رمضان جريدي العنزي
تتوارى خلف المعرفات الوهمية حسابات جعلت من التشويه حرفة، ومن الإرجاف بضاعةً، ومن قلق الناس موردًا، تتطفّل على شؤون المملكة وقضاياها المحلية، وتتلبس ثوب الناصح، فيما تنضح كلماتها بالتشفّي، وتفضح انتقائيتها رغبة في الوقيعة، تُضخم العثرة، وتطمس المنجز، وتقتطع الكلام من سياقه، ثم تنسج حوله رواية تستهدف الثقة، وتستدرج المجتمع إلى الشك والخصومة، هؤلاء تجار البلبلة؛ إن وجدوا خبرًا حرّفوه، وإن أعوزهم الخبر اختلقوه، وإن كذّبتهم الوقائع تجاوزوها إلى فريةٍ أخرى، بالصفاقة نفسها، والوجه المستعار نفسه، يخلطون الحابل بالنابل، ويكسون أحقادهم ثوب التحليل، ويعرضون التنجيم على أنه معرفة، والافتراء على أنه سبق، حتى غدا الكذب عندهم صناعةً تُدار، والخديعة منهجًا يُكرَّر، لكنهم أخطأوا حين حسبوا صخب المنصات مقياسًا لوعي المجتمع، وتوهموا أن تكرار الأكذوبة يمنحها صدقية، وأن وطنًا راسخًا يمكن اختزاله في وسمٍ مسموم أو مقطع مبتور، لهذه البلاد دولةٌ تصون أمنها، ومؤسساتٌ تحمي مكتسباتها، وأبناء يعرفون أن حفظ الوطن مسؤولية، وأن التثبت من الخبر موقف، وأن الامتناع عن ترويج الشائعة إسهام في إطفاء الفتنة، فلا تمنحوهم من انتباهكم ما يوسع انتشارهم، ولا من غضبكم ما يُعينهم على استدراجكم، واجهوا الزيف بالدليل، وأحبطوا الإرجاف بالوعي، وأبلغوا عن المحتوى المخالف، إنهم يراهنون على يدٍ تنقل قبل أن تتحقق، ولسانٍ يردد قبل أن يفهم، فلا تكونوا جسورًا تعبر عليها أكاذيبهم إلى بيوتكم،.
أمّا أصحاب الأقنعة، فليعلموا أن الاسم المستعار قد يحجب هوية صاحبه، لكنه لا يستر عار صنيعة، ومَن اتخذ الكذب مهنة وهوى، فلن تمنحه كثرة المتابعين شرفًا، ولن يصنع له ضجيجه قدرًا، وسيبقى الوطن أكبر من مكائدهم، وأبقى من منصاتهم، أمّا هم، فكلما بدلوا أسماءهم، أعادتهم أكاذيبهم إلى حقيقتهم: إفلاس يتكلم، وحقد يبحث عن صدى، ولن يجد هذا الحقد في وعي الناس المرتكز على البنية مرتعًا، فكل سؤال عن المصدر يضيق على الكذبة طريقها، وكل حقيقةٍ موثقة تنتزع من أصحابها قناعًا، وكل امتناعٍ عن تداول الإفك يُفسد عليهم جولةً من العبث، لا تُرهبنّكم كثرة حساباتهم، ولا تُبهرنّكم فخامة مسمّياتهم؛ فالأسماء تتكاثر، والحجة غائبة، والمنابر تتزاحم، والمضمون عارٍ من البرهان، وما أسهل أن يصنع المفلس لنفسه ألف واجهة، وما أعجزه عن إقامة دليلٍ واحد يصمد أمام التمحيص، ثم إن لهذه البلاد أبناءً لا يُسلّمون عقولهم لكل ناعق، ولا يستبدلون بما يرونه ويعيشونه رواياتٍ تُفصل على مقاسات الضغينة؛ يعرفون الفرق بين ملاحظةٍ تستدعي المعالجة، وفرية تستهدف السمعة، وبين صاحب رأيٍ يحتمل السؤال، وصاحب فتنةٍ يفر من الدليل إلى الشتيمة، ومَن صدق في نصحه حفظ للكلمة أمانتها، وأما من اتخذ التحريف سبيلًا، فقد أسقط عن نفسه حق الادعاء بأنه حريص على الحقيقة؛ إذ لا تُخدم الحقيقة بالكذب، ولا يُبتغى الإصلاح بإفساد الوعي، فليبدلوا أقنعتهم ما شاؤوا، وليُعدوا لأكاذيبهم ما استطاعوا من عناوين، فلن تُصبح الضغينة بصيرة، ولا الوقاحة شجاعةً، ولا تكرار الفرية شهادةً بصحتها، سيظلون أسرى ما يختلقون، يطاردهم خبر الأمس الذي أنكروه، وادعاء اليوم الذي عجزوا عن إثباته، وتناقض يحاولون دفنه بضجيجٍ جديد، ويا لبؤس مَن لا يجد لنفسه حضورًا إلا في تشويه غيره، ولا موردًا إلا في تعكير صفو الناس، إذا انطفأت الفتنة كسدت بضاعته، وإذا استبانت الحقيقة انكشف خواؤه، وإذا مضى الوطن في طريقه لم يجد ما يلوّح به سوى خيبته وخسرانه وانكساره.