د. هبة توفيق أبو عيادة
ليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء دون قيد، ولا أن يستغني عن الناس استغناءً تامًّا، بل إن من أسمى معاني الحرية أن يتحرر المرء من دناءة الجحود، وأن يسمو بنفسه عن نكران الجميل، وأن يحفظ للناس أقدارهم، مهما تبدلت الأحوال وتغيرت المصالح فحريتك تنتهي عند حدود الآخرين. فالإنسان الحر هو الذي لا تنسيه الأيام من أحسن إليه، ولا تدفعه المكانة التي يبلغها إلى التنكر لمن أسهموا في وصوله إليها. ومن هنا تأتي دلالة المقولة: إنَّ الحُرَّ مَن راعى وِدادَ لحظةٍ، وانتمى إلى مَن أفادَهُ لفظةً، إذ يجعل الوفاء معيارًا للأصالة، والاعتراف بالفضل دليلًا على نبل النفس.
إن مراعاة الوداد، ولو كان عابرًا، تكشف عن طبيعة الإنسان أكثر مما تكشف عنها مواقف كثيرة تبدو عظيمة في ظاهرها. فقد تجمع الإنسان بغيره لحظات قليلة، لكنها تترك في نفسه أثرًا عميقًا لا تمحوه السنون. وربما كانت ابتسامة صادقة، أو موقف نبيل، أو كلمة مواساة في وقت الشدة، أصدق دلالة على المحبة من سنوات طويلة من المجاملة. وليس الوفاء مرتبطًا بطول العلاقة، وإنما بصدق ما حملته من مشاعر ومواقف. فكم من شخص لم يمكث في حياتنا طويلًا، لكنه ترك فيها أثرًا يستحق أن يُذكر بالخير، وكم من علاقة امتدت أعوامًا، ولم تترك في الذاكرة سوى خيبة الأمل.
إن الحر لا ينظر إلى العلاقات بمنظار المنفعة وحدها، فلا يجعل قربه من الناس مرهونًا بما يقدمونه له، ولا يقيس قيمة الآخرين بمقدار ما يستطيعون منحه إياه. إنه يدرك أن للمعروف قيمة تتجاوز لحظة تقديمه، وأن المواقف الصادقة لا تفقد معناها لمجرد أن أصحابها ابتعدوا أو أن الظروف فرّقت بينهم. ولذلك لا يتنكر لمن أحسن إليه، ولا يسمح لخلاف طارئ أن يمحو تاريخًا من المودة، ولا يجعل اختلافه مع إنسان مبررًا لإنكار فضله. فالنفوس الأصيلة تستطيع أن تختلف دون أن تجحد، وأن تبتعد دون أن تسيء، وأن تنهي علاقة دون أن تزيف ذكرياتها.
أما الانتماء إلى من أفادنا لفظة، فيحمل معنى أعمق من مجرد الاعتراف بمعلومة تلقيناها أو نصيحة سمعناها. إنه إقرار بأن الإنسان لا يصنع وعيه وحده، وأن الأفكار التي يحملها قد تكون ثمرة كلمة سمعها من معلم، أو توجيه تلقاه من صديق، أو تجربة نقلها إليه شخص لم يكن يتوقع أن يكون له هذا الأثر.
فكلمة واحدة قد تفتح بابًا للمعرفة، وتصحح فكرة راسخة، وتدفع صاحبها إلى مراجعة نفسه وتغيير مساره. وقد ينسى المتحدث ما قاله، بينما يحتفظ المستمع بكلمته سنوات، لأنها جاءت في الوقت الذي كان يحتاج فيه إليها.
ومن مقتضيات الوفاء أن يُنسب الفضل لأهله، وألا ينسب إلى نفسه وحدها ما تعلمه من غيره. فليس من النبل أن يتظاهر المرء بأنه بلغ ما بلغ بجهده وحده، متجاهلًا من علموه أو أرشدوه أو مهدوا له الطريق. والاعتراف بفضل الآخرين لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يكشف عن ثقته بنفسه؛ إذ لا يحتاج الواثق إلى إنكار فضل غيره حتى يثبت استحقاقه. أما من يخشى الاعتراف بمن سبقه، فقد يخلط بين الاستقلال في الرأي والجحود، وبين إثبات الذات ومحو آثار الآخرين.
غير أن الوفاء لا يعني الخضوع الدائم لمن أسدى إلينا معروفًا، ولا يجعل الإحسان السابق حقًّا مكتسبًا في قراراتنا أو حرياتنا. فمن أحسن إلينا يستحق الشكر والتقدير، لكنه لا يملك بذلك أن يفرض علينا ما يخالف قناعاتنا أو ينتقص من كرامتنا. والفرق كبير بين الوفاء الذي يصدر عن الامتنان، والتبعية التي تنشأ عن الشعور بالذنب أو الخوف من اتهامنا بالجحود. فالإنسان الحر يحفظ الجميل، لكنه لا يسمح بأن يتحول الجميل إلى وسيلة للابتزاز أو السيطرة. وهو يقدّر من أفاده، دون أن يتخلى عن حقه في التفكير والاختيار.
في حياتنا مواقف كثيرة تكشف حقيقة الوفاء؛ فقد يتغير حال الإنسان، وتتسع معارفه، ويبلغ من المكانة ما لم يكن يتصوره، فيجد نفسه أمام اختبار صامت: هل يتذكر من وقفوا إلى جانبه في بداياته، أم يتعامل معهم كأنهم لم يكونوا جزءًا من رحلته؟ وهل يحفظ للكلمات التي علمته قيمتها، أم يتنكر لها حين يصبح قادرًا على الحديث أمام الآخرين؟ إن قيمة النجاح لا تكتمل بما يحققه الإنسان لنفسه فحسب، بل تظهر أيضًا في أخلاقه بعد النجاح، وفي قدرته على الاعتراف بمن أسهموا في بنائه.
إن الحرية الحقيقية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون امتيازًا شخصيًّا؛ فهي تقتضي أن يكون الإنسان سيد قراره، أمينًا على ضميره، عادلًا في حكمه على الآخرين. ومن كان حرًّا حقًّا لم يستكبر عن الاعتراف بالفضل، ولم يرَ في الوفاء ضعفًا، ولم يعتبر حفظ الوداد انتقاصًا من استقلاله. بل أدرك أن المرء قد ينسى كثيرًا مما مر به، لكنه لا ينبغي أن ينسى من أحسن إليه، أو من منحه كلمة صادقة أسهمت في تشكيل وعيه.
ختامًا، إن الحر ليس من يقطع صلته بماضيه، بل من يمضي إلى مستقبله دون أن يتنكر لأصحاب الفضل فيه. يراعي الوداد لأن الوفاء من شيم الكرام، وينتمي إلى أهل العلم والإحسان اعترافًا بفضلهم، لا طلبًا لمصلحة ولا خضوعًا لسلطان. فالأيام قد تغير الأماكن والوجوه، والمناصب قد ترتفع وتنخفض، والعلاقات قد تبدأ وتنتهي، لكن الأخلاق الأصيلة تظل شاهدًا على حقيقة أصحابها. ومن حفظ للناس ودادهم، واعترف لهم بفضلهم، أثبت أن حريته ليست مجرد قدرة على الاختيار، بل قدرة على الاختيار دون أن يفقد إنسانيته أو يتخلى عن مروءته.