د. أحمد فاتح محمد
هل تمنحنا الشاشات حق اغتيال الآخرين تحت لافتة الدفاع عن حرية التعبير؟ لقد ارتبط اسم فولتير بالدفاع المستميت عن حق الإنسان في قول ما يعتقد، لكن الفيلسوف الذي حارب التعصب بكل قواه لم يكن ليتخيل يوماً أن تتحول الحرية إلى ذريعة للتجريح، أو أن يختزل الاختلاف الفكري في إهانة الكرامات.
إن المأزق الحقيقي الذي نعيشه اليوم في فضاء التواصل ليس أزمة في وفرة الآراء، بل في تآكل المسافة الفاصلة بين نقد الفكرة وهتك سمعة قائلها. كثيرون يتوهمون أن الحسابات الافتراضية تمنحهم حصانة مطلقة من المسؤولية، فيخلطون بين الجرأة في الطرح والوقوع في مستنقع القذف والتشهير.
الرأي بحسب الفلسفة التنويرية، هو محاكمة عقلانية للظواهر والوقائع عبر الحجة والبرهان، أما الطعن في الذمم وتلفيق التهم فليس سوى عجز أخلاقي يتستر خلف رداء الشجاعة الزائفة. الفارق هائل بين شجاعة العقل في تفكيك رأي فاسد، ورعونة المجهول الذي يستبيح الأعراض تحت جنح العزلة الرقمية.
فالأول يحرر الإنسان بينما الآخر يهدم الروابط الإنسانية ويسمم المشتركات العامة. إن الشتيمة لم تكن يوماً دليلاً على قوة الحجة، بل هي اعتراف صريح بالإفلاس المعرفي وسقوط مدو لقيمة الحوار نفسه. هنا يبرز دور القانون بوصفه ضميراً موضوعياً للمجتمع وحامياً لسكينته. فالنصوص التي تجرم السب والقذف الإلكتروني لم توضع لمصادرة الأفكار أو تكميم الأفواه، بل وجدت لحماية المجال العام من التحول إلى ساحة تصفيات مفتوحة.
إن حرية أي فرد تنتهي حتماً عند حدود كرامة جاره، والأنظمة المنظمة للفضاء السيبراني هي الضمانة الوحيدة لبقاء النقاش متحضراً، وحفظ الحقوق من سطوة الغوغائية التي تقتات على الإثارة الرخيصة. إن التسامح الفولتيري لم يكن استسلاماً للابتذال، بل كان إيماناً راسخاً بأن كرامة الإنسان هي الأصل والغاية. وحين ندرك أن التغريدة ليست مجرد ضغطة زر عابرة، بل هي التزام نظامي وشهادة أخلاقية نودعها في الضمير الجمعي، نكون قد بدأنا أولى خطوات الوعي؛ فالكلمة حين تفقد مسؤوليتها تتحول إلى سهم مسموم، وحرية التعبير التي تتنكر لحقوق الآخرين ليست حرية، بل فوضى ترتدي ثياب الحداثة.