إبراهيم بن يوسف المالك
حين تتحول جماعة مسلحة إلى مصدر تهديد للطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي، لا يعود الصمت مجرد موقف سياسي، بل يصبح اختبارًا لمسؤولية المجتمع الدولي وقدرته على حماية مصالحه حين تتعرض للخطر.
ليست المشكلة في صاروخ يستهدف منشأة نفطية سعودية، أو مسيّرة تهدد مطارًا أو ممرًا بحريًا فحسب؛ بل في أن جماعة مسلحة باتت تمتلك قدرات تمكّنها من تهديد شرايين الطاقة والتجارة، وإرباك الأسواق، ورفع تكلفة النقل والتأمين والإنتاج، بينما تتوزع تداعيات أفعالها على اقتصادات وشعوب بعيدة عن الصراع. وهنا تتجاوز المسألة حدود المواجهة الإقليمية لتصبح تهديدًا لمصالح دولية واسعة، تتحمل تكلفته أطراف لا دور لها في صنعه.
عندما يقترب سعر برميل النفط من 110 دولارات، وتتزايد المخاوف من ارتفاعه إلى مستويات أعلى، فإن التداعيات لا تتوقف عند فاتورة الطاقة، بل تمتد إلى المصانع وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء وتكلفة الشحن ومعدلات التضخم والنمو. وفي منطقة تمثل ركيزة أساسية لإمدادات النفط والغاز العالمية، لا يمكن اختزال تهديد أمنها في خلاف إقليمي أو اعتباره شأنًا يخص دولة بعينها؛ فاضطراب أمن الطاقة والملاحة لا يهدد استقرار المنطقة وحدها، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر وتكاليف تتجاوز حدود الصراع.
المفارقة أن السعودية، التي تواجه جانبًا مباشرًا من هذا التهديد، تدرك أن أمن الطاقة مسؤولية تتجاوز حدودها، وأن استقرار إمداداتها جزء من استقرار الأسواق العالمية. كما أن أمن إمدادات الغاز القطري وسلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ليست قضايا منفصلة، بل حلقات مترابطة في منظومة اقتصادية واحدة، تتأثر بها الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
فحين تتعرض هذه المنظومة للتهديد، لا تكون الخسارة محلية، ولا تبقى تكلفة المواجهة محصورة في حدود الدولة المستهدفة.
من هنا، لا يقتصر السؤال على الجهات التي تقف وراء الحوثيين، بل يمتد إلى كيفية استمرار هذه الجماعة في امتلاك القدرة على تهديد المصالح الدولية، ومصادر القوة التي تتيح لها ذلك، ومدى جدية المجتمع الدولي في التعامل مع هذه المصادر.
وتزداد خطورة هذا التمكين حين يتجاوز نقل السلاح إلى التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، وفق ما أوردته تقارير صحفية حديثة؛ بما يجعل التهديد أبعد من قدرات جماعة مسلحة منفردة، وأقرب إلى شبكة دعم تتيح لها مواصلة التصعيد.
فالإدانات، على أهميتها، لا تكفي لوقف تدفق السلاح والتقنيات العسكرية، ولا لحماية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة، ما لم تتحول إلى خطوات عملية تعالج أسباب التهديد وتحدّ من القدرة على تكراره. فليس من المنطقي أن تتوزع تكلفة التهديد على العالم، بينما تظل مسؤولية مواجهته ملقاة على عاتق الدول التي تستهدفها هجماته مباشرة.
إن المشكلة ليست في غياب الوعي بالمخاطر، بل في الفجوة بين إدراكها والاستعداد لتحمل تكلفة معالجتها. وحين تكون المصالح المتضررة دولية، فإن مواجهتها لا يمكن أن تظل مسؤولية إقليمية.
إن حماية أمن الطاقة والملاحة واستقرار الاقتصاد العالمي تقتضي الانتقال من إدانة التهديد إلى تجفيف مصادره، ومن احتواء تداعياته إلى إنهائه. فأمن العالم لا يُصان بإدارة الأخطار التي تهدده إلى ما لا نهاية، بل بإرادة مشتركة تضع حدًا لمصادرها، وتمنع تحويل مصالح الدول واقتصادات الشعوب إلى رهينة لقدرات ميليشيا مسلحة.