع منا يسعى في هذه الحياة لكسب نوع ما من الرضى. التكامل بشكل عام هو الجمع بين عناصر أو أشياء مختلفة لتكوين كيان واحد متماسك ومتناسق يكمل بعضه بعضاً، بحيث تعمل الأجزاء المختلفة معاً بانسجام لتحقيق هدف مشترك أو لزيادة الكفاءة والفاعلية.كانت حركة الأفراد أكثر حريةً بكثير، فنادراً ما كانت جوازات السفر مطلوبة، وكان الحصول على الجنسية أمراً يسيراً. فهناك دراسة جميلة مفادها «رغم التطور الهائل للعالم من جوانب متعددة، فإن المجتمعات أصبحت أبعد مسافة من قبل» أي غير مترابطة كالسابق. فالتكنولوجيا وعوامل متعددة أبعدت جانب التواصل الروحي حتى بين أفراد العائلة الواحدة».وفي شأن التكامل الإقليمي والعالمي، باتت الوظائف الأربع التي يضطلع بها النظام الدولي المتكامل الساعي إلى تحقيق التنمية، متفرقة وممزقة الأهداف في ظل غياب العدالة الإنسانية. وهذه الوظائف هي:
* تحقيق فوائض في الحساب الجاري من قِبل المركز (أي القوة المهيمنة).
* تحويل هذه الفوائض من قِبل المؤسسات المالية إلى قروض أو استثمارات بشروط مقبولة.
* إنتاج وبيع السلع الإنتاجية والتكنولوجيا الحديثة.
* الحفاظ على القوة العسكرية، واستخدامها عند الضرورة، لحفظ السلام وإنفاذ العقود.
قبل عام 1914، كانت المملكة المتحدة تمارس هذه الوظائف الأربع بصفتها القوة المهيمنة، وبين الحربين العالميتين، لم يكن هناك نظام دولي قائم، إذ لم تعد المملكة المتحدة قادرة، ولم تكن الولايات المتحدة راغبة بعد في قبول هذه الوظائف. ولمدة ربع قرن بعد الحرب العالمية الثانية، مارستها ونسقتها الولايات المتحدة.
أما اليوم، فنحن نعيش في عالم متهالك ومخيف ومجزأ، يفتقر إلى التنسيق.
من وجهة نظري، نلاحظ استيعاب القوى الكبرى، خاصة الغربية، مفهوم التكامل مبكراً، حتى أصبح مع مرور الزمن يستخدم كسلاح ذي حدين، وعمليات مزدوجة تخدم مصالح القوى الكبرى. على سبيل المثال، تأسس حلف شمال الأطلسي NATO مباشرة بعد الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين. ومع مرور عقود من الزمن واستغلال القوى الكبرى وبسط نفوذها على الموارد الأمنية والطبيعية .. إلخ من دول متعددة في قارة أفريقيا والشرق الأوسط، وقد تصل إلى القطب الشمالي بالمستقبل القريب. أصبح الجميع بلا استثناء يعاني مواجهة القطاعات الأمنية وتحديات عالمية متزايدة في جميع أنحاء العالم، مثل الهجرة، والأزمات الصحية، والتحول الرقمي والتهديدات السيبرانية، وتغير المناخ، والجريمة المنظمة. فالتجاهل المستمر من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لوقف الحروب، وغياب إشراك الجيوش العالمية لعمليات الاستدامة، وفشل إحراز التقدم المطلوب بشأن التحديات العالمية، سيدخل العالم في أنفاق غياب التكامل، ومن أبرزها:
غياب التكامل المناخي:
العلاقة الطردية بين أنشطة التلوث التي يصنعها الإنسان والتغيّرات المناخية، على سبيل المثال لا الحصر، الإنفاق العسكري والتغيّر المناخي يسيران في المنحى التصاعدي نفسه مما يسبب كارثة تغيّر خارطة العالم الجغرافية، والتي ستكون حتميّة في حال لم يتم تدارك مسببات التغير المناخي، ففي دراسة نشرتها المجلة الأكاديمية الأمريكية المختصة بمراقبة المناخ «Nature Climate Change» في يوليو 2021، تم التوصل إلى استنتاج مفاده أنه بحلول عام 2100 ستكون جميع المناطق التي لا يزيد ارتفاعها عن مترين عن سطح البحر، بحكم الأراضي الغارقة، وتقدَّر مساحة هذه الأراضي بحوالي 650 ألف كيلومتر مربع. ويرى الخبراء أن الكثير من المدن العالمية بحلول عام 2050 ستتأثر بشكل مباشر من ارتفاع منسوب المياه كنيويورك، ولندن، وإسطنبول، وشنغهاي، ومومباي، وغيرها.
غياب التكامل الأمني والاقتصادي:
وهو الأخطر والأشد تأثيراً على المدي القريب، وهذا ما حدث للقارة الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية. دعونا نتمعن جيداً لبيان أعظم دعاة الوحدة الأفريقية. السيد. عبّر كوامي نكروما قال التالي: «في رأيي، ينبغي لأفريقيا الموحدة، أي التوحيد السياسي والاقتصادي للقارة الأفريقية، أن تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف:
أولاً، ينبغي أن يكون لدينا تخطيط اقتصادي شامل على مستوى القارة، مما سيزيد من القوة الصناعية والاقتصادية لأفريقيا. فما دمنا منقسمين، وما دمنا مجزئين إقليمياً أو جغرافياً، سنظل عرضة للاستعمار والإمبريالية ...» ولذلك نلاحظ الصراع الأزلي والمستمر بين الشرق والغرب، سواء أمنياً أو اقتصادياً أو النزاعات المباشرة وغير المباشرة.
فالأبواب الخمسة التالية من هذا الكتاب تقدم لمحة سريعة للتكامل الخماسي:
* مفهوم التكامل
* التكامل الاجتماعي
* التكامل الإقليمي
* التكامل الدولي
* عوائق التكامل
وأخيراً، يختم الكتاب بكلمة أخيرة، ورؤية رائدة لآليات منظومة التعاون الإسلامي. ونأمل من الله العلى القدير التوفيق لطرح هذه المادة المتواضعة. واللهم صلّ على محمد وآل محمد.