خالد بن عبدالرحمن الذييب
الحضارة الإنسانية بناء تراكمي شارك في تشييده شعوب وأمم متعاقبة تنتقل فيه الأفكار من حضارة إلى أخرى، فتتأثر بها وتعيد صياغتها، وتضيف إليها، ثم تنتقل بدورها إلى حضارات أخرى. لنتأمل بلاد الرافدين والتي شهدت نشوء حضارات عريقة من السومرية إلى الأكادية والبابلية والأشورية، فقد تطورت فيها الكتابة المسمارية وتراكمت المعارف الرياضية والفلكية، وظهرت تقاليد إدارية وقانونية انتقلت آثارها إلى عصور لاحقة، وعندما دخلت حضارة فارس عليها فهي في الغالب دخلت عالم مليء بالإرث الثقافي تفاعلت معه واستفادت من تقاليده الفنية والإدارية والدينية.
التشابه بين رموز الحضارات يثبت أن الحضارات لم تتطور بمعزل عن بعضها، وأن انتقال الأفكار والرموز جزء أصيل من تاريخها. فتشابه الإله أشور عند الأشوريين وأهورامازدا عند الفارسيين، وكذلك انتقال بعض المعارف اليونانية إلى الحضارة الإسلامية، والتي بدورها أعادت صياغة هذه الأفكار والمعارف وطورتها وأضافت إليها ثم أعادتها إلى العالم من جديد كمنتج حضاري إسلامي، هو جزء من تلاقح حضاري وليس سرقة.
فالسرقة في ظني تقع حين ينسب شخص عملاً إلى نفسه، وهو يعلم إنه من إنتاج غيره، أما التلاقح الحضاري فهو انتقال فكرة إلى مجتمع آخر ثم تطويرها وتوظيفها في سياق آخر.
إن تاريخ الحضارات يكمن في فهم التجربة الإنسانية، فالحضارة لا تنشأ من فراغ، ولا يملك شعب واحد مفاتيحها جميعا، إنها حصيلة جهود متراكمة قد يضع شخص بذرتها ـ يحفظ حقه الأدبي إن كان معروفاً ـ ثم يرعاها آخرون حتى تثمر في أرض لم يعرفها صاحبها الأول.
أخيراً..
ما نتعلمه من التاريخ أن الأفكار بعد أن تغادر عقول أصحابها وتدخل فضاء المعرفة الإنسانية تصبح ملكا للجميع لتطويرها.
ما بعد أخيراً..
الحضارات لا تُبنى بالأسوار التي تمنع الأفكار من العبور، وإنما بالجسور التي تسمع لها بالانتقال، فالحضارة الإنسانية إرث تراكمي أسهمت في بنائه الأمم.