عمرو أبوالعطا
في كل مرة تتعرض فيها المملكة العربية السعودية لتهديد أمني، يتجدد في الوعي العربي معنى الدولة التي تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية أمن الجزيرة العربية واستقرارها. فالمملكة، بما تمثله من مكانة دينية وسياسية واقتصادية، وباحتضانها الحرمين الشريفين، تشغل موقعًا محوريًا في معادلات المنطقة، وترتبط باستقرارها مصالح ملايين البشر داخل العالمين العربي والإسلامي وخارجهما. ومن هذا المنطلق تكتسب الهجمات الأخيرة المنسوبة إلى جماعة الحوثيين، التي استهدفت مناطق ومنشآت سعودية، أهمية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتضع أمن المدنيين واستقرار المنطقة وقدرة دولها على مواصلة التنمية أمام اختبار جديد.
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا في المواجهة، مع إعلان قوات التحالف اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة أُطلقت من اليمن باتجاه مناطق سعودية، من بينها الرياض وخميس مشيط. وتحدثت البيانات السعودية الرسمية عن استهداف مطاري الملك خالد الدولي في العاصمة ومطار أبها. وفي الثامن من أكتوبر 2026، أعلن المتحدث باسم التحالف اعتراض صاروخين باليستيين كانا متجهين إلى الرياض وصاروخ ثالث باتجاه خميس مشيط، كما تناولت تقارير لاحقة هجمات طالت المطارين، وما ارتبط بها من قتلى وجرحى واضطرابات في حركة الطيران. ووفقًا للأرقام الرسمية، أسفر هجوم العاشر من أكتوبر عن مقتل 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، فيما أوقع هجوم في اليوم التالي قتيلًا و11 مصابًا.
وتتجلى خطورة التصعيد في ارتباطه بمنشآت مدنية يستخدمها المسافرون والعائلات، وفي ما يترتب عليه من تهديد لحياة الناس وحرية التنقل واستمرار الأنشطة الاقتصادية. فالمطارات مرافق حيوية لحركة الأفراد والتجارة، والمدن المأهولة أماكن للحياة والعمل، واستهدافها يوسع دائرة الخطر لتشمل أشخاصًا لا علاقة لهم بالصراع. وقد أدانت دول عربية، بينها قطر ومصر وعُمان، الهجمات على المطارات السعودية، مؤكدة رفض المساس بسيادة المملكة وتعريض المدنيين للخطر.
ويستحق الموقف السعودي في مواجهة هذه التطورات قراءة تتجاوز رد الفعل المباشر. فحماية الوطن تقتضي الجمع بين الجاهزية الأمنية وحسن تقدير الموقف، وبين القدرة على الردع وتجنب الانزلاق إلى قرارات تحكمها الانفعالات. والدولة التي تدرك حجم مسؤولياتها تعرف أن حماية مواطنيها ومنشآتها تتطلب منظومة متكاملة تشمل الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، والتنسيق مع الشركاء، واستمرار عمل المؤسسات، مع الاحتفاظ بالمسار السياسي باعتباره وسيلة ضرورية لإنهاء النزاعات. ومن هذه الزاوية، فإن التحرك السعودي لحماية الأمن الوطني يستند إلى حق مشروع في الدفاع عن المملكة، وتزداد فاعليته حين يرتبط برؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وقد أثبت الاستثمار في منظومات الدفاع الجوي أهميته في الحد من أخطار الصواريخ والطائرات المسيّرة. فاعتراض المقذوفات قبل بلوغ أهدافها يسهم في حماية الأرواح وتقليل الخسائر، غير أن نجاح الدفاعات في مواجهة الهجمات لا يغني عن معالجة مصادر التهديد، ولهذا تتعدد مسارات التحرك السعودي بين حماية الحدود والمدن، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، وتعزيز العلاقات مع الأطراف الإقليمية والدولية، والعمل من أجل تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد لليمن فرص الاستقرار واستعادة مؤسساته.
ولا يتوقف أثر التصعيد عند حدود السعودية واليمن، إذ ترتبط المنطقة بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية، يأتي البحر الأحمر ومضيق باب المندب في مقدمتها، فهما من الممرات المهمة للتجارة العالمية، وأي تهديد للملاحة فيهما قد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في سلاسل الإمداد وحركة الطاقة والبضائع. وقد حذر المبعوث الأممي إلى اليمن من مخاطر اتساع الأعمال العدائية، وأدان الهجمات الحوثية الإرهابية التي طالت منشآت الطاقة والبنية التحتية السعودية ومطاري أبها والرياض، كما نبهت الأمم المتحدة إلى أن تهديد الملاحة يضر بحرية الحركة ومصالح دول عديدة، ويزيد هشاشة الاقتصاد العالمي في وقت تحتاج فيه الأسواق إلى قدر أكبر من الاستقرار.
ومن الضروري التمييز بين الشعب اليمني الشقيق والجماعة الحوثية المسلحة الإرهابية. فاليمنيون هم أكثر المتضررين من سنوات الحرب، وهم أصحاب المصلحة الأولى في إنهائها، وقد حذر المبعوث الأممي من عودة اليمن إلى دائرة الحرب الواسعة، مشيرًا إلى ما يتحمله المدنيون، ولا سيما النساء والأطفال، من أعباء العنف. وتحدثت تقارير أممية عن نزوح أكثر من 200 ألف شخص منذ أغسطس، في ظل أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.
وترتبط السعودية باليمن بعلاقات الجوار والتاريخ والروابط الاجتماعية، كما ارتبط اسمها على مدى سنوات بجهود الإغاثة والدعم الإنساني والتنموي، ومن ثم، فإن الدفاع عن أمن المملكة لا يتعارض مع مساندة اليمنيين ممن هم خارج سلطة الحوثيين، بل إن وقف الهجمات وتأمين الحدود وتهيئة الظروف للحوار بين اليمنيين يمكن أن يفتح المجال أمام توسيع المساعدات، ودعم التعافي الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات.
ومن حق المملكة أن تطالب المجتمع الدولي بموقف واضح يتجاوز بيانات الإدانة، فالتعامل الجاد مع الاعتداءات الحوثية يقتضي العمل على منع تهريب السلاح، وتعزيز حماية الملاحة الدولية، ودعم جهود التسوية، ومحاسبة الحوثيين عن استهداف المدنيين وفق القواعد القانونية ذات الصلة. إن ترك الهجمات الحوثية تمر من دون استجابة فعالة يشجع هذه الميليشيات الإرهابية المسلحة على استخدام العنف وسيلة لفرض مطالبها، ويضعف الثقة بالقواعد التي تحكم العلاقات بين الدول، أما الموقف الدولي المسؤول، فيؤكد أن سيادة الدول وسلامة شعوبها مبدآن أساسيان لا يجوز إخضاعهما لحسابات المصالح المؤقتة.
وفي المقابل، تحتاج المنطقة إلى مقاربة تجمع بين الردع والتسوية، فالإجراءات الأمنية ضرورية لحماية المدن والمنشآت، لكنها وحدها لا تعالج جذور الصراع. كما أن المفاوضات لن تحقق نتائج مستدامة ما لم تستند إلى ضمانات واضحة تمنع استئناف الهجمات وتحفظ مؤسسات الدولة اليمنية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دعم الحكومة اليمنية الشرعية، وتشجيع الأطراف على الدخول في مفاوضات جادة، وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين. وتملك الرياض بحكم موقعها وعلاقاتها الإقليمية قدرة على الإسهام في هذا المسار، شريطة أن يقترن الحوار بجدية حقيقية في احترام أمن المملكة وسيادة اليمن.
وتؤكد التجربة السعودية في إدارة الأزمات أن أمن المملكة يرتبط باستقرار محيطها الإقليمي. فحماية الحدود والمرافق الحيوية تسهم في منع انتقال الفوضى إلى دول أخرى، كما أن أمن البحر الأحمر والخليج يرتبط بحركة التجارة والطاقة والملاحة، ولذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى تعاون أمني أوسع بين دول الخليج والدول العربية، يشمل تبادل المعلومات، وتطوير قدرات الرصد والإنذار المبكر، وتعزيز حماية المجالات الجوية والبحرية، والتصدي لشبكات تهريب الأسلحة. وينبغي أن يسير هذا التعاون بالتوازي مع تحرك سياسي يضع حدًا لممارسات الحوثي الإرهابية، لأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يقوم على اعتراض الهجمات بصورة متكررة من دون إنهاء أسبابها.
ويقتضي أي حديث جاد عن السلام مراعاة أمن المملكة وحدة اليمن تحت قيادته الشرعية. فالتسوية المطلوبة هي التي تحفظ سيادة اليمن، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتمنع استخدام أراضيه منصة للاعتداء على دول الجوار، وتفتح الطريق أمام الإعمار واستعادة الخدمات وتحريك الاقتصاد. كما ينبغي أن تضمن حماية المدنيين ووقف استهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية. وبهذه المعايير يصبح السلام مشروعًا عمليًا يعالج المخاطر بدلًا من تأجيلها، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للخروج من صراع طال أمده وارتفعت تكلفته الإنسانية والاقتصادية.
إن تمسك المملكة بحقها في حماية أمنها وسيادتها لا يتعارض مع الأخوة العربية أو الروابط التاريخية مع اليمن، فالمملكة الآمنة والقادرة على حماية مصالحها تستطيع مواصلة دعم جهود الإغاثة والتعافي، والإسهام في إعادة بناء اليمن، والعمل على تسوية تعيد الاستقرار إلى المنطقة. أما استمرار الاعتداءات الحوثية بدعم إيراني واضح فإنه يزيد من معاناة السكان، ويجعل مستقبل الأجيال رهينًا لحسابات عسكرية ضيقة، ومن هنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: أمن المملكة وسيادتها حقان ثابتان، واستهداف المدنيين مرفوض، وتهديد الملاحة الدولية لا يمكن قبوله وسيلة للضغط السياسي، مع بقاء باب السلام مفتوحًا أمام كل مسار جاد يحفظ الحقوق ويضمن الالتزامات.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحمى مدنها ومواطنيها وزوارها، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، فالأحداث الأخيرة، مهما بلغت خطورتها، لا تختصر المملكة في لحظة تهديد، ولا تختزل مسيرتها في مواجهة عسكرية. إنها دولة ذات مؤسسات راسخة ورؤية تنموية واسعة ومكانة إقليمية ودولية، وقدرتها على تجاوز الأزمات يعتمد على قواتها المسلحة بإمكاناتها المتفوقة. وستظل الرياض مركزًا للقرار والتنمية والعمل الإقليمي، وهي تواصل حماية مصالحها وصون أمنها ومتابعة مشروعاتها الوطنية.
إن أعظم انتصار للمملكة يتمثل في حماية أرضها وأهلها، ومواصلة نهضتها، والإسهام في بناء سلام عادل يتيح لليمن والمنطقة استعادة الاستقرار. فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بالقدرة على اعتراض الصواريخ، بل أيضًا بفاعلية المؤسسات، واستمرار التنمية، وحماية المدنيين، وتحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز الجاهزية والتكامل، وبينما تراهن ميليشيا الحوثيين الإرهابية المسلحة على نشر الخوف وإرباك الحياة، تراهن المملكة على قوة الدولة وقدرة المجتمع على الصمود. وبينما تهدد الصواريخ بإطالة أمد الصراع، يبقى الطريق السياسي الجاد هو السبيل إلى سلام يحفظ السيادة، ويصون أمن الشعوب، ويمنح المنطقة مستقبلًا أكثر استقرارًا.