د. خالد بن سالم الحربي
بين السماء والأرض، وعلى ارتفاعات شاهقة، تحلق تلك الطائرة وعلى متنها مئات الأرواح من البشر، آمنين مطمئنين بأنهم سيصلون إلى وجهتهم. جعلوا ثقتهم بالله ثم في قائد الطائرة، الذي جعل مصدره الوحيد لقراءات هذه المركبة العملاقة أجهزةً حساسةً تقيس كل متغير بدقة. هذه الدقة في بيانات الطائرة كانت أساس نجاح هذه الرحلة ووصولها إلى بر الأمان.
وبين جدران المؤسسة، وعلى ارتفاعات التحديات، يحلق فريق العمل في رحلته نحو تحقيق الأهداف، حاملاً طموحات الإنجاز وآمال النجاح. جعل ثقته بالله ثم في قائده، الذي جعل مصدره الوحيد لتقييم الأداء وتوجيه المسار معايير دقيقة تقيس كل متغير بموضوعية وإنصاف. هذه الدقة في البيانات والمعلومات كانت أساس نجاح المسيرة وأساس ثقة الفريق في قائده.
هذه الثقة قد تتحطم على صخرة التسرع، فكما أن ثقة الركاب في قائد الطائرة مرهونة بدقّة أدواته وصدق قراءاته، فإن ثقة فريق العمل في قائده مرهونة بموضوعية تقييماته وعدالة قراراته. وعندما يتحول القائد من قائدٍ يقود برؤيةٍ إلى «أُذُنٍ» تلتقط كل ما يُقال دون تمحيص، فإن الطائرة المؤسسية تدخل في منطقة اضطراب خطيرة. عندما يُهمل القائد أدوات القياس الموضوعية، ويبدأ في الاعتماد على الإشاعات وعلى قيل وقال، تتحطم شاشات الثقة في قمرة القيادة، ويشعر الموظفون أن طائرتهم تُقاد بناءً على تقارير مغلوطة، فتهتز ثقتهم في قائدهم، وتتحول بيئة العمل من فريق متجانس إلى ساحة للشك والصراعات، ويتحول الجميع من التركيز على الإنتاجية إلى التركيز على حماية أنفسهم.
عندما تؤدي تلك الإشاعات المغلوطة إلى تهميش الكفاءات أو معاقبة المتميزين بغير حق، عندها لا تُهَدَّد الرحلة فحسب، بل يُهدر أقوى محركاتها. فاستبعاد كفاءة بسبب نَقل غير موثوق يشبه إيقاف محرك من محركات الطائرة بسبب مؤشر خاطئ. القائد الحكيم يتبنى منهجية قائمة على التبين، مستلهماً الحكمة من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}. فالثقة لا تعني الغفلة، والقيادة لا تعني تجاوز الحقائق. فكما أن طائرة لا تقلع قبل التأكد وفحص أدق أجهزتها، فإن قراراً لا يُتخذ قبل التحقق والتأكد من أدق تفاصيله. عندما يُحَوِّل القائدُ كل ادعاء إلى قناة رسمية للتحقيق، ويستمع إلى جميع الأطراف مباشرة، ويتمسك بالوثائق والأدلة الملموسة كدليل الملاحة في رحلة القيادة، عندها فقط تتحول الثقة من مجرد أمنية إلى واقع ملموس، وتستمر الطائرة في تحليقها آمنة مطمئنة، يقودها ثقة الفريق في قائدٍ لا يطير بخرائط مغلوطة، ولا يقود بمؤشرات معيبة.