د. عيسى محمد العميري
حين يتعلق الأمر بحماية المال العام، فإن المسؤولية لا تتوقف عند حدود اكتشاف المخالفة أو تسجيل القضية، وإنما تمتد إلى متابعة مسارها، ورصد الإجراءات المتخذة بشأنها، ومعرفة ما تم استرداده من أموال وما لا يزال قيد المتابعة.
ومن هذا المنطلق، تواصل وزارة العدل الكويتية في دولة الكويت جهودها لتعزيز منظومة التعامل مع قضايا الاعتداء على المال العام، في خطوة تؤكد أن المحافظة على مقدرات الدولة تمثل أولوية راسخة في العمل الحكومي. وتأتي التحركات الأخيرة للوزارة لتؤكد أهمية العمل المؤسسي المنظم في هذا الملف، حيث أجرت حصراً شاملاً لقضايا الاعتداء على المال العام المسجلة لدى مختلف الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، تمهيداً لإعداد تقرير متكامل ورفعه إلى مجلس الوزراء خلال شهر أكتوبر الجاري.
ولا يقتصر هذا الحصر على تسجيل أعداد القضايا فحسب، وإنما يتناول مجموعة واسعة من التفاصيل التي تساعد على تكوين صورة دقيقة ومتكاملة عن أوضاعها. فالتقرير يتضمن عدد القضايا لدى كل جهة حكومية على حدة، وقيمة الأموال المعتدى عليها، وما تم تحصيله منها، وما لم يتم تحصيله، إضافة إلى القضايا التي ما زالت منظورة خارج البلاد والإجراءات التي تم اتخاذها بشأنها. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لكونها تأتي تنفيذاً لقرارات مجلس الوزراء التي تنص على تقديم تقرير دوري عن قضايا الاعتداء على المال العام خلال الأسبوع الأول من شهري أكتوبر وأبريل من كل عام.
ويعكس ذلك وجود اهتمام مستمر بمتابعة هذا الملف، وإبقائه ضمن دائرة الرقابة والمتابعة الحكومية بصورة دورية ومنظمة. وفي سبيل الوصول إلى بيانات دقيقة ومحدثة، بادرت وزارة العدل بمخاطبة مختلف الجهات الحكومية، مطالبة بتزويدها بجميع المعلومات والبيانات المتعلقة بقضايا الاعتداء على المال العام لديها ولدى الهيئات والمؤسسات التابعة لها. كما شملت الطلبات بيان ما إذا كانت قد قدمت تظلمات من قرارات الحفظ، وما أسفرت عنه تلك التظلمات، أو توضيح أسباب عدم التظلم في حال عدم تقديمه.
وامتدت عملية المتابعة لتشمل القضايا المنظورة خارج دولة الكويت، مع ضرورة توضيح الإجراءات التي اتخذت بشأنها، بما يعكس حرص الوزارة على عدم اقتصار المتابعة على القضايا المحلية، وإنما التعامل مع الملف وفق رؤية شاملة تستوعب مختلف الحالات والظروف القانونية المرتبطة بها.
ومن الجوانب المهمة في هذه الإجراءات تأكيد الوزارة ضرورة أن تكون البيانات المقدمة مدعومة بإجراءات المتابعة وما انتهت إليه الإجراءات في كل قضية، الأمر الذي يوفر قاعدة معلومات أكثر دقة، ويساعد الجهات المختصة على معرفة مراحل كل ملف والنتائج التي تم التوصل إليها. كما وضعت الوزارة ضوابط واضحة لضمان دقة الحصر، إذ طلبت عدم إدراج القضايا التي صدر فيها حكم نهائي، إلى جانب استبعاد القضايا المدنية والإدارية والتجارية، بحيث تقتصر عملية الحصر على القضايا التي تدخل ضمن نطاق طلب البيانات والضوابط المحددة. إن ما تقوم به وزارة العدل في هذا المجال يمثل نموذجاً للعمل الحكومي القائم على المتابعة والانضباط وتحمل المسؤولية، ويعكس إدراكاً لأهمية المال العام باعتباره ملكاً للمجتمع وحقاً للأجيال الحاضرة والقادمة.
وفي هذا السياق، فإن الشكر والتقدير مستحقان للمسؤولين في وزارة العدل ولجميع العاملين فيها على الجهود التي يبذلونها في سبيل حماية المال العام، وتعزيز إجراءات المتابعة، والتنسيق مع الجهات الحكومية، وإعداد البيانات والتقارير التي تساعد على دعم القرار وتحقيق مزيد من الانضباط المؤسسي. وتبقى حماية المال العام مسؤولية وطنية كبرى، وما تبذله وزارة العدل من جهود متواصلة في هذا الاتجاه يؤكد أن دولة الكويت ماضية في تعزيز مؤسساتها، وتطوير أدوات الرقابة والمتابعة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون حقوق المجتمع ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
** **
- كاتب كويتي