«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
قد يعرف الإنسان تمامًا ما يريد قوله، ويرتب أفكاره بوضوح، لكنه حين يبدأ الحديث يكرر مقطعًا صوتيًا، أو يطيل صوتًا، أو يتوقف أمام كلمة يصعب عليه نطقها. وبينما ينشغل المستمع أحيانًا باستعجاله أو إكمال الجملة نيابة عنه، قد يكون ما يحتاج إليه المتحدث ببساطة هو الوقت الكافي ليعبّر عن فكرته.
هنا تتجاوز التأتأة لكونها اضطرابًا في طلاقة الكلام، لتطرح سؤالًا عن قدرة المجتمع على الإنصات، وعن الفرق بين تعثر الكلمات وقيمة الأفكار التي تحملها. ومع اليوم الدولي للتوعية بالتأتأة، الموافق 22 أكتوبر، تتجدد الدعوة إلى فهم الحالة بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وإدراك أنها لا تعكس مستوى الذكاء، ولا تعني ضعف الشخصية، ولا تنتقص من قدرة الإنسان على التعلم والعمل والنجاح.
ملايين الأشخاص.. وتجارب مختلفة
التأتأة اضطراب في طلاقة الكلام، يظهر عادة في صورة تكرار الأصوات أو المقاطع، أو إطالة بعض الأصوات، أو توقفات غير إرادية تعوق تدفق الحديث. وتشير تقديرات متداولة إلى أن نحو 70 مليون شخص حول العالم يتأتئون، فيما يمر أكثر من 5% من الأطفال بهذه الحالة خلال مرحلة من نموهم، وتستمر لدى نحو 1% من البالغين.
وتبدأ التأتأة النمائية غالبًا بين عمر سنتين وست سنوات؛ إذ يتجاوز بعض الأطفال هذه المرحلة مع النمو، بينما تستمر لدى آخرين، وتختلف التجربة بين الأشخاص، فقد تكون التأتأة ظاهرة في مواقف معينة، فيما يبذل آخرون جهدًا لإخفائها عبر استبدال الكلمات أو تجنب المشاركة في النقاشات.
ولا تتوقف آثارها عند صعوبة النطق؛ فقد يتردد الطالب في الإجابة داخل الصف، أو ينشغل المتقدم لوظيفة بكيفية ظهور كلامه بدلًا من عرض خبراته، أو يتجنب بعض الأشخاص المواقف الاجتماعية خشية السخرية والمقاطعة، ومع ذلك، لا يواجه الجميع الآثار نفسها، ولا تعني التأتأة بالضرورة وجود اضطراب نفسي أو ضعف في القدرات الذهنية.
ماذا يحدث عندما تتعثر الكلمات؟
تكشف الأبحاث أن التأتأة النمائية ترتبط بتداخل عوامل عصبية ووراثية، وأنها لا تُفسَّر بالخجل أو القلق وحدهما، وإن كان الضغط النفسي أو التعب قد يزيدان وضوحها لدى بعض الأشخاص.
وفي تقرير نشرته مجلة «نيتشر» عام 2022، تناولت الصحفية إميلي سون التحديات التي يواجهها باحثون يتأتئون أثناء مشاركتهم في المؤتمرات العلمية، بما يبرز الفجوة التي قد تنشأ بين الكفاءة العلمية وطلاقة الكلام. كما استعرضت «ميدلاين بلس»، التابعة للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب، أبحاثًا للباحث دينيس دراينا حددت طفرات في أربعة جينات مرتبطة بالتأتأة، إلى جانب مؤشرات إلى جينات أخرى محتملة.
ولا تزال الصورة العلمية الكاملة لأسباب التأتأة وآليات استمرارها غير مكتملة؛ لذلك لا يمكن اختزالها في سبب واحد ينطبق على الجميع، أو التعامل معها بوصفها ضعفًا في الإرادة أو الشخصية.
ومن المهم أيضًا التمييز بين التأتأة النمائية التي تظهر عادة في الطفولة، واضطرابات الطلاقة التي قد تنشأ لاحقًا لأسباب عصبية أو طبية. فالظهور المفاجئ لصعوبة الكلام، خصوصًا إذا صاحبه ضعف أو خدر أو أعراض عصبية أخرى، يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
حين يتحول الكلام إلى عبء اجتماعي
قد تكون الكلمة المتعثرة لحظة عابرة لدى المستمع، لكنها بالنسبة إلى الشخص الذي يتأتئ قد ترتبط بتجارب متراكمة من المقاطعة أو الاستعجال أو السخرية. وتزداد الصعوبة عندما يُختزل الإنسان في طريقة نطقه، أو تُفسَّر تلعثماته على أنها دليل على ضعف قدرته أو كفاءته.
وقد تصدر بعض التصرفات بدافع حسن النية، مثل مطالبته بالهدوء أو التحدث ببطء، أو إكمال عباراته نيابة عنه، لكنها قد تزيد الضغط عليه إذا أوصلت إليه رسالة بأنه مطالب بإخفاء طريقة حديثه. والأفضل هو الإنصات، وإتاحة الوقت الكافي، والمحافظة على التواصل الطبيعي، وعدم استكمال الكلمات تلقائيًا ما لم يطلب المساعدة.
وتتضاعف أهمية ذلك في المدارس والجامعات وأماكن العمل؛ إذ ينبغي إتاحة الفرصة للأشخاص للتعبير عن أفكارهم وإظهار قدراتهم، والتصدي للتنمر، وعدم ربط الكفاءة بسرعة الكلام أو سلاسته حين لا تكون الطلاقة شرطًا جوهريًا لأداء المهمة.
العلاج.. خيارات تتناسب مع احتياجات الفرد
لا يوجد علاج واحد يضمن إزالة التأتأة نهائيًا لدى جميع الأشخاص، لكن التدخلات المتخصصة قد تساعد على تحسين الطلاقة، وتقليل الجهد المرتبط بالكلام، وتعزيز القدرة على التواصل والمشاركة.
ويؤدي اختصاصي النطق واللغة دورًا أساسيًا في تقييم الحالة وتحديد التدخل المناسب وفق العمر وطبيعة الأعراض واحتياجات الشخص، وقد تشمل التدخلات لدى الأطفال برامج علاجية مثل «ليدكومب»، إلى جانب أساليب تساعد المراهقين والبالغين على تنظيم الكلام والتعامل مع التجنب والقلق المرتبطين بالمواقف التواصلية.
ولا يُقاس النجاح باختفاء التأتأة وحده؛ فقد يكون التقدم الأهم أن يصبح الشخص أكثر قدرة على التعبير عن نفسه، وأقل انشغالًا بإخفاء اضطرابه، وأكثر مشاركة في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية. وتختلف نتائج التدخلات باختلاف الأشخاص والبرامج، لذا ينبغي الحذر من الادعاءات التي تعد بعلاج نهائي مضمون.
«ظلال التأتأة».. لكل تجربة حكايتها
يحمل المؤتمر الإلكتروني المصاحب لليوم الدولي للتوعية بالتأتأة في عام 2026 شعار «ظلال التأتأة.. ما ظلك؟» (Shades of Stuttering - What’s Yours?)، في إشارة إلى تنوع تجارب الأشخاص الذين يتأتئون واختلاف احتياجاتهم وطرق تعاملهم مع الحالة.
وتبرز أهمية هذا التوجه في الاستماع إلى أصحاب التجربة أنفسهم؛ فبعضهم يركز على تحسين الطلاقة، فيما يعطي آخرون أولوية لتقليل تجنب الحديث أو تعزيز تقبل الذات والمشاركة. ولا تتعارض هذه الأهداف، بل تؤكد أن فهم احتياجات الفرد هو نقطة البداية لاختيار ما يناسبه.
من التوعية إلى ثقافة الإنصات
لا تكتمل التوعية بالتأتأة بمجرد التعريف بأسبابها وأعراضها، بل تتطلب تغييرًا في الممارسات اليومية؛ تبدأ من الأسرة التي تمنح الطفل الوقت للتعبير دون ضغط، وتمتد إلى المدرسة التي تحميه من التنمر، ومكان العمل الذي يقيّم كفاءته بموضوعية، والإعلام الذي يرفض استخدام التأتأة مادة للسخرية.
كما أن إشراك الأشخاص الذين يتأتئون في الحديث عن تجاربهم يتيح فهمًا أعمق للتحديات التي يواجهونها، بدلًا من الاكتفاء بالحديث عنهم من الخارج.
في نهاية المطاف، ليست القضية أن يتعلم المجتمع انتظار انتهاء الكلمات فحسب، بل أن يدرك أن قيمة الكلام لا تُقاس بسرعة خروجه، وأن الإنسان لا يفقد حقه في أن يُسمع لأن عباراته تستغرق وقتًا أطول.
فقد تتعثر الكلمات، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة الفكرة، ولا من حق صاحبها في التعبير والمشاركة. وبين الكلمة التي تتأخر والفكرة التي تستحق أن تُسمع، تبدأ مسؤولية الإنصات.