محمد نديم أنجم بيديا
إن الإنسان إلى المال يسعى خبطَ عشواء حِسبانا أن به استخلاصَه للخِلاص والترويحَ عن النفس مما ينهكها ويضنيها واغتنائه واستغنائه عما يفلسه واقتناء السعادة وتسديد الحوائج فيسابق في حلبات الحياة سباقَ الفئران ويسارع إلى غايته مسارعة الفرسان ويختلب فرائسه اختلابَ الذؤبان. وإن الكثرة الساحقة من الناس لمن لا يقر لهم قرار في حياتهم حيث تورطوا في حبائل الدوامة التي تعذّر منها الخلاص وانتفى فيها المناص في حين صارت حياتهم شُدّت بأمتن الحبال من الإجهاد في العمل طيلةَ الروحات والغدوات.
مما يحملنا على الكدح الدؤوب بلا هوادة تقلقلُ النفس وتزعزعُها عند دنو ضياع المال، غير أن الجشع في غلَيانه وفوَرانه يسوق الهوى والنفس الأمارة بالسوء إلى تحصيل ما يروقنا ويشوقنا من زوائد اللوازم ونوافل الحوائج فورَ أن نبلغ مبلغا من المال. ولكن الغبطة التي تجنيها الأموال هي قصيرة الآجال في أغلب الأحيان، مما يحدو بالناس إلى تحصيل ما يفيض عنها لترويح أرواحهم المهتاجة مما تتأرجح به وتتزعزع من الجزع على خسرانها والفزع من انفلاتها.
إن ما يجرّ على الناس وبالا من المال ومكابدة مشاقه هو فيما استُرضعوه منذ نعومة أظفارهم من رسالة كدح الأبدان وكدها سعيا وراء الدنانير والدراهم بدلا من تدريبهم على كيفية تصييرها رهينة إشارتهم وطوع بنانهم. وبذا تنقضي أعمارهم خلف شراهة دائمة النزوع إلى المرتبات وفتات العلاوات وهم يقبعون في سجن أوهامهم بأن بها الأمانَ الوظيفي والاطمئنانَ الداخلي، فهم بذاك سُخّروا وسُيّروا لحمل الأثقال لمولاهم مقابل حصة من الأقوات أو سهم من النقود فينتهي ذاك المسير ببلوغ السائق مُناه ويتجدد بتخبط المسوق في ورطات من عين العقبات.
فكيف السبيل إلى اقتحام هذا الذي يتجافى عنه السواد الأعظم من الناس وأنّى لهم أن يزمّوا هواهم بزمام التبصر والتنبه وكيف لهم النهوض من حضيض الانقياد العاطفي إلى ذروة تسخير سلطان العقل وأيّان لهم استشفاف أغوار المعاني البعيدة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن هذا المال خَضِرَةٌ حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه» حتى يقفوا على أن الغنى ليس ثمرة وفرة المال ولا فيما تملكه اليد بل هو فيما تستغني عنه النفوس وتسمُح به الصدور.
وإن غيضا من فيض هذه التساؤلات ما أجدرَنا أن نغوص في لجج معانيه قبل التمادي في عيش تسوقه الأطماع، ولا تصاب هذه المعاني ولا تحاط تلك المغازي إلا متى صادفنا من الحزم ثرى طيّبا ومن التدبر مطرا صيّبا ومن الطبع جوا صافيا ومن الصبر سُقيا نافعا. فما ثروات الدنيا إلا متعة مموّهة مزخرفة وإن لم يمط الإنسان غشاء الجشع عن طرفه ليجتلي السرابَ الكنين والوهمَ الدفين وراءها، افتَتَن ببريقها وتعرّض لبهرجها، فيسوق حياته إلى حيث لا يأمن فيها حصائد الغوائل ولا يقهر من الكللِ الطوائلَ.