د. يوسف بن طراد السعدون
شهدت شرق آسيا، في بدايات القرن العشرين، تنامي التطرف والنزعة العسكرية لدى اليابان. وكان من أبرز ملامحها سيطرة العسكر على القرار السياسي، وتوجيه اقتصاد الدولة لخدمة المجهود الحربي، وإنشاء حكومات عميلة وجيوش موالية في دول الجوار، والتوسع الإقليمي بذريعة تطهير آسيا من الاستعمار الغربي. مما أدى إلى سلسلة من الأحداث، ومنها غزو اليابان لمنشوريا (1931)، ثم غزو الصين، واحتلالها للهند الصينية الفرنسية والفلبين وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وارتكابها جرائم ضد الإنسانية مثل مذبحة نانجينغ (1937). وبعد حصاد أرواح ملايين الأسيويين، انتهت تلك النزعة العسكرية، بتعرّض اليابان لقنبلتين نوويتين واستسلامها في أغسطس 1945.
ولعب الخونة والعملاء بدول شرق آسيا دوراً محورياً في تسهيل التوسع العسكري الياباني وتعميق مآسي المنطقة. واستغلت اليابان الانقسامات السياسية لاختراق المجتمعات من الداخل، معتمدةً على قيادات وشخصيات محلية بارزة. كما رفعت من مكانتها كقوة عالمية كبرى بتوقيع التحالف الأنجلو-ياباني (1902 – 1923)، الذي انتزعت به اعتراف بريطاني بمصالحها السياسية والصناعية والتجارية المتميزة في كوريا مما مهد لها الطريق لاحقًا لضمها.
وبعد مرور نحو قرن من الزمان، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن في غرب آسيا. إذ نشهد التطرف والنزعة العسكرية في إيران، وسمات متشابهة بينها وبين اليابان ببدايات القرن العشرين. فالنظام الإيراني يقوم على نظرية ولاية الفقيه، ويمتلك المرشد الأعلى سلطة دينية وسياسية مطلقة، ويرى أن تدخلاته بدول الجوار واجب ديني لتصدير «الثورة الإسلامية»، ويُعد الحرس الثوري صانع القرار الفعلي خلف واجهة المؤسسات المدنية، ويوجه الموارد لدعم الآلة العسكرية والبرنامج النووي.
وتعتمد إيران في تنفيذ سياستها التوسعية على شبكة من الجماعات المسلحة والخونة في المنطقة، كميليشيا الحوثي وحزب الله وعدة فصائل مسلحة منضوية تحت مظلة «المقاومة الإسلامية في العراق»، والتي تتحرك سياسياً وعسكرياً بالتنسيق الوثيق مع الحرس الثوري، الذي يستخدم أراضي وأجواء تلك الدول لشن هجمات صاروخية على المنشآت المدنية والحيوية في عدد من الدول العربية، على الرغم من أنها مدت لإيران يد السلام والتعاون.
كما تأثرت السياسة الإيرانية بمواقف بعض القوى العظمى ودعمها، وسعيها إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية. حيث وفرت لها غطاءً اقتصادياً ودبلوماسياً وزودتها ببيانات استخباراتية وصور استطلاعية عبر الأقمار الصناعية ومعدات عسكرية وسلع مزدوجة الاستخدام، مثل المواد الأولية المستخدمة في صناعة وقود الصواريخ.
وقد بدأت هذه السياسات الإيرانية المتطرفة منذ ثورة عام 1979، وأدت إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط، ووسعت نطاق النزاعات المسلحة، وفرضت كلفة إنسانية واقتصادية باهظة على شعوب المنطقة والشعب الإيراني خصوصاً، وألقت بظلالها على الاقتصاد والأمن العالميين.
فهل من الحكمة، بعد كل ذلك، الانتظار حتى يستفحل الخطر الإيراني وتحل المآسي في غرب آسيا كما حدث في شرقها؟ علماً بأن المنطقة تعاني من محور شر آخر يتسم أيضاً بالتطرف والنزعة العسكرية، متمثلاً في الكيان الصهيوني وأعوانه، وأن المجتمع الدولي فاوض ومنح إيران فرصاً عديدة للعودة إلى رشدها والكف عن سياستها الهدامة ولكنها مارست الخداع مراراً ولا تزال مستمرةً في غيّها.
وجزماً، ليس هناك إنسان سوي يتمنى أن تنتهي النزعة العسكرية الإيرانية على غرار ما حدث في اليابان، بإلقاء القنابل النووية عليها وقتل الآلاف من الأبرياء. لكن دول المنطقة بالتعاون مع المجتمع الدولي، يمكنهم العمل على إنهاء أزمات الخطر الإيراني، إذا ما احتكموا إلى العقل وتعاونوا فيما بينهم بحسن نية وإخلاص، على:
1- نبذ الخلافات وإدارة الاختلافات بين دول المنطقة، والتعامل بحزم مع من يشذ منها.
2- الحرص على درء الفتن، وتدشين منصات إعلامية مشتركة لتفكيك الروايات المضللة وكشف زيف شعارات الأعداء.
3- سد الثغرات الأمنية والسياسية التي تستغلها إيران لتوسيع نفوذها.
4- تعزيز قدرات الحكومات الشرعية في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن والصومال والسودان وليبيا، لمنع إيران من ملء الفراغ السياسي عبر ميليشياتها.
5- إدراج جميع الميليشيات والأذرع المسلحة المدعومة من طهران على قوائم الإرهاب الدولية، وفرض عقوبات على قادتها.
6- تكثيف الدوريات البحرية الدولية المشتركة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر لمنع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الميليشيات.
7- فرض عقوبات دولية صارمة تستهدف ملاحقة القنوات المالية غير المشروعة وشبكات تهريب النفط والمعادن الإيرانية، وتجفيف منابع تمويل الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له في المنطقة.
8- تشديد القيود الدولية على سلاسل التوريد لمنع وصول المكونات الإلكترونية والتقنية الغربية أو الآسيوية التي تُستخدم في تطوير المسيّرات والصواريخ الإيرانية، واتخاذ موقفٍ مسؤول تجاه تصدير المنتجات العسكرية إلى إيران وأعوانها.
9- تعزيز التحالفات الدفاعية العربية والإسلامية لتحقيق الردع العسكري، وإقامة شبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة لصد هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.
10- دعم تطلعات الشعب الإيراني نحو دولة مدنية تركز على التنمية بدلاً من تصدير النزاعات والأيديولوجيات المتطرفة.
خاتمة: من أقوال الشاعر ناصر الفراعنة:
ناسٍ ترمم عظمها من لحم ناس
وكوسٍ تصافق خمرها من ورى كوس
وكل السبب وضحاً على عنقها فاس
والسر لا واضح ولا هو بمدسوس
ما ننشد الوجه المعفن ليا خاس
ونشره على الطيب إلى صار داسوس
ومن رام له مجدٍ على ربط الأسياس
والله ان يمر القبر صيرٍ ومغموس
المجد ما يصلح على الرخم الأنجاس
الا على غمرٍ ينوس الخطر نوس
ومن لا يحط لمقضب الباب ترباس
يصبر على ما جاه حيه ولسلوس