أحمد آدم
رابعاً: شبح «البطة العرجاء».. لماذا يخشى ترامب الأغلبية الديمقراطية؟
إذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على الكونغرس (أو حتى انتزاع الأغلبية في مجلس النواب أو الشيوخ) في انتخابات 3 نوفمبر 2026 القادمة، فإن المشهد السياسي الأمريكي سيتحول فجأة من حالة «الجمود التشريعي» إلى حالة «الحرب المفتوحة» بين السلطة التنفيذية (البيت الأبيض) والسلطة التشريعية (الكونغرس).
الرئيس ترامب يدرك تماماً أن فوز الديمقراطيين لن يكون مجرد خسارة انتخابية عادية، بل سيكبل يديه بالكامل ويفتح أبواب الجحيم السياسي والقانوني عليه وعلى أفراد إدارته. بناءً على المعطيات والتحركات الاستباقية في واشنطن، تتلخص السيناريوهات وما سيقوم به الديمقراطيون في الأبعاد التالية:
1 - سلاح الاستدعاء والتحقيق في الملفات المالية والصفقات
بمجرد سيطرة الديمقراطيين على لجان مجلس النواب أو الشيوخ، سيمتلكون القوة القانونية لإصدار مذكرات استدعاء وثائق وشهادات رسمية. وأبرز الملفات الساخنة التي ستوضع تحت المجهر الفوري تشمل:
أ - الملفات المالية وتضارب المصالح: التحقيق في الصفقات التجارية لعائلة ترامب ومشاريع العملات الرقمية والمنصات المرتبطة بهم، إلى جانب التسوية المثيرة للجدل مع مصلحة الضرائب والوزارات المعنية.
ب - السياسات الخارجية والصفقات المشبوهة: فتح تحقيقات موسعة حول كواليس الصفقات الدولية الأخيرة (مثل تفاصيل صفقات الطاقة الخارجية، والتقارب أو الترتيبات المفاجئة مع بعض الأطراف الدولية).
2 - الشلل التشريعي وتعطيل التعيينات
سيقف الديمقراطيون حائط صد منيع أمام أي أجندة تشريعية جديدة لترامب في النصف الثاني من ولايته. في حال السيطرة على مجلس الشيوخ، سيتم تعطيل أي تعيينات قضائية كبرى أو مناصب وزارية حساسة، إضافة إلى القدرة على رفض ترشيحات المحكمة العليا أو الفدرالية، مما يفرغ سياسات الإدارة من قدرتها على التوسع.
3 - إشهار سلاح العزل والملاحقة القانونية.
رغم أن عزل الرئيس فعلياً يتطلب أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ (وهو أمر صعب تحقيقه حسابياً حتى مع الفوز الديمقراطي)، إلا أن الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب لن تتردد في إطلاق إجراءات المساءلة والعزل سياسياً ضد الرئيس أو بعض وزرائه الأساسيين (مثل وزير الدفاع أو غيره ممن تدور حولهم عواصف سياسية). الهدف هنا ليس بالضرورة الإطاحة الفورية بالرئيس، بل استنزاف إدارته سياسياً وإعلامياً وشل قدرته على الحركة استعداداً لانتخابات الرئاسة الكبرى في 2028.
4 - الانتقام السياسي والضغط القانوني المتبادل
سيعمل الديمقراطيون على إعادة إحياء الملفات القضائية والتنظيمية التي سعت الإدارة الحالية لإغلاقها أو تمييعها، مما يجعل السنوات المتبقية من ولاية ترامب عبارة عن معركة دفاعية مستمرة أمام المحاكم واللجان البرلمانية بدلاً من التركيز على إنجاز مشاريع كبرى.
لهذا السبب تحديداً، يبدو خوف ترامب ويأسه مبرراً؛ فالرجل يعلم أن الهزيمة في التجديد النصفي تعني تحويل البيت الأبيض إلى «بطة عرجاء» محاصرة بالتحقيقات اليومية، وربما تمهيد الطريق أمام الديمقراطيين للسيطرة المطلقة على المشهد حتى معركة الرئاسة القادمة.
خامساً: الديمقراطيون وإستراتيجية الأمن القومي.. إعادة هندسة «مبدأ مونرو»
الإستراتيجية الوطنية للأمن القومي الأمريكي الصادرة في ديسمبر الماضي أعلنت صراحة إعادة إحياء وتحديث ما يُعرف بـ»مبدأ مونرو» مؤكدة نقل ثقل التركيز الأمريكي إلى نصف الكرة الغربي (الأمريكتين) وتأمين الجوار المباشر لمواجهة التمدد الصيني والحد من النفوذ الخارجي وهجرات الكارتيلات.
ولن يقوم الديمقراطيون بتطبيق هذه الإستراتيجية كحزمة واحدة أو بنفس فلسفتها الأيديولوجية، لكنهم سيمتلكون تقاطعاً برجماتياً كبيراً مع بعض محاورها الرئيسية. تفسير ذلك ينقسم إلى ثلاثة أبعاد أساسية:
1 - نقاط التلاقي البرجماتي (الأمن الاقتصادي ومواجهة النفوذ الصيني)
تعديلات الشارع الأمريكي وأولويات الناخب تجبر كلا الحزبين على التقارب في ملفات محددة:
أ - الأمن القومي الاقتصادي وسلاسل الإمداد: يتفق الديمقراطيون تماماً مع فكرة أن الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد الآسيوية (وبالأخص الصينية) خطأ استراتيجي. الديمقراطيون يشجعون ما يُعرف بـ»إعادة التوطين المباشر أو القريب»، أي نقل المصانع الحيوية إلى أمريكا اللاتينية وكندا والمكسيك، وهو ما يلتقي مع توجه الإستراتيجية بضرورة هيمنة واشنطن الاقتصادية على نصف الكرة الغربي.
ب - مواجهة التمدد الصيني في أمريكا اللاتينية: الصعود الصيني في الموانئ والمعادن الحيوية (كالليثيوم) في أمريكا الجنوبية يثير قلق المؤسسة الأمنية العميقة في واشنطن بصرف النظر عن الحزب الحاكم، ولن يسمح الديمقراطيون للصين بملء الفراغ هناك.
2 - مفاصل الخلاف الجذري (رفض الانعزالية وإعادة الدبلوماسية الناعمة)
في حال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس وممارسة ضغط تشريعي، سيعيدون تشكيل هذه الإستراتيجية وفق معايير مختلفة:
أ - رفض منطق «النزعة الانعزالية أحادية الطرف»: تضمن وثيقة ديسمبر نبرة تشكيك بالمؤسسات الدولية والتحالفات التقليدية (كالناتو والتكتلات المتعددة الأطراف). الديمقراطيون يرفضون انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط أو أوروبا بشكل مفاجئ، ويرون أن «ترك الشرق أوسط والشرق الأقصى» سيمنح الصين وروسيا نصراً مجانياً للهيمنة على ممرات الطاقة العالمية والتجارة البحرية.
ب - الأسلوب والأدوات: إستراتيجية ترامب تعتمد على خيارات خشنة، والتحرك المهادي للحدود وسلاسل الإمداد. أما الديمقراطيون فسيصرون على إعادة أدوات «الدبلوماسية الناعمة»، والمساعدات التنموية لأمر يكا اللاتينية لمعالجة جذور الهجرة بدلاً من الاكتفاء بالردع العسكري أو الحصار.
3 - المعضلة الجيوسياسية وهامش التخلي عن الشرق الأوسط
الصراع الحالي حول مضيق هرمز وممرات الطاقة العالمية والتنافس المتصاعد في الهند والبحر الأحمر يثبت عملياً للجميع في واشنطن أن «الانكفاء التام على الغرب» هو مجرد أمنية نظرية؛ فأي اضطراب في أسعار النفط بالشرق الأوسط يضرب الاقتصاد الأمريكي في الداخل فورا ويرفع التضخم، وهو ما يدمر أهداف الأمن القومي.
الديمقراطيون لن ينبذوا وثيقة ديسمبر بالكامل، بل سيقومون بـ«تعديل وتطعيم» هذه الإستراتيجية؛ سينقلون جزءاً كبيراً من الاستثمارات والاهتمام الأمني إلى نصف الكرة الغربي لحماية النفوذ الأمريكي في القارة، لكنهم يرفضون مبدأ «ترك الشرق» أو التخلي عن التحالفات التقليدية في أوروبا والشرق الأوسط، لإيمانهم بأن هيمنة أمريكا عالمياً لا تكتمل بالاكتفاء بحماية حديقتها الخلفية فقط.
سادساً: زلزال الكابيتول هيل.. كيف سيعيد الديمقراطيون رسم خريطة الشرق الأوسط؟
إن احتمال فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونغرس (سواء في مجلس النواب أو الشيوخ) لن يغير خريطة واشنطن الداخلية فحسب، بل سينعكس بوضوح على منطقة الشرق الأوسط.
في النظام السياسي الأمريكي، يمتلك الرئيس صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، لكن الكونغرس يمتلك «سلاح التمويل والرقابة والتشريع». وبالتالي، سيتغير السلوك الأمريكي في الشرق الأوسط وفق محورين أساسيين:
1 - كبح التصعيد وإعادة فتح مسارات التفاوض بشأن هرمز وإيران
أ - تقييد خيار الحرب المفتوحة: ينظر الديمقراطيون بكثير من القلق إلى المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية الناجمة عن المواجهة مع إيران وتأثيرها على أسعار النفط وسلاسل الإمداد. سيستخدم الكونغرس القادم سلطته لمنع أي تمويل إضافي لعمليات عسكرية موسعة، ويدفع باتجاه الدبلوماسية لفتح الشحن في مضيق هرمز وتجنب مواجهة شاملة.
ب - فتح التحقيقات في صفقات الطاقة: سيمتلك الديمقراطيون سلطة استدعاء المسئولين واستجوابهم بشأن كواليس الصفقات النفطية والترتيبات الإقليمية الأخيرة، مما يجعل هامش مناورة ترامب في عقد صفقات منفردة أو غير معلنة محصوراً بدرجة كبيرة.
2 - إعادة مشروطية المساعدات والتسليح والضغط في حرب غزة
أ - التدقيق في ملف مبيعات السلاح: عادة ما يميل الديمقراطيون إلى إخضاع صفقات التسليح الموجهة لشركاء واشنطن في الشرق الأوسط لرعاية مشروطة بمعايير حقوق الإنسان والضوابط التشريعية الصارمة. سيحاول الكونغرس استخدام «حق الرفض» لتجميد أو إبطاء بعض صفقات السلاح الكبرى التي تسعى إدارة ترامب لتمريرها.
ب - الضغط في ملف حرب غزة والأراضي الفلسطينية: سيزيد الديمقراطيون من ضغوطهم على إدارة ترامب وعلى الحكومة الإسرائيلية لفرض ممرات إنسانية دائمة، والحد من العمليات العسكرية الموسعة، وربط جزء من المساعدات العسكرية بتقديم خطة واضحة وملموسة لـ«يوم ما بعد الحرب»، وهو ما سيخلق تباينًا بين البيت الأبيض والكونغرس حول كيفية التعامل مع إسرائيل.
3 - مناورات ترامب بالمرسوم الرئاسي وتردد القوى الإقليمية
أ - اللجوء للمراسيم الرئاسية: عندما يشعر ترامب بالتضييق التشريعي من الكونغرس، فقد يلجأ إلى استخدام صلاحياته المباشرة كقائد أعلى للقوات المسلحة لإبرام تفاهمات سريعة أو شن ضربات خاطفة ومحدودة دون الرجوع للمشرعين، بهدف تحسين موقفه التفاوضي.
ب - حالة من التردد لدى القوى الإقليمية: ستنظر عواصم الشرق الأوسط إلى واشنطن بصفتها «إدارة منقسمة»؛ حيث يقطع البيت الأبيض وعوداً وتعهدات بينما يمتلك الكونغرس قدرة تعطيل تمويلها أو إلغائها لاحقاً. هذا الوضع سيجعل القوى الإقليمية تتجه أكثر نحو تنويع خياراتها والدخول في مسارات مهدئة ومباشرة في المنطقة بعيداً عن تقلبات الداخل الأمريكي.
فوز الديمقراطيين سيعني انتقال المنطقة من مرحلة «القرارات الأمريكية الجريئة والمفاجئة» إلى مرحلة «الارتباك والتكبح السياسي»، حيث تصبح واشنطن أقل قدرة على فرض صفقات إقليمية كبرى، وأكثر انشغالاً بصراعاتها الداخلية.
بين صندوق الاقتراع وحافة الهاوية
في ختام هذه الأيام المتبقية الفاصلة، يتبين أن انتخابات 3 نوفمبر 2026 لم تعد مجرد سباق تشريعي على مقاعد الكابيتول هيل، بل تحولت إلى صدمة ارتدادية تعيد رسم موازين القوة داخل البيت الأبيض وخارجه. إن الوقائع الميدانية والضغط الاقتصادي أثبتا أن حدود القوة الأمريكية مهما بلغت سطوة صانع الصفقات أو تمويل عمالقة التكنولوجيا- تظل محصورة بين ألم المواطن في الداخل وتعقيدات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.
وسواء اختار ترامب ضربة اللحظة الأخيرة لكسر الحصار، أو اضطر للانكفاء أمام الموجة الزرقاء المرتقبة، فإن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: واشنطن أكثر انشغالاً بذ اتها، وإقليمٌ يُعيد ترتيب أوراق قوته بذاته بعيداً عن أوهام الحماية المطلقة.