أبوبكر الموسى
تقوم الميليشيا الحوثية الإرهابية، بحسب وثيقتها الفكرية الصادرة عام 2012، على فكرة الشعب المختار، سلالة اصطفاها الله لحكم اليمنيين، وشعب لا خيار أمامه سوى التسليم والطاعة، وهي الفكرة ذاتها التي تقوم عليها الصهيونية حين تمنح نفسها وحدها حق الأرض والحكم، وتُقصي من سواها بأمر تدّعيه من السماء، فالميليشيا التي تملأ الفضاء صراخاً بالموت لإسرائيل تحمل في جوهرها العقيدة التي تحملها إسرائيل، وتطبقها على الشعب اليمني الحر.
في هذا التطابق تتضاعف الإدانة في الاتجاهين، فكل ما يعرفه العالم عن المشروع الإسرائيلي من احتلال وإقصاء وتفوق مزعوم يكشف حقيقة ما تخفيه الميليشيا خلف شعاراتها، وكل ما تمارسه الميليشيا بحق اليمنيين من قهر وجباية وتصنيف يكشف بدوره أن ادعاء الاصطفاء من أي طرف لا يُنتج إلا الطغيان. كلاهما يستبدل المواطنة المتساوية بتراتبية تضع السلالة فوق الوطن والمجتمع، وكلاهما يحوّل الانتماء إلى سند لنهب الثروة ومصادرة الأرض، وكلاهما يرفع طغيانه فوق المساءلة بغطاء سماوي، فالمستوطن يرى في احتلاله وعداً توراتياً لا يُناقش، والحوثي يرى في انقلابه إرادة ربانية لا تُنتقد، وكلاهما يصنف الناس طبقات، وكلاهما يستحضر مظلومية تاريخية غطاءً لمشروع يقوم على القوة الغاشمة، فإسرائيل تستحضر الشتات لتبرر احتلال الأرض والمقدسات، والحوثي يستحضر مظلومية يسوّقها لتبرير نهب مقدرات اليمنيين عبر جباية الخمس وإتاوات ما يسميه المجهود الحربي، وما يفصل المشروعين جغرافيا مختلفة وعلم مختلف لنموذج واحد.
أفدح ما في هذه العقيدة أنها تُقدَّم لليمنيين في ثوب الخلاص، فالميليشيا التي تخاطبهم بلغة العزة والكرامة ورفع الوصاية عنهم هي ذاتها التي أعادتهم إلى زمن العبودية والدونية، فاليمني الذي خرج في ثورة سبتمبر مواطناً متساوياً له كامل الحقوق في دولته أصبح اليوم في مناطق سيطرتها يُعرَّف بقربه من السلالة وبعده عنها، ويدفع من قوته خُمساً لطبقة تعلو عليه، ويُساق أبناؤه إلى جبهات يموتون فيها صباح مساء، فيحلّ محل القهر الذي تزعم رفعه قهرٌ أشد، تحرسه نصوص مؤوّلة وسلاح مهرّب.
تكتمل المفارقة حين يُنظر إلى القضية التي تتخذها الميليشيا عنواناً لتعبئتها وتجنيد الأطفال، فالصواريخ والمسيّرات التي يُقال إنها نصرة للقدس اتجهت نحو الحرمين الشريفين ومطارات مدنية يقف فيها المعتمرون بلباس الإحرام لتأدية شعائر الله وتلبية ندائه بالحج والعمرة، فمن يرفع شعار الدفاع عن الأقصى يهدد أمن البيت الحرام، ومن يتحدث باسم المقدسات يسعى إلى إعادة طريق الحج والعمرة إلى زمن من الخوف طوته عقود من الأمن، ويكفي هذا حجة وبياناً على سقوط ادعاءات هذه الميليشيا وشعاراتها.
وقد لخص رئيس الوزراء اليمني الأسبق أحمد عوض بن مبارك، الذي اختطفته الميليشيا ونقلته بين معتقلاتها، ازدواجية هذه الميليشيا حين أكد أن استخدامها للقوة في البحر الأحمر واستغلالها قضية فلسطين بعد السابع من أكتوبر لم يكن إلا توظيفاً للشعار لاكتساب مشروعية زائفة تغطي اعتداءها على جوارها وتخريبها لليمن وتهديدها للملاحة الدولية.
إن الحوثي والصهيونية وجهان لعقيدة واحدة، عقيدة الشعب المختار التي تجعل الدم معياراً للحق، والسلالة مصدراً للحكم، والسماء غطاءً للاحتلال والنهب، ومن يحمل هذه العقيدة يسقط عنه كل ادعاء بمعاداة الصهيونية، فهو يحمل جوهرها ويطبقه على شعبه، وكل ما يفرقهما أن الصهيونية تجاهر بعقيدتها، والحوثي يمارسها متستراً بشعار عدائها. ويبقى الموقف الثابت أنه لا مكان لأي تمايز سلالي ولا لأي سلطة أمر واقع مسلحة في مستقبل اليمن، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا ببسط سيادة الدولة اليمنية الشرعية على أساس المواطنة المتساوية.