حذامي محجوب
لم يكن الغزل في تاريخ الأدب العربي ترفا لغويًا، ولا مجرد وصف لجمال امرأة أو تعداد محاسنها.
كان الغزل فنا راقيا يكشف عن أعماق النفس الإنسانية، يمنح الحب لغة تتجاوز حدود الكلام العادي.
كان العاشق شاعرا مبدعا، حتى إن لم يمسك قلمًا.
كانت المرأة تلك التي تسكن وجدانه قادرة على أن تغيّر نظرته إلى العالم، أن تجعل من ابتسامة عابرة حدثا يستحق أن يُخلّد في قصيدة.
لعل من أقوى ما كُتب في الغزل العربي أبيات المتنبي التي يقول فيها:
«لا السيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ
ولا لقاءُ عدوّي مثلَ لقياكِ
لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كبدي
ما نالَ منّي ما نالتْهُ عيناكِ».
إننا أمام غزل لا يكتفي بالحديث عن جمال العينين، بل يمنحهما قدرة تتجاوز قوة السيف وخطر العدو.
فالشاعر الذي يستطيع أن يواجه الأخطار، ويعرف معنى القوة والمواجهة، يعترف بأن امرأة واحدة تستطيع أن تبلغ من نفسه ما تعجز عنه أدوات المعارك والحروب.
إنها مفارقة تكشف عن جوهر الحب: قد يمتلك الإنسان أسباب القوة في مواجهة العالم، لكنه يظل ضعيفا أمام من يسكن روحه.
وفي هذا المعنى تحديدًا تتجلى عبقرية الغزل، فهو لا يقيس أثر المحبوب بما يملكه من سلطة أو قوة، بل بما يحدثه في أعماق النفس. فالسيف يجرح الجسد، أما الحب فيعيد ترتيب العالم داخل الإنسان، ويمنح النظرة والابتسامة والصوت قدرة على البقاء في الذاكرة أكثر مما تبقى أحداث كثيرة من الحياة.
وعلى الضفة الأخرى من التجربة الشعرية، يقف عنترة بن شداد، الفارس الذي لم تمنعه المعارك من أن يكون عاشقًا، ولم تحل شجاعته دون أن يكشف عن أرقّ ما في نفسه. يقول:
«ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ منّي
وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها
لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسّمِ».
هذان البيتان من أروع ما صوّر به الشعر العربي امتزاج الحب بالحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة.
فعنترة يستحضر محبوبته والرماح تخترق جسده والسيوف تقطر من دمه، أي أن حضورها لا يتراجع أمام الخطر، بل يظل حيًا في قلب المعركة.
ثم تبلغ الصورة ذروتها حين يرى في لمعان السيوف بريق ابتسامتها، فتتحول أداة الموت إلى استدعاء للجمال، ويصبح العالم المحيط به مرآة لامرأة تسكن وجدانه.
أي قدرة هذه التي تجعل الفارس يرى ابتسامة محبوبته في سيوف أعدائه؟.
وأي حب هذا يستطيع أن يحتفظ بحضوره فيما الدم يسيل والموت يقترب؟.
إنها قدرة الشعر حين يبلغ أعلى مراتبه، وحين لا يعود وصفًا للأشياء، بل يصبح إعادة خلق لها من منظور العاشق.
لقد استطاع عنترة أن يجعل الحب حاضرًا في قلب البطولة، وأن يثبت أن الشجاعة لا تناقض الرقة، وأن الرجل الذي يواجه الموت لا يفقد حاجته إلى الحنان، ولا يخجل من الاعتراف بأن في حياته امرأة تستحق أن يتذكرها حتى في أحلك اللحظات.
ليست عظمة هذه الأبيات في مبالغتها الفنية وحدها، بل في أنها تمنحنا صورة عن زمن كان فيه الغزل قادرا على التعبير عن مشاعر كثيفة، وعن علاقة بين الإنسان واللغة جعلت الانفعال الشخصي تجربة إنسانية تتوارثها الأجيال.
لقد مات أصحاب تلك القصائد، وغابت النساء اللواتي تغزلوا بهن، وتبدلت العصور، لكن الكلمات بقيت، لأن الشعراء نجحوا في تحويل لحظاتهم الخاصة إلى ذاكرة إنسانية مشتركة.
لكن لنسأل: اين نحن اليوم من كلّ هذا الغزل ؟.
كيف انتقلنا من زمن كانت فيه نظرة امرأة تستدعي قصيدة خالدة، وابتسامتها تُرى في لمعان السيوف، إلى زمن يستطيع فيه المرء أن يرسل عشرات الرسائل في دقائق، من دون أن يجد كلمة واحدة تعبّر حقًا عما يشعر به؟.
لا يعني ذلك أن الحب اختفى من الحياة، أو أن الإنسان المعاصر فقد القدرة على العشق. فالحاجة إلى الحب متجذرة في الطبيعة الإنسانية، ولا تمحوها التكنولوجيا ولا تغيرها سرعة الزمن.
لكن ما يبدو أنه تراجع هو مكانة الغزل بوصفه فنًا للتعبير عن العاطفة، وقدرة اللغة اليومية على حمل مشاعر عميقة تتجاوز الاستهلاك السريع للكلمات.
لقد أصبحنا نعيش في عالم تتكاثر فيه وسائل التواصل، فيما يتراجع أحيانا عمق التواصل نفسه.
رسائل فورية، وصور، ورموز تعبيرية، وعبارات جاهزة تتكرر بين آلاف الأشخاص، حتى كأن المشاعر أصبحت لها قوالب موحدة، تُستعمل من دون أن تحتاج إلى جهد في اكتشاف اللغة الخاصة بكل علاقة.
لم تعد الكلمة تحتاج دائما إلى انتظار أو تأمل، يكفي أن يضغط الإنسان على شاشة هاتفه كي يرسل عبارة حب، وقد يرسل العبارة نفسها إلى أكثر من شخص، بالسهولة ذاتها التي ينتقل بها من محادثة إلى أخرى.
وهنا تكمن إحدى ابرز مفارقات العصر الحديث: لقد أصبحت الكلمات أقرب إلى أيدينا، لكنها ليست بالضرورة أقرب إلى قلوبنا.
كان الغزل القديم يحتاج إلى الخيال، وإلى القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى صور شعرية، وإلى التأمل في أثر المحبوب داخل النفس.
أما اليوم، فقد حلت السرعة محل التمهل في كثير من العلاقات، وأصبح التعبير عن المشاعر أحيانا تابعا لإيقاع المنصات الرقمية، لا لإيقاع القلب.
وما إن تُرسل الرسالة حتى ينتظر صاحبها ردًا، وما إن يتأخر الرد حتى تبدأ التأويلات، وكأن الحب تحول من تجربة وجدانية إلى امتحان مستمر للحضور والاستجابة.
ومن أسباب هذا التحول أيضا أن ثقافة الاستهلاك تسللت إلى العلاقات الإنسانية.
ففي مجتمع يعتاد تبديل الأشياء وتجديدها والبحث الدائم عن خيارات أخرى، قد تنتقل بعض هذه العقلية إلى العلاقات، فيصبح الآخر مرغوبا ما دام يثير الحماس، وتصبح العلاقة مهددة كلما احتاجت إلى صبر أو تفاهم أو جهد.
وقد يحل البحث عن الإثارة المتجددة محل الرغبة في بناء ارتباط عميق، ويصبح الانتقال إلى علاقة جديدة أسهل من مواجهة تعقيدات العلاقة القائمة.
والغزل الحقيقي يحتاج إلى شيء من البطء، يحتاج إلى أن يتوقف الإنسان عند شخص بعينه، وأن يكتشف ما يميزه، وأن يمنحه من الانتباه ما لا يمنحه لكل الآخرين.
أما حين يصبح الاهتمام موزعًا باستمرار، وتظل الخيارات مفتوحة بلا نهاية، فقد يفقد الحب خصوصيته، ويتراجع الشعور بأن للمحبوب مكانة لا يمكن استبدالها بسهولة.
وثمة سبب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع ثقافة التعبير العاطفي لدى كثيرين.
فقد تربّى بعض الرجال على أن الإفصاح عن مشاعرهم ضعف ينتقص من رجولتهم، فيما نشأ آخرون على أن الكلمات الجميلة لا ضرورة لها ما دام الحب، في اعتقادهم، مفهوما من دون تعبير.
وهكذا تُترك العاطفة حبيسة الداخل، أو يُختزل التعبير عنها في إشارات مقتضبة، مع أن المشاعر التي لا تجد لغة تعبّر بها قد تعجز عن الوصول إلى الطرف الآخر.
ليس المطلوب أن يصبح كل رجل شاعرًا، ولا أن تتحول كل علاقة إلى قصيدة، ولكن من حق الحب أن يجد تعبيرًا يليق به.
فالكلمة الجميلة ليست زينة زائدة في العلاقة، إنها وسيلة للاعتراف بقيمة الآخر، وتجديد شعوره بأنه مرغوب ومحبوب، ومختلف عن سائر الناس.
ثم إن الغزل لا يعيش بالكلمات وحدها، بل يحتاج إلى الخيال والذاكرة والإنصات.
يحتاج إلى أن يلاحظ المرء تفصيلًا صغيرًا في وجه من يحب، أو أن يتذكر عبارة قالها، أو أن يجد في صوته ما يبعث الطمأنينة.
وهذه القدرة على الانتباه هي ما يتراجع حين تتزاحم الشاشات والمشاغل والتنبيهات، ويصبح الحضور الجسدي ممكنا من دون حضور وجداني حقيقي.
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نحكم على عصرنا كله بأنه عصر بلا حب، أو أن نضع الماضي في صورة مثالية لم يعرفها الواقع.
فقد عرف القدماء الخذلان والجفاء، كما عرفوا الوفاء والعشق، وما يزال في حاضرنا من يحب بصدق، ويكتب لمن يحب، ويجد في اللغة وسيلة لاكتشاف مشاعره.
غير أن الغزل لم يعد يحتل في الثقافة اليومية المكانة التي جعلت قصائد العشاق جزءًا من الذاكرة الجماعية، ولم تعد اللغة الشعرية حاضرة بالقدر نفسه في التعبير العادي عن الحب.
ولعل السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يعد كل عاشق عنترة أو المتنبي، بل لماذا أصبحنا نكتفي أحيانًا بكلمات لا تحمل من المشاعر إلا اسمها ؟ ولماذا بات بعض الناس يطالبون بالحب، لكنهم لا يمنحون من يحبونهم وقتا أو اهتماما أو طمأنينة؟.
وكيف يمكن للكلمة أن تظل جميلة إذا انفصلت عن السلوك، وللتعبير عن الشوق أن يكون صادقا إذا لم يصاحبه حرص على العلاقة ؟.
إن استعادة الغزل لا تعني العودة إلى الماضي، ولا تقليد لغة الشعراء القدماء، بل استعادة ما كان يمنح التعبير العاطفي قيمته: الصدق، والخيال، والانتباه، والقدرة على جعل شخص واحد مميزًا في عالم مزدحم بالوجوه والخيارات.
نحتاج إلى غزل معاصر يتحدث بلغتنا، لكنه لا يستسلم لابتذال الكلمات، غزل لا يرى المرأة مجرد صورة جميلة، بل إنسانة لها عقل وروح وحضور، ولا يرى الرجل مطالبًا بإخفاء عاطفته كي يثبت قوته.
نحتاج إلى علاقات يكون فيها التعبير عن الحب امتدادًا له، لا تعويضا عن غيابه، وتكون فيها الكلمات الجميلة صادقة لأن الأفعال لا تناقضها.
فليس مطلوبا من عاشق اليوم أن يتذكر محبوبته والرماح تخترق جسده، كما فعل عنترة، ولا أن يصف أثر عينيها كما فعل المتنبي.
لكن من الجميل أن يحتفظ الإنسان بقدرته على أن يرى في وجه من يحب ما لا يراه في وجوه الآخرين، وأن يجد في ابتسامته سببًا للفرح، وفي صوته طمأنينة، وفي حضوره معنى يضيف إلى حياته شيئًا لا تمنحه الأشياء الأخرى.
لقد ترك لنا عنترة والمتنبي أكثر من أبيات جميلة، ترك اثرا شاهدًا على قدرة اللغة حين تتصل بتجربة إنسانية عميقة. وأثبتا أن الحب يستطيع أن يجعل من العينين قوة، ومن الابتسامة صورة، ومن لحظة عابرة ذكرى تعيش قرونًا.
أما نحن، الذين نملك اليوم وسائل لم تكن تخطر على بالهما، فربما نحتاج إلى أن نتعلم من جديد كيف نمنح مشاعرنا لغة، وكيف نحمي الكلمات من الابتذال، وكيف نعيد إلى العلاقات شيئًا من العمق الذي يجعلها جديرة بأن تُعاش، لا أن تُستهلك.
لم تعد المشكلة أن زمننا عاجز عن كتابة الغزل كما أبدع فيه عنترة والمتنبي، بل إن الكلمات الجميلة باتت تتكاثر على الألسنة والصفحات، بينما أصبحت المشاعر الصادقة التي تمنحها روحًا وعمقًا وخلودًا أندر من أن تُعثر عليها.
وحين نفقد القدرة على التعبير عن الحب، لا نفقد فنا أدبيًا فحسب، بل نخسر شيئًا من قدرتنا على الاعتراف بجمال الآخرين، وعلى تحويل مشاعرنا إلى معنى، وعلى منح الحياة ما يجعلها أكثر من مجرد أيام تتعاقب.
فالحضارة التي تتقدم في أدواتها لا ينبغي أن تتراجع في مشاعرها، والإنسان الذي أتقن سرعة الاتصال لا ينبغي أن ينسى فن الاقتراب من قلب إنسان آخر.
وربما كان الغزل، في نهاية المطاف، تذكيرًا بسيطًا بحقيقة كبرى: أن الإنسان لا يحتاج إلى من يراه فقط، بل إلى من يراه جميلًا، ولا يحتاج إلى من يسمع كلماته فحسب، بل إلى من يصغي إلى ما وراءها، ولا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا في حياة الآخرين، بل إلى أن يكون له فيها مكان لا تملؤه الكلمات الجاهزة ولا يعوضه الحضور العابر.
ذلك هو الغزل الذي يستحق أن يستعيد مكانته: ليس لأننا نريد أن نعيش في زمن عنترة والمتنبي، بل لأننا لا نريد أن نعيش في زمن ننسى فيه كيف نحب، وكيف نقول الحب، وكيف نجعل من الكلمات الجميلة حقيقة تستحق أن تُصدَّق.