خالد الأنصاري
ليس الفقه في حقيقته استكثارًا من محفوظ المسائل، ولا استحضارًا لجملة الفروع والأقوال؛ فإن ذلك ـ وإن كان من آلاته ـ ليس غايته ولا حقيقته، وإنما الفقه مَلَكةٌ راسخة، وبصيرةٌ نافذة، تنشأ من طول الملازمة لنصوص الوحي، وإدامة النظر في دلالاتها، ومعرفة مدارك الأحكام ومآخذها، والتفقه في طرائق الأئمة ومسالكهم في الاستنباط والترجيح، وإدراك علل الأحكام ومقاصد التشريع، وردِّ الفروع إلى أصولها، والجزئيات إلى كلياتها، وإلحاق النوازل بأشباهها ونظائرها.
وليس الفقيه من جمع الفروع، وإنما الفقيه من فقه مأخذ الحكم قبل أن يحفظ الحكم، وأدرك وجه الدليل قبل أن يروي المسألة، وعرف كيف تتولد الفروع من أصولها؛ حتى تصير له ـ بالعلم وطول المران ـ مَلَكةٌ يزن بها المسائل، ويميز بها بين المتشابهات، ويفرق بين المختلفات، ويضع الحكم في موضعه، على هديٍ من الدليل وقواعد الشريعة.
ومن أجل ذلك كان التفقه في الدين من أجل نعم الله على عبده، وعلامةً ظاهرةً على إرادة الخير به؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين» متفق عليه.
والفقه في أصله فهمٌ عن الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما عبر عن ذلك شيخنا -حفظه الله- في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (4/ 252) بقوله: «والفقه في الشريعة، والفقه في القرآن هو: الفهم؛ لهذا صار الفقيه هو العالم الذي يفهم معنى كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم».
ومن هنا كانت العناية بالفقه عنايةً بصحة الفهم، وسلامة الاستدلال، وحسن الاعتصام بالوحي؛ إذ لا يتحقق الاعتصام التفصيلي بالكتاب والسنة إلا بالعلم بمعانيهما وأحكامهما. وقد أوصى شيخنا -حفظه الله- بذلك فقال في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (5/ 423) ما نصه: «أوصيكم بالفقه، الفقه في الشريعة، الفقه في الكتاب والسنة؛ لأنه بالفقه يحصل الاعتصام، الاعتصام بالكتاب والسنة؛ اعتصام إجمالي بما تُقرُّ به وتعتقد، وهناك اعتصام تفصيلي، وهذا لا يكون إلا بالعلم؛ ولذلك أحرى الناس بالكتاب والسنة أهلُ العلم بالكتاب والسنة».
ومن تأمل المسيرة العلمية لشيخنا الفقيه الحنبلي، العلامة معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ -حفظه الله- وجد أن الفقه والتأصيل الفقهي يمثلان جانبًا أصيلًا من تكوينه العلمي؛ فقد نشأ في بيت علم وفقه، واتصلت عنايته منذ بواكير طلبه بكتب أهل العلم، ومصنفات الفقهاء، ومدونات المذهب الحنبلي، مع عناية ظاهرة بالدليل والتأصيل، وربط الفروع بأصولها وقواعدها.
وليس غريبًا أن يكون للمذهب الحنبلي حضورٌ بيِّن في تكوين شيخنا؛ فهو سليل بيت علم عُرف بالعناية بالفقه والعقيدة والدعوة، وامتدت فيه صلة العلم جيلًا بعد جيل، حتى غدا الكتاب والدرس الفقهي والمباحثة جزءًا من بيئته العلمية التي نشأ فيها.
والمتأمل في دروس شيخنا وشروحه ومحاضراته؛ يلحظ أن عنايته بالفقه الحنبلي ليست عنايةَ ناقلٍ لفروع المذهب؛ وإنما هي عناية المتفقه؛ الذي يريد أن يعرف كيف بُني الحكم، ومن أين أُخذ، وما مأخذه ومناطه، وما أصله الذي يرجع إليه.
وهذه منزلة دقيقة في دراسة الفقه وتكوين المَلَكة الفقهية؛ فإن معرفة الحكم شيء، ومعرفة مأخذه وفقهه ووجه بنائه شيء آخر.
ولهذا يكثر في طرح شيخنا الفقهي المؤصَّل؛ ردُّ المسائل إلى قواعدها، وربط الجزئيات بكلياتها، وبيان الفروق بين الصور المتشابهة، والكشف عن مناط الحكم، واستحضار كلام الأصحاب واصطلاحاتهم، والتمييز بين الروايات والأوجه والاحتمالات، ومعرفة ما استقر عليه المذهب، وما جرى عليه المتأخرون من فقهائه.
وهنا تظهر قيمة التقعيد الفقهي؛ إذ القاعدة تجمع شتات الفروع، وترد المتفرق إلى جامع، وتجعل طالب العلم ينظر إلى الفقه بوصفه بناءً متماسكًا، لا مسائل متناثرة يحفظ بعضها، وينسى بعضها الآخر.
ومن أجمل ما يمكن أن يلحظه طالب العلم في دروس شيخنا الفقهية المؤصَّلة: الانتقال من السؤال: ما حكم هذه المسألة؟ إلى سؤال أعمق: لماذا كان حكمها كذلك؟ وعلى أي أصل بُني؟ وما نظائرها؟ وما الذي يفرق بينها وبين غيرها؟ وهنا تبدأ صناعة الفقيه؛ فالفقه ليس حفظ «الحكم» وحده، وإنما معرفة طريق الحكم ومناطه.
ولذلك كانت القواعد الفقهية، وأصول الفقه، ومقاصد التشريع، ومعرفة علل الأحكام، وفقه الخلاف، ومدارك العلماء؛ آلاتٍ لا غنى عنها؛ لمن أراد أن يرتقي من حفظ المسائل؛ إلى مرتبة النظر الفقهي المنضبط.
ومن هذا الباب تبرز أهمية التقعيد في الدرس العلمي، وهو الأمر الذي يؤكد عليه شيخنا -حفظه الله- في دروسه؛ فالقاعدة الفقهية أو الأصولية إذا استقرت في ذهن الطالب، أمكنه أن يجمع تحتها عشرات المسائل، وأن يدرك العلاقات بينها، وأن يفرق بين ما يندرج فيها؛ وما يُستثنى منها، من مسائل المذهب وغيرها.
غير أن المَلَكة الفقهية لا تُبنى من طريق واحد، ولا تستقيم بالعناية بجانب وإغفال غيره؛ بل تتكون من روافد متكاملة تجمع بين التأصيل والتطبيق، والاتصال بفقه السلف.
وقد نبَّه شيخنا -حفظه الله- إلى أن تنمية المَلَكة والحاسة الفقهية تكون بثلاثة أمور مجتمعة غير متفرقة، في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (4/ 390 – 391) حيث قال: «إن التفقه، وحرص المرء على أن يكون عنده مَلَكة فقهية، يكون مبنيًّا على هذا الذي ذكرت.. لهذا الفقه، وتنمية المَلَكة الفقهية، والحاسة الفقهية في فهم المسائل، وفي التعبير عنها، وفي إدراك كلام العلماء على المسائل الفقهية، يكون برعاية هذه الثلاث مجتمعة:
أولًا: العناية بالمتون.
ثانيًا: العناية بالفتاوى.
ثالثًا: العناية بالآثار.
لا بد منها على هذا النحو».
وهذا ترتيبٌ بديع في صناعة الفقيه؛ فالمتون تضبط له أبواب العلم ومسائله ومصطلحاته، والفتاوى تُريه الفقه حيًّا في الوقائع والنوازل، والآثار تصله بفهم السلف ومنابع الاستدلال الأولى.
فإذا اجتمعت هذه الثلاث استقام للطالب أصلٌ يحفظه، وتنزيلٌ يمارسه، وأثرٌ يهتدي به؛ فلا يكون أسيرًا للتجريد، ولا تابعًا لواقعة مبتورة عن أصولها.
ومن الملامح الجديرة أيضاً بالعناية في المنهج الفقهي لشيخنا: الجمع بين الرواية والدراية؛ فلا يُستغنى بالدليل عن فقه العلماء، ولا بكلام الفقهاء عن الدليل، بل يوضع كل واحد منهما في موضعه؛ فالنص أصل، وفهم السلف له نور، ومدونات المذاهب خزائنُ لقرون طويلة من النظر والاستنباط والتحرير.
ومن هنا كانت دراسة المذهب عند المحققين؛ طريقًا إلى ضبط الفقه، لا حجابًا عن الدليل؛ لأن المذهب مدرسة علمية متكاملة، لها أصولها، ومصطلحاتها، ومراتب كتبها، ورجالها، وطرائقها في التخريج والترجيح.
وهذا المعنى -كما يقرره شيخنا- مهم في تكوين طالب العلم؛ إذ إن من دخل بحر الفقه بلا أصول تضبطه، ولا منهج يسلكه، ربما جمع مسائل كثيرة، ولم تتكون لديه مَلَكة الفقيه.
وإذا كانت المذاهب مدارسَ علميةً عريقةً؛ حفظت الفقه وحررت مسائله، فإن الانتساب إلى مذهب منها، أو الترجيح بين أقوالها بالدليل، لا يسوِّغ الطعن في أئمتها أو الانتقاص من علمائها؛ فالإنصاف معهم دينٌ، وحفظ أقدارهم من أخلاق العلم.
وقد قرر شيخنا ما قرره علماء أئمة الدعوة من احترام المذاهب الفقهية وأئمة الإسلام، في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (2/ 178 – 179) حيث قال: «فهذه الدعوة من أساسياتها احترام العلماء، واحترام أئمة الإسلام: الأئمة المتبوعين الأربعة وغيرهم؛ كالليث، وسفيان، وابن جرير ـ رحمهم الله ـ وأئمة الحديث، فلا نطعن في أحد منهم، بل نحبهم، ونتولاهم، ونطعن فيمن طعن فيهم، وكذلك شُرَّاح الأحاديث كالنووي، والذهبي، وابن حجر ـ رحمهم الله ـ ونحو ذلك من العلماء، لا نرضى أن يأتي أحد ويطعن في العالم؛ بل العالم إن كان مصيبًا فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحد على اجتهاده، والعالم لا يُتبع في زلته، كما أنه لا يُتبع بزلته، فلا يُقدح في أحد من أهل العلم.
فكان من أساسيات هذه الدعوة احترام المذاهب والعلماء، وعدم الطعن في أحد منهم؛ ولذلك لا يُعرف عن أحد من علماء الدعوة السلفية في الماضي، وفي زمن ابن تيمية وابن القيم، وفي زمن الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى يومنا هذا، ممن تحقق بهذه الدعوة السلفية، أنه يطعن في أحد من أهل العلم، ولا من علماء المذاهب؛ بل نحن معهم على الحق والهدى، وما اختلفوا فيه فيُرجح فيه الراجح بالدليل، رحمة الله على الجميع».
وهذا تقريرٌ يجمع بين الوفاء لأئمة العلم؛ وعدم الجمود على أقوالهم؛ فلا تعصب يصد عن الدليل، ولا اجتراء يهدر مقامات العلماء.
والباحث المنصف يعرف للعالم فضله، وينتفع بصوابه، ويعتذر عن خطئه، ولا يتخذه مطعنًا في علمه ودينه؛ فالزلل لا يُتبع، وصاحبه لا يُبدَّع ولا يُنتقص لمجرد اجتهاد أخطأ فيه.
والمذهب الحنبلي ليس متنًا واحدًا ولا كتابًا واحدًا، بل تراث علمي واسع، تعاقب على تحريره أئمة كبار، بدءًا من الرواية عن الإمام أحمد – رحمه الله – ومرورًا بأصحابه وطبقات مذهبه، وانتهاءً بالمحققين الذين حرروا الروايات والأوجه، وضبطوا المعتمد، وشرحوا المختصرات، واعتنوا بالدليل والتعليل.
ومن هنا فإن العناية الحقيقية بالمذهب تستلزم معرفة طبقاته، ومصنفاته، واصطلاحاته، وطرائق علمائه، ومواضع الاتفاق والخلاف داخله، والتمييز بين المذهب الشخصي للإمام أحمد –رحمه الله– وبين ما اصطلح المتأخرون على تسميته بالمذهب، بعد قرون من التخريج والتحرير.
وهذه المعرفة تمنح الباحث قدرًا كبيرًا من الإنصاف العلمي؛ فلا ينسب إلى الإمام ما ليس من قوله، ولا يجعل اختيار أحد علماء المذهب قولًا لجميع الحنابلة، ولا يتعامل مع التراث الفقهي العظيم وكأنه رأي واحد لا تفصيل فيه.
ومما يقرره شيخنا في دروسه أيضًا، ويزيد الدرس الفقهي رسوخًا: أن يقترن فقه المذهب بالعناية بالدليل؛ فالفقه الذي انفصل عن النص يوشك أن يتحول إلى مجرد صور محفوظة، والنص الذي يُتناول دون أدوات الفقه وفهوم العلماء قد يُحمَّل ما لا يحتمل.
ولهذا كان منهج أئمة الإسلام قائمًا على تعظيم الوحي، مع الاستفادة من ميراث العلماء.
وقد كان الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ إمامًا في السنة والحديث والفقه جميعًا، حتى اجتمع في مدرسته تعظيم الأثر، ودقة النظر، والورع في الفتوى.
وهذا الإرث هو الذي أعطى المدرسة الحنبلية خصوصيتها العلمية: نصٌّ يُعظَّم، وأثرٌ يُتَّبع، وفقهٌ يُحرَّر، وقاعدةٌ تضبط الفروع.
والفقيه الراسخ لا يعيش بين دفتي الكتاب بعيدًا عن حياة الناس، بل ينطلق من الأصول لفهم الواقع وتنزيل الأحكام عليه تنزيلًا منضبطًا.
ومن هنا تتسع دائرة الفقه من أحكام العبادات والمعاملات إلى فقه الدعوة، وفقه المصالح والمفاسد، وفقه الأولويات، وفقه المآلات، وفقه التعامل مع النوازل والمتغيرات.
وفي هذا السياق يفرِّق شيخنا تفريقًا دقيقًا بين الفقه الأصلي والفقه المتجدد؛ فالفقه الأصلي محفوظ في كتب أهل العلم ومصنفاتهم، أما الفقه المتجدد فهو ثمرة النظر في كيفية تنزيل ذلك الفقه؛ على حاجات الأمة وأحوالها المتغيرة.
حيث يقول في كتاب «لقاءات وجلسات» (2/ 185-186) ما نصه:»الفقه المتجدد، والفقه الأساس أو الأصل؛ فقه الأساس موجود في كتب أهل العلم، وموجود في كلام أهل العلم في التفسير، وفي كتب الحديث، ولكن الفقه المتجدد يحتاج منك إلى نظر فيما يصلح الأمة من ذلك الفقه.
هذا يختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعوائد، والأحوال، وهو قريب من التفريق ما بين الحكم والفتوى، والأحكام والفتاوى؛ فمثلًا هناك أحكام شرعية موجودة في كتب الفقه، ولكن الحكم لا يعني أن يُنزَّل في كل زمان، وفي كل مكان، بدون اعتبار لنظر الزمان، والمكان، والعوائد، والأحوال؛ فهناك أحكام صالحة للرياض، ولكنها لا تصلح للمسلمين في أمريكا، لا تصلح للمسلمين في أستراليا، وهناك أحكام شرعية تُراعى في زمن، وفي زمن آخر قد تتغير الفتوى فيها».
وليس معنى تغير الفتوى تغيرَ أصول الشريعة أو أحكامها القطعية، وإنما معناه أن تنزيل الحكم على الواقعة يفتقر إلى فقه الزمان والمكان؛ والعوائد والأحوال؛ فقد يبقى الحكم الشرعي ثابتًا، وتتغير الفتوى لتغير مناطه أو ظرفه أو ما يترتب عليه من مصالح ومفاسد.
وهنا تتجلى المَلَكة الفقهية في أرفع صورها: ثباتٌ على الأصل، وبصيرةٌ بالواقع، ودقةٌ في التنزيل.
ويتصل بذلك فقه السياسة الشرعية؛ إذ هو ميدان واسع لتقدير المصالح ودرء المفاسد، ورعاية المقاصد، ولا سيما في أزمنة الأزمات والفتن.
وقد امتاز شيخنا بهذا الفقه وبيَّن تعدد مجالات النظر في السياسة الشرعية، ثم أبرز المعنى الذي تشتد الحاجة إليه في واقع الأمة، في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (5/ 305) حيث قال: «والسياسة الشرعية مطلوبة شرعًا، والنظر في السياسة الشرعية مختلف؛ فمنهم من ينظر إلى السياسة الشرعية أنها هي السياسة التي يتبعها القاضي في قضائه وأحكامه، وهناك كتب مؤلفة في هذا الأمر معروفة فيما يتعلق بالتقاضي عند القاضي، والنوازل وما يتصل بذلك، ومؤلفات أُلِّفت في السياسة الشرعية المتعلقة بذلك. وهناك من نظر في السياسة الشرعية إلى ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يجب أن تُعمل فيه الأمور الشرعية، والسياسة الشرعية في قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما نظرنا اليوم فهو فقه السياسة الشرعية فيما يتعلق بالأزمات والفتن، والسياسة الشرعية أصلها مبني على قاعدة أجمع عليها أهل العلم، وهي أن الشريعة جاءت بالمصالح ودرء المفاسد، وجاءت بتحقيق المقاصد».
وهذا الفقه لا يقوم على ردود الأفعال العابرة، ولا على الحماسة المجردة، وإنما يقوم على علمٍ بالنصوص، وفهمٍ للواقع، وموازنةٍ بين المصالح والمفاسد، ونظرٍ في المآلات؛ حتى لا يُطلب تحصيل مصلحة صغيرة بما يفضي إلى مفسدة أعظم، ولا تُدفع مفسدة محدودة بما يفتح أبوابًا من الشر والفتنة.
ولعل اجتماع الفقه الشرعي بالتجربة العملية والإدارية لدى شيخنا يفتح مجالًا مهمًا لدراسة جانب آخر من شخصيته العلمية: كيف يلتقي فقه النص مع فقه الواقع، وكيف ينتقل التأصيل الشرعي من مجالس العلم؛ إلى ميادين المسؤولية والعمل.
فالوزارة حين يتولاها العالم ليست انفصالًا بالضرورة عن رسالته العلمية، بل قد تكون ميدانًا آخر تظهر فيه آثار الفقه: في تقدير المصالح، وترتيب الأولويات، ومعرفة أحوال الناس، والنظر في المآلات، ووضع الأمور في مواضعها.
وهنا يلتقي شِقَّا عنوان مقالتنا: «الوزير الحنبلي.. والمَلَكة الفقهية» فالعلم يمد العمل بالبصيرة، والتجربة توسع أفق الفقيه، والمسؤولية إذا صحبتها المعرفة الشرعية، أورثت صاحبها مزيدًا من إدراك حاجات الناس وواقعهم.
وإذا كان شيخنا قد نشأ في بيت عريق في العلم، فإن من الوفاء لهذا الإرث ألا يُنظر إليه على أنه مجرد انتساب أسري، وإنما بوصفه أمانة علمية؛ فالبيوت العلمية لا يحفظ مجدها الاسم وحده، وإنما يحفظه العلم والتحصيل، والتعليم والتأليف، وبذل المعرفة للناس.
ومن هنا تبرز قيمة استمرار الدرس العلمي الفقهي في حياة العالم، مهما ازدحمت مسؤولياته؛ لأن المنصب عارض، أما العلم فأثره باقٍ، والكلمة العلمية قد تتجاوز حياة قائلها بأجيال.
وإن من أجلِّ ما يبقى للعالم: علمًا بثَّه، وفقهًا نشره، وطالبًا ربَّاه، وكتابًا صنَّفه، ومسألةً حررها، وقاعدةً قررها، ومنهجًا في النظر أورثه من بعده.
وقيمة الفقيه لا تُقاس بكثرة ما يحفظ من الفروع، بل بقدرته على ردِّ الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات، والنوازل إلى قواعد الشريعة ومقاصدها؛ فإذا انضم إلى ذلك تعظيم النص، ومعرفة كلام الأئمة، وفقه الواقع، وحسن تنزيل الأحكام، اكتملت معالم الفقه الراسخ.
وتلك جوانب جديرة بأن تُجمع من دروس شيخنا وشروحه، ومحاضراته، وفتاواه، وتُدرس دراسة علمية استقرائية تكشف عن منهجه في التأصيل الفقهي، وعنايته بالمذهب الحنبلي، وتقعيداته واختياراته، وطرائق استدلاله؛ فإن تراث العالم لا يُعرف بالأوصاف وحدها، وإنما تُظهره نصوصه، وتكشفه دروسه، وتشهد له آثاره.
إضـاءة:
العلمُ تأصيلٌ قبل أن يكون تفريعًا، والفقهُ مَلَكةٌ قبل أن يكون محفوظًا، والفقيهُ الراسخ هو من جمع فقه النص إلى فقه الواقع، واحترامَ المذاهب إلى سلطان الدليل، وثباتَ الأصول إلى بصيرة التنزيل؛ والعالِمُ الحق هو الذي يحمل ميراث من سبقه، ثم يؤديه لمن بعده علمًا وفقهًا وبصيرة.