د.فيصل خلف
ليس الوطن مساحة جغرافية تحدّها الخطوط على الخرائط، ولا أرضًا نعرفها من خلال أسماء المدن والشوارع، ولا مجرد مكان نحمل جنسيته ونقيم على ترابه.
الوطن أكبر من ذلك بكثير.. إنه شعورٌ يسكن الإنسان، وطمأنينة تتجذّر في قلبه، وذاكرةٌ تمتدّ من طفولته إلى شيخوخته، ونعمةٌ قد لا يدرك عظيم قدرها إلا حين يبتعد عنها أو حين يرى ما يجري في العالم من حوله، فيحمد الله على نعمة الأمن والأمان والاستقرار.
قد تتشابه الأراضي في طبيعتها، وتتقارب المدن في عمرانها، وتتعدد البلدان في جمالها، لكن الوطن الذي ننتمي إليه لا يشبهه وطن آخر في قلوبنا؛ لأن علاقتنا به ليست علاقةً بالمكان وحده، بل بكل ما يمثّله ذلك المكان من تاريخٍ وهويةٍ وأهلٍ وذكرياتٍ ومصيرٍ مشترك.. والقائمة تطول.
من هنا فإن الحديث عن الوطن لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات والشعارات، بل يجب أن يمتدّ إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى المواقف الصغيرة التي تكشف عن معانٍ كبيرة، وإلى التصرفات العفوية التي تعبّر عن محبةٍ صادقة لا تحتاج إلى ترتيبٍ مسبق ولا إلى كاميرا توثّقها.
وقد عشتُ موقفًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في معناه، جعلني أتأمل في حقيقة علاقتنا بوطننا، وفي الطريقة التي يتحوّل بها الحب من شعورٍ في القلب إلى عملٍ على أرض الواقع.
صدقة ماء.. ومعنى وطن
بعد خروجي من الصالة الرياضية، توقفت أمام كرتون ماء وُضع للصدقة، يحمل شعار النخلة والسيفين، وترافقه عبارة «الصدقة تدفع البلاء»
كان مشهدًا لم يمر مرورًا الكرام بل استوقفني بما يحمله من دلالات عظيمة.
تأملت المشهد ووجدتني أفكر في معنى أن يتصدق إنسانٌ عن وطنه، وأن يجعل من عملٍ بسيط كسقيا الماء، وسيلةً للتعبير عن محبته لأرضٍ ينتمي إليها، ولشعبٍ يتقاسم معه المصير ولوطنٍ يتمنى له السلامة من كل مكروه.
عندها حضرتني عبارة كتبتها وهي «تصدّقوا عمّن تحبون.. وللوطن حبٌّ خاصّ، لا ندرك عظيم نعمته إلا حين نكون خارج حدوده».
لعل الله يدفع بهذه الصدقات البلاء، ويحفظ البلاد والعباد وتكون سببًا في تفريج الكربات، ورفع المحن وانتهاء الحروب وحقن الدماء، وأن يعمّ العالم السلام والعدل.
إنها ليست دعوةً إلى الصدقة بوصفها عملًا خيريًا فحسب، وإنما تأملٌ في اتساع دائرة المحبة.. فكما يدعو الإنسان لأهله وأحبته، ويحرص على سلامتهم، يمكنه أن يحمل وطنه في دعائه وصدقته وعمله الصالح، وأن يسأل الله أن يحفظه من الفتن والدمار.
.. وما أجمل أن يتحوّل حب الوطن إلى نفعٍ يصل إلى الآخرين!
لأن الماء الذي يُقدَّم لعابر سبيل يروي عطشه، والصدقة التي تُبذل ابتغاء وجه الله تعلّمنا أن الانتماء الحقيقي لا ينفصل عن الرحمة، وأن المحبة الصادقة لا تقف عند حدود المشاعر، بل تبحث عن كل طريق يمكن أن تصنع به خيرًا.
لست وحدي من مرّ بمثل هذا الموقف أو تأمل في معناه؛ فكثيرون قد رأوا كراتين الماء التي تُوزَّع صدقةً عن الوطن أو شاركوا في تقديمها أو مرّوا بها واستشعروا ما وراءها من دعاءٍ ومحبةٍ ورغبةٍ في الحفظ والسلامة، قد لا يعرف أحدٌ اسم صاحب الصدقة، ولا يسمع منه كلمةً واحدة، لكنه يرى أثر فعله ويفهم الرسالة التي يحملها.
.. وهنا تكمن قيمة هذه المبادرات، إذ لا تحتاج محبة الوطن إلى خطابٍ طويل كي تُثبت وجودها، فقد تختصرها عبوة ماء أو وجبةٌ تُقدَّم لمحتاج أو مساعدةٌ تصل إلى أسرة أو دعوةٌ صادقة في جوف الليل.
إن هذه الصور تعبّر عن جانبٍ من علاقة السعودي بوطنه؛ علاقةٍ تتجلّى في تفاصيل الحياة، وفي الحرص على سلامته، وفي الرغبة الصادقة بأن يبقى آمنًا مطمئنًا، وهي علاقةٌ لا يمكن فهمها من خلال الشعارات وحدها، بل من خلال المواقف التي تمنح تلك الشعارات معناها الحقيقي.
حب الوطن لا يحتاج إلى شرحٍ بقدر ما يحتاج إلى تأمل
أعتقد أن علاقة السعودي بوطنه واضحةٌ في كثيرٍ من مظاهرها اليومية، وأن بعض المعاني لا تحتاج إلى إسهابٍ في شرحها بقدر ما تحتاج إلى عينٍ ترى وقلبٍ يتأمل، فحين ترى إنسانًا يتصدق عن وطنه أو يدعو له في سجوده أو يقلق على سلامته، أو يبادر إلى مساعدة أحد أبناء مجتمعه، فأنت أمام صورةٍ من صور الانتماء الذي يتجاوز حدود الكلام.
مع ذلك فإن اختلاف الناس في التعبير عن محبتهم لا ينتقص بالضرورة من صدقها؛ فهناك من يعبّر بالكتابة، ومن يعبّر بالعمل التطوعي، ومن يخدم وطنه في موقعه الوظيفي، ومن يحرص على تمثيله بصورةٍ مشرّفة في الخارج، وما يجمع هذه الصور هو أن الوطن يصبح جزءًا من المسؤولية الشخصية، لا مجرد موضوعٍ للحديث.
الوطن في نهاية المطاف، ليس ملكًا لجيلٍ دون آخر، ولا حكرًا على فئةٍ بعينها.. إنه أمانةٌ مشتركة يحمله الآباء إلى الأبناء، وينقله كل جيلٍ إلى من بعده، بما يقدّمه من عملٍ وإخلاصٍ ووعي.
لعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يسأل نفسه: ماذا قدّمت لوطني؟ لا ماذا قلت عنه فحسب.
الكلمات الطيبة مهمة، والدفاع عن الوطن حقٌّ مشروع، لكن أثر الإنسان يصبح أعمق حين تقترن كلماته بعمله، وحين تكون مواقفه امتدادًا للقيم التي يؤمن بها.
كيف ندافع عن الوطن؟
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الدفاع عن الوطن مقتصرًا على المواقف الرسمية أو المنابر الإعلامية التقليدية؛ فقد أصبح لكل فردٍ مساحةٌ يستطيع من خلالها أن يوضّح حقيقةً أو يصحح معلومةً أو ينقل صورةً من واقع الحياة.
غير أن هذه المساحة تضع أمامنا مسؤوليةً أخلاقيةً كبيرة وهي كيف ندافع عن وطننا دون أن نفقد احترامنا للآخرين؟
إن الدفاع عن الوطن لا يكون بالكلمات البذيئة، ولا بالسخرية من الشعوب، ولا بالاستهزاء بمن يختلف معنا، ولا بتحويل كل نقاشٍ إلى معركةٍ من الشتائم والاتهامات. فالوطن الذي نعتز به يستحق أن ندافع عنه بأسلوبٍ يليق بقيمنا، وأن تكون حجتنا أقوى من انفعالنا وأن تكون حقائقنا أبلغ من إساءاتنا.
ليس مطلوبًا منا أن نقابل كل إساءةٍ بإساءة، ولا أن نردّ على كل رأيٍ مخالفٍ بانفعال، بل المطلوب أن نميّز بين النقد المبني على معلوماتٍ صحيحة، والادعاءات التي تحتاج إلى تصحيح، وأن نردّ على كل حالةٍ بما يناسبها من معلوماتٍ موثوقةٍ وشرحٍ واضح.
من أبرز الأمثلة على ذلك ما يحدث حين تنشر بعض الحسابات تحذيراتٍ من السفر إلى المملكة العربية السعودية بسبب الأوضاع الأمنية، في مثل هذه الحالات نرى سعوديين وسعوديات يبادرون إلى مشاركة مشاهد من حياتهم اليومية، فيظهر أحدهم وهو يقود سيارته إلى وجهته، وتشارك أخرى مشهدًا من مطعم ترتاده، وينشر غيرهما صورًا من الأسواق أو الأماكن العامة.
قد تبدو هذه الصور عاديةً لمن يشاهدها بعيدًا عن سياقها، لكنها بالنسبة إلى أصحابها وسيلةٌ لإيصال رسالةٍ مفادها أن الحياة مستمرة، وأن الناس يمارسون أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وأن الصورة المتداولة لا ينبغي أن تُعمَّم دون النظر إلى المعلومات الرسمية والظروف الفعلية.
.. ولا يعني ذلك أن مقطعًا مصورًا في شارعٍ أو مطعمٍ يكفي وحده للحكم على الوضع الأمني في بلدٍ بأكمله، فالتقييم الدقيق يستند إلى المصادر الرسمية المحدثة، وإلى طبيعة التحذير ومكانه وتوقيته، لكن هذه المشاهد اليومية، حين تُقدَّم بصدقٍ ومن دون مبالغة، يمكن أن تضيف سياقًا واقعيًا إلى النقاش، وأن تساعد على تصحيح الانطباعات غير الدقيقة، وهنا يظهر الفرق بين الدفاع الواعي والدفاع الانفعالي.. الأول يقدّم المعلومة ويستند إلى الدليل، ويحترم عقل المتلقي.. أما الثاني فقد يرفع صوته، لكنه لا يضمن أن يقنع أحدًا.
إن السعودي الذي يصوّر حياته اليومية لا يحتاج إلى شتم أحدٍ كي يعبّر عن ثقته بوطنه، والسعودية التي تشارك تجربتها لا تحتاج إلى التقليل من شأن الآخرين كي توضح واقعها. يكفي أن تكون الصورة صادقة والمعلومة دقيقة واللغة محترمة.
فالحقيقة لا تحتاج إلى إساءةٍ كي تصبح حقيقة، والانتماء لا يحتاج إلى خصومةٍ دائمة كي يثبت وجوده.
الأمن والأمان مسؤوليةٌ وعملٌ مستمر
حين نتحدث عن أمن الوطن وأمانه، فإننا نتحدث عن نعمةٍ عظيمة لا يجوز التعامل معها بوصفها أمرًا عاديًا أو مضمونًا في كل الظروف، فالأمن هو الذي يمنح الإنسان القدرة على الذهاب إلى عمله، وإيصال أبنائه إلى مدارسهم، وارتِياد المطاعم والأسواق، وممارسة الرياضة، والتخطيط لمستقبله وهو يشعر بالطمأنينة.
ووراء هذه الحياة اليومية منظومةٌ من المسؤوليات والجهود؛ من رجال الأمن والجهات المختصة، إلى العاملين في القطاعات الصحية والخدمية، وكل من يسهم في حماية المجتمع واستمرار الحياة فيه.
في المملكة العربية السعودية، تقع على عاتق مؤسسات الدولة مسؤولية المحافظة على أمن البلاد واستقرارها، وتستمر هذه المسؤولية في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة، كلٌّ في نطاق اختصاصه.
وما يتمناه المواطن هو أن تظل هذه الجهود سببًا في دوام الطمأنينة، وأن يبقى الوطن مكانًا يستطيع فيه الإنسان أن يعيش ويعمل ويتعلم ويتنقل في أمنٍ وسلام.
لكن تقدير هذه النعمة لا ينبغي أن يتحول إلى اكتفاءٍ بالثناء، فالمواطنة مسؤوليةٌ كذلك.
تبدأ باحترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، وعدم نشر الشائعات، والتحقق من الأخبار، ومساندة الجهات المختصة في نطاق ما تسمح به الأنظمة، والإبلاغ عن المخاطر عبر القنوات المعتمدة، والإسهام في بناء مجتمعٍ متماسكٍ ومتعاون.
كما أن من واجبنا أن نتذكر أن الأمن لا يعني غياب التحديات، بل القدرة على التعامل معها بالوعي والاستعداد والعمل، ومن حق الناس أن يسألوا ويستفسروا ويتحققوا، ومن واجبنا أن نجيبهم بما نعرفه على وجه الدقة، وألا نعدهم بما لا نملك ضمانه.
فحب الوطن لا يتعارض مع الموضوعية، والثقة لا تعني تجاهل الوقائع، والاعتزاز لا يحتاج إلى المبالغة. بل إن الصدق في نقل الصورة هو أحد أشكال الوفاء للوطن؛ لأننا نريد أن تكون صورته قائمةً على الحقيقة، لا على ادعاءاتٍ يسهل التشكيك فيها.
الوطن الذي نحمله في قلوبنا
الوطن دعاءٌ في القلب، وصدقةٌ يُرجى بها الخير، ويدٌ تمتد لمساعدة محتاج، وكلمةٌ تردّ معلومةً مغلوطة، وموقفٌ يعبّر عن الانتماء دون أن يسيء إلى أحد، وهو أيضًا مسؤوليةٌ نحملها في أفعالنا اليومية، وفي طريقة حديثنا عن بلدنا، وفي حرصنا على أن يكون حاضرنا ومستقبلنا أفضل.
أسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا وأرضًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد.
اللهم احفظ جنودنا ورجال أمننا، واحمِ كل من يسهر على أمن الوطن وسلامة أهله، وتقبّل شهداءنا، وارفع درجاتهم، واجزهم عن وطنهم وأهلهم خير الجزاء، واشفِ جرحانا، وعافِ المصابين، واربط على قلوب أسر الشهداء والجرحى، وألهمهم الصبر والسلوان.
اللهم احفظ بلاد المسلمين وسائر بلاد العالم من الحروب والفتن، وحقن دماء الأبرياء، وانصر المظلومين، وآوِ المشردين، وأطعم الجائعين، واشفِ المرضى، وردّ الغائبين إلى أهلهم سالمين، واجعل للمتضررين من كل بلاءٍ فرجًا ومخرجًا.
اللهم اجعل الصدقة سببًا في تفريج الكربات، ودفع البلاء، وإغاثة المحتاجين، واجعل لنا نصيبًا من فعل الخير، ووفقنا لأن نكون أبناءً صالحين لأوطاننا، نرفع شأنها بالعلم والعمل والأخلاق، وندافع عنها بالحقيقة والحكمة، ونسهم في بناء عالمٍ يسوده السلام والعدل والرحمة.
اللهم أدم على وطننا نعمة الأمن والأمان، واجعله وطن خيرٍ وسلام، واحفظه من كل مكروه، واجعل أيامه عامرةً بالرخاء والطمأنينة، وأدم على أهله وحدتهم وتكاتفهم ومحبتهم.