د.مساعد بن عبدالله النوح
التربية الوالدية، (أو التربية الأبوية) هي عملية بناء ورعاية متكاملة وهادفة يقوم بها الوالدان لتوجيه الأبناء، ودعم نموهم الجسدي، والعاطفي، والمعرفي، والاجتماعي منذ الطفولة وحتى البلوغ، وقد يستمر الحال حتى بعد تكوين الأبناء أسر خاصة بهم بما يضمن توجيههم وتهذيبهم وإكسابهم القيم والمهارات اللازمة لمواجهة تحديات الحياة.
وتعد التربية الأبوية سبباً بعد الله في تشكيل شخصيات مميزة للأبناء في مختلف جوانب نموها: الدينية والأخلاقية، والعقلية، والاجتماعية، والنفسية، والإرادية، والاقتصادية، والجنسية، والجمالية. والخلل في التربية الأبوية يقود إلى شعور الأبناء بالنقص المستمر في هذه الجوانب، ويبحثون عن إشباعه، وللأسف قد يشبعه الأبناء بطرق خاطئة.
والتربية الأبوية بهذا المعنى تنشئ الأبناء على إراضيه صلبة تنمو وتتطور على الدوام للأفضل. والترابط والتراحم فيما بينهم، منذ صغرهم، والتعود عليهما حتى في كبرهم، ولا تُفرق بينهم مصالح ولا مؤثرات حياتية. وهذا هو الجمال الذي يظهر على أقوالهم، وأفعالهم، ومظاهرهم، وتواصلهم.
يقول عامة الناس فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا صحيح في غالب الأحوال، فالأبناء إذا تربوا على احترام كبيرهم والعطف على صغيرهم والشفقة على ضعيفهم ورحمة مريضهم والدعاء الصادق لبعضهم، قطعاً وحسب توجيهات الشرع الحنيف ونظريات علمي النفس والاجتماع والتربية سيكبرون على هذه المنظومة من القيم التي تزداد جمالاً مع مرور السنين.
إذا كان الأبناء هم رأس المال الحقيقي لكل أب وأم، قال تعالى الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) سورة الكهف، فإن تقديمهم للحياة أقوياء وأسوياء من مختلف جوانب نمو شخصياتهم، لهو خير مكاسب التربية الصحيحة في العاجل والآجل للأبناء والوالدين. وهو ليس فضل من الآباء، بل من حقوق الأبناء عليهم، قال تعالى يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ (11) سورة النساء. وقال رسول الله صل الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» متفق عليه.
ولم يقل تعالى قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) سورة القصص، من فراغ، بل طالب الأبوين الأخذ بمقومات حصول الأخوة الصادق بين الأبناء منذ الصغر. حتى تتحقق معنى الآية الكريمة، أي سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك.
إن المرحلة الحياتية بعد الوالدين، أي بعد استقلال الأبناء عن أسرهم أو بعد رحيل الوالدين عن الحياة، مرحلة فارقة ومؤلمة، حيث يفقد الأبناء فيها ركن الأمان والسند الحقيقي، وتتغير معها ملامح الأيام والأماكن، لكنها في الوقت نفسه سنة الحياة التي تتطلب الصبر والتكيف. وهنا تبرز تربية الأبناء التربية السليمة.
عزيزي الأب عزيزتي الأم لا تفوتا رسائل يتم تلقيها من سلوك أبنائكما الصريحة منها والضمنية، والتي تشير إلى تقصير منكما أو أحدكما في توفير البيئة الأسرية المناسبة لرغباتهم، واهتماماتهم، وتطلعاتهم، واحتياجاتهم. فالتربية العفوية لم تعد نافعة في زمن تتلاطم فيه المغريات. وإليكما مجموعة من الانتقادات للتربية الوالدية السائدة والموصوفة بالتربية المادية، ولكثرتها أمكن تصنيفها إلى المجموعات التالية:
1- انتقادات الأساليب الصارمة (التربية السلطوية)، ومنها:
* إضعاف الشخصية، تُنتج أطفالاً يفتقرون للاستقلالية، ويعتمدون بشكل كامل على توجيهات الآخرين.
* زيادة مستويات التمرد، قد تؤدي القسوة المفرطة إلى ردود فعل عكسية تتمثل في الانحراف أو التمرد في مرحلة المراهقة.
* ضعف المهارات الاجتماعية، يواجه هؤلاء الأطفال صعوبة في التعبير عن آرائهم أو التفاوض وحل المشكلات ودياً.
2- انتقادات الأساليب المتساهلة (التربية غير الموجهة)، ومنها:
* غياب الانضباط الذاتي، يعاني الأطفال من صعوبة في الالتزام بالقواعد والقوانين في المدرسة أو المجتمع لاحقاً.
* الاتكالية والأنانية، تنمي لدى الطفل شعوراً بالاستحقاق المفرط وصعوبة في تحمل المسؤولية.
* القلق والارتباك، غياب الحدود الواضحة يمنع الطفل من الشعور بالأمان
3- انتقادات «التربية المروحية» (الإفراط في الحماية)، ومنها:
* العجز المكتسب، تؤدي رغبة الوالدين في حل كل مشاكل الطفل إلى عدم قدرته على مواجهة تحديات الحياة اليومية بمفرده.
* ارتفاع معدلات القلق، يرتبط هذا الأسلوب بزيادة نسب الاكتئاب والقلق لدى الأبناء عند الانتقال لمرحلة الجامعة أو العمل.
4- انتقادات بنيوية ونظرية عامة، ومنها:
* تجاهل الفروق الفردية، تركز بعض النظريات على قوالب جاهزة دون مراعاة أن ما ينجح مع طفل قد يفشل تماماً مع طفل آخر (حتى داخل الأسرة الواحدة).
* إهمال العوامل الخارجية، تُحَمِّل الوالدين المسؤولية المطلقة عن سلوك الطفل، متجاهلة دور البيئة، والمدرسة، والأصدقاء، والجينات، ووسائل الإعلام.
* الضغط النفسي على الوالدين، تؤدي المثالية المفرطة في كتب ونصائح التربية الحديثة إلى شعور الآباء بالذنب المستمر والإرهاق النفسي.
ويمكن الحد من تأثير بعض هذه الانتقادات، لكن الأمر يتطلب صبراً وإرادة، واحتساب الأجر من الله، فالخامات نفيسة جداً، وهم الأبناء، والنتائج مشجعة وغالية، وهو إعداد أبناء كالجسد الواحد في مساندة بعضهم البعض.
إن أنصاف الحلول لهذه الانتقادات أو الحلول التخديرية أو الحلول الارتجالية، قد تزيد من عدد الانتقادات وربما تعثر في معالجتها. لكن بمراجعة أهل الاختصاص يمكن تقديم سبل وقائية وعلاجية لهذه الانتقادات. وقد رصدت النصوص القرآنية والحديثية ووصايا خبراء علم النفس والاجتماع والتربية عدداً من الحلول النافعة ومنها:
1- التطوير الذاتي للوالدين، وهذا يتحقق من خلال:
* الالتحاق ببرامج الإرشاد الأسري، المشاركة في دورات «المهارات الوالدية الفعالة» أو قراءة كتيبات المسؤولية الوالدية المتخصصة لتحديث الأدوات التربوية.
* إدارة الضغوط الشخصية الحرص على الصحة النفسية للوالدين؛ فالتقصير غالباً ما يكون نتيجة للاحتراق النفسي أو ضغوط العمل والحياة.
* القدوة العملية، بالالتزام بالسلوكيات الإيجابية أمام الأبناء، فالأطفال يكتسبون الأخلاق من خلال محاكاة تصرفات والديهم وليس من التوجيهات النظرية
2- وضع هيكلية ونظام للمنزل وهذا يتحقق من خلال:
* القواعد الواضحة والمحددة، الاتفاق مع الأبناء على منظومة قيم وحدود سلوكية واضحة (مواعيد النوم، استخدام الشاشات، الواجبات)، وشرح أسبابها لهم.
* العواقب المنطقية بدلاً من العقاب العنيف، تطبيق عواقب ترتبط بالخطأ نفسه (مثل تقليل وقت اللعب في حال عدم إنهاء الواجبات) والابتعاد تماماً عن الصراخ أو التجاهل.
* الروتين اليومي المستقر، تنظيم جدول ثابت لتناول الوجبات، والنوم، والأنشطة، مما يمنح الطفل شعوراً بالأمان والترابط الأسري.
3- إعادة بناء الجسور العاطفية (تعويض النقص النفسي)، وهذا يتحقق من خلال:
* الوقت النوعي، تخصيص وقت يومياً لكل طفل بشكل منفرد، دون مشتتات (هواتف أو تلفاز)، للتركيز الكامل على أنشطته واهتماماته.
* الإنصات النشط، الاستماع لمخاوف الطفل ومشاعره وأفكاره دون إطلاق أحكام مسبقة أو توجيه لوم مباشر.
* التعبير اللفظي والجسدي عن الحب، الإكثار من العناق، وعبارات الثناء، والتشجيع لبناء ثقته بنفسه وتأمين احتياجاته النفسية الأساسية.
4- بناء شبكة دعم خارجي، وهذا يتحقق من خلال:
* الاستعانة بالمحيط الإيجابي، الاستفادة من الجد والجدة، أو الأقارب الموثوقين، أو الأصدقاء لسد الثغرات في أوقات غياب الوالدين أو انشغالهم الاضطراري.
* الشراكة مع المدرسة، فتح قنوات تواصل مستمرة مع المعلمين والمرشدين الطلابيين لمتابعة سلوك الطفل الأكاديمي والاجتماعي بشكل استباقي.
حفظ الله الآباء والأمهات ومنحهم الصبر الجميل في القيام بواجباتهم حيال أبنائهم، وحقق لهم أحلامهم في أبنائهم، فهم يستحقون كل مال، وكل جهد، وكل وقت.