محمد سليمان العنقري
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في التاسع من أكتوبر عقب اتصال مع الرئيس الروسي تعليق العقوبات على الديزل الروسي بترخيص يسري حتى السابع من أبريل 2027، وتبلغ الكميات المعلنة 300 ألف طن فورًا ثم ترتفع إلى 500 ألف في نوفمبر لتصل بعد ذلك إلى مليون طن شهرياً أي قرابة 250 ألف برميل يوميًا وهذا لا يتجاوز 4 % من تجارة الديزل البحرية التي تقارب 5.9 مليون برميل يوميًا حسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تجارة السلع والطاقة عالمياً
، وقد كانت روسيا تصدّر قرابة مليون برميل يوميًا قبل أن توقف صادراتها منذ يوليو الماضي بعد الضربات الأوكرانية على مصافيها.
وحقيقةً لا يوجد وصف معبر عن هذه الخطوة التي أعلنها الرئيس الأمريكي أفضل من «دبلوماسية الديزل» لأن السياسة تتداخل فيها مع احتياجات أسواق الطاقة نتيجة اضطرابات بالإمدادات عالمياً ، فالديزل عصب الاقتصاد الحقيقي إذ تعتمد عليه الشاحنات والمزارع والسفن والمصانع أي التأثير كبير ويطال عشرات الأنشطة الإقتصادية حيث يبلغ استهلاك العالم منه نحو 30 مليون برميل يوميًا اي حوالي 4 ملايين طن.
وبالنظر لأسباب هذه الخطوة فإن تسارع ارتفاع الأسعار عجل بها فقد بلغ سعر الديزل في المحطات الأمريكية مستوى قياسيًا عند 6.53 دولار للغالون ثم انخفض سعر الجملة بنحو 4.5 % عقب الإعلان عن قرار ترمب بتعليق العقوبات على صادرات الديزل من روسيا ومع ذلك لم تتحرك الأسعار العالمية بشكل لافت لأن الإعلان عن الإمدادات لا يعني القدرة على تسريع وصولها إلى الأسواق.
فأثر الديزل كان أحد أهم الأسباب في تغيير الفيدرالي الأمريكي لسياسته النقدية بالتشدد ورفع سعر الفائدة بربع نقطة الشهر الماضي لأن أثره كان رئيسياً برفع التضخم فهو يدخل في تكاليف العديد من القطاعات الإقتصادية فينعكس ارتفاعه على أسعار معظم السلع وأهمها الغذاء ولذلك فإن اضطراب إمداداته سيضاعف حتماً من الضغوط التضخمية.
فهل كانت خطوة ترمب بداية تنازل لروسيا عن تشديد العقوبات عليها بسبب حربها على اوكرانيا لتحقق بذلك موسكو مكسبا سياسيا أو أقرب إلى استجابة اضطرارية فرضتها حسابات الداخل الأمريكي مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونجرس والاثر الذي طال جيوب الناخبين مع ارتفاع تكاليف الطاقة والتي فاقمت تداعياتها الحرب علي إيران تزامناً مع التصعيد بحرب المصافي بين روسيا واوكرانيا ، ولكن من جانب آخر أثارت الخطوة التي اتخذها ترمب انتقادات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي حيث طالب 12 سيناتوراً بينهم ستة جمهوريين بإلغائها.
لكن بعد ذلك جاء قرار أوسع إذ وقّع ترمب يوم الجمعة أمرًا تنفيذيًا يعلق رسومًا بنسبة 500 % على الواردات الروسية ورسومًا بنسبة 100% على أكبر مشتري النفط والغاز الروسي ، وبرر القرار بأنه يحقق مصلحة وطنية مع بقاء بقية العقوبات القائمة دون إلغاء وهذا يؤكد أن الديزل ليس صفقة معزولة بل بداية مسار آخر لمعالجة ملفات سياسية بين الدولتين .
لكن السؤال: هل هذا القرار سيغير كثيراً في واقع امدادات السوق من الديزل ويخفض الاسعار ؟ فبالنظر لحجم الكميات التي ستصدرها روسيا يبدو ان أثرها سيبقى محدودًا ومؤقتًا على الأرجح لأن العقوبات الأوروبية والبريطانية على روسيا مستمرة وهو ما يعني ان الطلب مرتفع والامدادات ستكون أقل إضافة إلى أن المصافي الروسية المتضررة من ضربات أوكرانيا عليها تحتاج إلى وقت لاستعادة طاقتها.
لكن من المهم أيضاً التذكير بأنه ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها الطاقة والغذاء إلى أوراق تفاوض، ففي عام 2022 أتيح ضمن صفقة حبوب البحر الأسود تصدير الحبوب الأوكرانية مقابل تسهيلات لصادرات الغذاء والأسمدة الروسية ، وفي أكتوبر 2023 خففت واشنطن عقوبات النفط الفنزويلي ستة أشهر ثم أعادتها لعدم الوفاء بالتزامات انتخابية وعد بها رئيسها السابق.
الديزل الروسي قد لا يخفض الأسعار كثيرًا لكنه يكشف أن العقوبات تخضع بدورها لضغوط السوق والعرض والطلب وتحديات الإمدادات فالسياسة المتشددة يتم التراجع عن توجهاتها أحياناً عندما تصبح كلفة استمرارها أعلى من كلفة تغييرها.