د. طلال الحربي
برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ينطلق الأحد القادم في مركز الملك فيصل للمؤتمرات بالرياض المؤتمر الدولي السابع للإعاقة والتأهيل، في محطة علمية جديدة تضاف إلى مسيرة طويلة من الدعم الذي أولته المملكة لقضايا ذوي الإعاقة، انتقلت خلالها من مراحل التعليم والرعاية والتأهيل إلى آفاق الحقوق والتمكين والاستقلالية والمشاركة الكاملة. وهو انتقال لا يُقاس بتعاقب الأنظمة وحدها، بل بتحول الرؤية ذاتها، من نظرة ترى في الإعاقة عبئاً يستوجب الإحسان إلى نظرة ترى فيها تنوعاً إنسانياً يستوجب العدل والإتاحة.
ويجمع المؤتمر، الذي ينظمه مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة ويستمر ثلاثة أيام، نخبة من المسؤولين والعلماء والباحثين وصناع القرار من داخل المملكة وخارجها، ضمن برنامج علمي يتوزع على خمسة مجالات رئيسة هي الصحة، والتعليم والتربية والمجتمع، والتأهيل، والتقنية، والتشريعات والتنسيق. وتتصدر محاور البرنامج قضايا تمس مستقبل الخدمات في صميمها، كالملف الوطني الموحد المبني على السجل الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة، والطب الدقيق والتشخيص الجيني، والتعليم الشامل والدعم النفسي، والتقنيات المساعدة والروبوتات، والوصول الشامل والدمج المجتمعي، والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن التشريعات والحوكمة واستشراف التحولات العلمية والتقنية المقبلة. وتتناول جلساته الرئيسة تكامل بيانات الأشخاص ذوي الإعاقة مع الخدمات المقدمة لهم، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي والإعاقة، ونماذج الاستدامة المالية للجهات غير الربحية العاملة في هذا الميدان، وهي موضوعات تكشف أن النقاش لم يعد محصوراً في سؤال الخدمة، بل اتسع ليشمل سؤال الحوكمة والأخلاق والاستدامة.
ويشهد المؤتمر تكريم الفائزين في الدورة الرابعة من جائزة الملك سلمان العالمية لأبحاث الإعاقة، وهي الأكبر عالمياً في بابها، وقد شارك في دورتها الحالية باحثون وعلماء ومؤسسات من مئة وإحدى عشرة دولة، في فروع العلوم التأهيلية والاجتماعية والتطبيقات التقنية والعلوم الصحية والطبية والعلوم النفسية والتربوية والوصول الشامل. ويصاحبه هاكاثون الذكاء الاصطناعي للأشخاص ذوي الإعاقة الذي يستقطب المبتكرين والمتخصصين لتطوير حلول تقنية عبر أربعة مسارات تشمل الحياة اليومية والتقنيات المساعدة، والصحة والتأهيل، والتعليم والوصول إلى المعرفة، وخدمات الحج والعمرة، بجوائز تبلغ مئتين وعشرين ألف ريال، في دلالة واضحة على أن الابتكار بات شريكاً أصيلاً للمعرفة في خدمة هذه الفئة.
وإذا كان لكل مسيرة ناجحة رجالها، فإن الحديث عن مسيرة الإعاقة في المملكة لا يستقيم دون التوقف عند الدور الريادي للملك سلمان حفظه الله ولسمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي حمل هذا الملف منذ عقود بوعي العالم وحماسة الرائد وصبر المؤسس. فقد أدرك مبكراً أن قضية الإعاقة قضية علمية ومعرفية قبل أن تكون قضية خدمية، ودعم إنشاء مراكز الأبحاث المتخصصة، وفي مقدمتها مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة الذي صار مرجعاً إقليمياً ودولياً في هذا المجال. وهو الذي آمن بأن السياسات الرشيدة لا تُبنى على العاطفة وحدها، بل على البيانات والدراسات والشراكات العلمية، وأن الإنسان ذا الإعاقة لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى من يهيئ له البيئة التي يتحدث فيها بنفسه. ولعل في الإرث الذي بناه سموه عبر سنوات طويلة، ومن موقعه رائداً للفضاء وداعماً للتراث والسياحة والعمل الإنساني، ما يؤكد أن الاهتمام بالإنسان كان على الدوام جوهر رؤيته ومحور مشروعه.
وتعيد النسخة السابعة إلى الواجهة قصة عمرها ثلاثة أرباع قرن، اتسعت خلالها الجهود حتى أصبحت حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة جزءاً من أنظمة المملكة وتعليمها وعملها ومرافقها العامة وبرامجها التنموية. فقد استضافت الرياض المؤتمر الدولي الأول للإعاقة والتأهيل برعاية الملك فهد رحمه الله، بمشاركة مختصين وخبراء من دول مختلفة، وكان من أبرز ما خرجت به تلك الحركة العلمية والمجتمعية الدعوة إلى وضع نظام وطني يحفظ حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وينظم الخدمات المقدمة لهم، وهي فكرة ستجد طريقها لاحقاً إلى التشريع. وجاء عام ألفين بمحطة فاصلة تمثلت في صدور نظام رعاية المعوقين، الذي وضع للمرة الأولى إطاراً نظامياً شاملاً يتناول التعليم والصحة والتأهيل والعمل والتسهيلات، بما يعكس اتساع القضية من خدمات متفرقة إلى ملف وطني يرتبط بالتشريع والعلم والمشاركة المجتمعية. وفي العام نفسه انعقد في الرياض المؤتمر الدولي الثاني، وتواصلت مسيرة المؤتمر عبر دوراته المتعاقبة في أعوام ألفين وتسعة وألفين وأربعة عشر وألفين وثمانية عشر وألفين واثنين وعشرين، وصولاً إلى نسخته السابعة، رابطةً بين قرابة خمسة وثلاثين عاماً من اللقاءات العلمية والتطورات التي شهدتها المملكة في هذا المجال.
ومع عهد الملك سلمان ورؤية السعودية 2030 التي يقودها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تسارع الانتقال إلى مفهوم التمكين والاستقلالية والمشاركة. ففي عام 2018 أُنشئت هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة لتكون مرجعاً حكومياً جامعاً للحقوق والسياسات وتطوير الخدمات والتنسيق بين القطاعات، وفي عام 2019 وجّه الملك سلمان الجهات الحكومية باعتماد مصطلح الأشخاص ذوي الإعاقة في المخاطبات الرسمية والتصريحات الإعلامية، وهو توجيه يتجاوز في دلالته حدود اللغة. ثم جاءت المحطة التشريعية الأبرز عام 2023 بصدور نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وبين اسم النظام تُقرأ مسيرة عقود كاملة، فالرعاية بقيت مسؤولية لكنها أصبحت جزءاً من إطار أوسع عنوانه الحق. وقد أكد النظام عدم التمييز وتكافؤ الفرص وإمكانية الوصول والتعليم والصحة والعمل والحماية والمشاركة، ثم جاءت لائحته التنفيذية عام 2024 لتضع تفاصيل تطبيق هذه الحقوق، وتتبنى مفاهيم حديثة كالتصميم الشامل والترتيبات التيسيرية والوصول الدامج.
وتأتي النسخة السابعة لتضيف محطة جديدة إلى هذه المسيرة، وتعكس ما بلغته قضايا الإعاقة من اتساع وتطور، فقد تغيرت الاحتياجات والأدوات والمصطلحات، واتسعت معها الفرص وتقلصت الحواجز، ليصبح تمكين الشخص ذي الإعاقة من التعلم والعمل والاستقلال والمشاركة الكاملة حقاً أصيلاً لا منحة ولا مِنّة. وإن كان للمؤتمرات من قيمة تتجاوز توصياتها، فهي أنها تذكّرنا بأن الأوطان تُقاس بمقدار ما تتسع له من أبنائها، وأن الحضارة الحقة هي التي لا تسأل الإنسان عن قدرته على التكيف مع البيئة، بل تسأل البيئة عن قدرتها على احتضان الإنسان. وهكذا يصبح الشخص ذو الإعاقة شريكاً كاملاً في مسيرة وطن لا يكتمل بناؤه إلا بجميع أبنائه.