عوض علي أحمد الطالبي
تشكل بلاد الحرمين الشريفين، المملكة العربية السعودية، قلب العالم الإسلامي النابض، ومهوى أفئدة الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي والروحي، لم تكن حماية هذه البلاد مجرد واجب وطني أو سياسي كفيل بحفظ حدود جغرافية، بل هي ضرورة شرعية ورسالة إسلامية سامية ترتبط بأمن الأمة واستقرارها العقدي والفكري. وفي منظومة الدفاع الشاملة التي تبنتها المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً، برزت خطبة الجمعة كواحدة من أهم الأدوات التوجيهية والفكرية التي تساهم بشكل مباشر في تحصين المجتمع، ونشر الوعي، والتصدي للمخططات الإرهابية والهدامة. وعلى مدى العقود الماضية، واجهت المملكة تحديات أمنية وفكرية متعددة، لعل من أبرزها في العصر الحديث التهديدات القادمة من المليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، المدعومة من أطراف إقليمية تسعى لبث الفوضى وتقويض استقرار المنطقة. وفي مواجهة هذه الاعتداءات التي لم تراعِ حرمة الجوار ولا قدسية المقدسات، وقفت منابر الحرمين الشريفين ومساجد المملكة كافة بالمرصاد، لتقدم خطاباً إسلامياً معتدلاً، يجمع بين الدعوة إلى وحدة الصف وتأييد القيادة السياسية والعسكرية، وبين تعرية الأفكار الضالة وتصنيف الجماعات الإرهابية بناءً على الحقائق الشرعية والواقعية.
تعد خطبة الجمعة في الإسلام أكثر من مجرد شعيرة تعبدية أسبوعية، بل هي مؤسسة إعلامية وتوجيهية شاملة تلتقي فيها الأمة لتلقي التوجيه والنصح والإرشاد. وتكتسب هذه الخطبة في بلاد الحرمين الشريفين خصوصية فائقة، نظراً لأن مساجد المملكة، وفي مقدمتها المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، تحظى بمتابعة ملايين المسلمين حول العالم عبر وسائل البث المباشر والترجمات الفورية بلغات متعددة. والهدف الأساسي لخطبة الجمعة في إطار حماية الوطن هو بناء الوعي وتأصيل المفاهيم الشرعية الصحيحة، حيث يسعى الخطباء من خلال هذه المنصات إلى ترسيخ قيم التلاحم والسمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، لما في ذلك من حفظ لكيان الدولة واستقرار المجتمع. إن تحصين فكر الشباب ضد التيارات المتطرفة والأفكار الوافدة يمثل خط الدفاع الأول، فالأمن الفكري هو الأساس الذي يقوم عليه الأمن العسكري والسياسي، وعندما يدرك المواطن والمقيم أبعاد المخططات التي تحاك ضد بلاده، يصبح شريكاً فعالاً في الحفاظ على أمن الوطن. وفي عصر التدفق المعلوماتي الهائل وفضاءات التواصل الاجتماعي، تنشط مطابخ الإعلام المعادية لبث الشائعات والأكاذيب الهادفة إلى إثارة الفتنة وزعزعة الثقة بين القيادة والشعب، وهنا يأتي دور خطبة الجمعة لتكون المنبر الموثوق الذي يستقي منه الناس الحقائق المبنية على الكتاب والسنة والبيانات الرسمية، حيث يحرص الخطباء على تفنيد المزاعم الباطلة ومواجهة الحملات المضللة بلغة رصينة وحجج دامغة، مما يجهض محاولات الاختراق الفكري والسياسي.
إن الدفاع عن المملكة العربية السعودية وحماية حدودها ومقدساتها ليس خياراً سياسياً بل هو واجب شرعي مقدس أكدت عليه النصوص الدينية، ودعمتها الفتاوى الصادرة عن هيئة كبار العلماء. وليست المملكة دولة عادية في المنظومة الدولية، بل هي قبلة المسلمين ومأرز الإيمان، واستقرار المملكة هو استقرار للعالم الإسلامي بأكمله، وأي مساس بأمنها هو استهداف لقبلة المسلمين ومقدساتهم، لذلك، تركز خطب الجمعة باستمرار على تذكير المصلين بنعمة الأمن والأمان التي تنعم بها هذه البلاد، وهي النعمة التي دعا بها الخليل إبراهيم عليه السلام لمكة المكرمة حين قال رب اجعل هذا بلداً آمناً. ومن أهم المحاور التي لا تخلو منها خطبة الجمعة في أوقات الأزمات والحروب، هو الدعاء للمرابطين والثناء على تضحياتهم، حيث يوجه الخطباء رسائل فخر واعتزاز إلى رجال الأمن والجنود البواسل على الحدود الجنوبية وكافة الثغور، الذين يقفون سداً منيعاً ضد محاولات التسلل والاعتداء، وهذا الدعم المعنوي والشرعي يرفع من معنويات المقاتلين، ويشعر أسرهم وعائلاتهم بأن المجتمع بأكمله يقف خلفهم ويثمن تضحياتهم الغالية في سبيل الدين والوطن.
لم تعد الطبيعة الإجرامية للمليشيات الحوثية بحاجة إلى إثبات، فقد أجمع المجتمع الدولي والمؤسسات الشرعية الإسلامية على تصنيف هذه الجماعة كمنظمة إرهابية نظراً لانتهاكاتها الصارخة للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية والشرائع السماوية. وبلغ الإجرام الحوثي مداه حين تجرأت هذه المليشيات الإرهابية على إطلاق الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة باتجاه مكة المكرمة والمدن الآهلة بالسكان في المملكة، وهذا الفعل الشنيع كشف عن الوجه الحقيقي لهذه الجماعة التي تدعي نصرة الإسلام بينما تستهدف قبلته. وقد أفرد خطباء المساجد في المملكة خطباً كاملة لتنديد بهذه المحاولات اليائسة، مؤكدين أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ بيته الحرام، وأن مصير هؤلاء المعتدين هو كمصير أصحاب الفيل الذين أرادوا السوء بالكعبة المشرفة فجعلهم الله كعصف مأكول. ولم تقتصر مواجهة الحوثيين على الصعيد العسكري فحسب, بل خاضت المؤسسات الدينية في المملكة معركة فكرية شرعية لتبيان ضلال هذه الفئة، حيث استند خطباء الجمعة إلى البيانات الصادرة عن هيئة كبار العلماء في السعودية، والتي أكدت أن جماعة الحوثي هي جماعة إرهابية منحرفة، تتبع أجندات خارجية طائفية تسعى لتزييف العقيدة ونشر الفوضى في اليمن والمنطقة، وتم توضيح خطر الفكر الحوثي القائم على ولاية الفقيه المستوردة، والسب والشتم لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفجير المساجد ودور القرآن في اليمن، مما يثبت خروجهم عن النهج الإسلامي القويم.
تتناول خطب الجمعة أيضاً البعد الإنساني للأزمة، حيث تسلط الضوء على المعاناة التي يعيشها الشعب اليمني الشقيق تحت وطأة الاحتلال الحوثي الإرهابي، فإن تجنيد الأطفال، وسرقة المساعدات الإنسانية، وزرع الألغام العشوائية، وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، كلها شواهد حية على الطبيعة الإرهابية لهذه المليشيا، ويؤكد الخطباء أن جهود المملكة وعمليات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن جاءت استجابة لنداء الاستغاثة من الأشقاء، ولحماية الهوية العربية والإسلامية لليمن من التغريب والطائفية. إن استقرار بلاد الحرمين الشريفين يقوم على ركيزتين أساسيتين هما قوة العقيدة والبيان التي يمثلها المنبر، وقوة السنان والدفاع التي يمثلها الجيش والأمن، وهذا التكامل الفريد يضمن بقاء الدولة قوية ومتماسكة في وجه الأعاصير، فعندما يتكامل الوعي الفكري الذي تبثه المساجد من خلال التوعية والتحصين الفكري وتفنيد الشبهات وتعزيز اللحمة الوطنية وتعرية الفكر الإرهابي، مع اليقظة العسكرية والمنظومات الدفاعية المتمثلة في ردع المعتدين وحماية الحدود واعتراض الصواريخ والمسيرات وحفظ الأمن الداخلي والخارجي، تتلاشى المحاولات الإرهابية كافة وتتحطم على صخرة الصمود السعودي.
لا تنتهي رسالة خطبة الجمعة بمجرد انقضاء الصلاة، بل تبدأ كممارسة فعلية في حياة كل فرد يستمع إليها، حيث يركز الخطباء على فكرة أن كل مواطن ومقيم هو رجل أمن في موقعه، وتشمل هذه المسؤولية الحذر في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بعدم نشر الإشاعات أو الترويج للمقاطع التي تخدم الأجندات الحوثية أو الإرهابية، وتربية الأبناء على حب الوطن وتحذيرهم من الأفكار المتطرفة والدعوات المشبوهة، والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة أو أفكار ضالة قد تهدد أمن المجتمع.
وفي الختام، يظهر جلياً أن خطبة الجمعة في بلاد الحرمين الشريفين تمثل سلاحاً فكرياً وتوعوياً لا يقل أهمية عن الأسلحة العسكرية في ميدان المعركة، وإن تعرية الإرهاب الحوثي وفضح مخططاته الطائفية عبر المنابر يسهم في إحباط أهدافه قبل أن تبدأ، ويحافظ على لحمة المجتمع السعودي وتماسكه خلف قيادته الرشيدة، وستبقى المملكة العربية السعودية بحول الله وقوته واحة للأمن والأمان، وحصناً منيعاً للإسلام والمسلمين، ولن تزيدها محاولات الغدر الإرهابية إلا قوة وتلاحماً، وسيبقى صوت الحق يتردد من منابرها ليحمل رسالة السلام والاعتدال، ويدحر قوى الشر والإرهاب والضلال.