د. نجوى علي غريب
لم يعد السؤال الأهم الذي يواجه التعليم اليوم: كيف نُدرّس المتعلمين؟ بل أصبح: كيف نُكيّف التدريس؛ ليلائم اختلافاتهم واحتياجاتهم؟ ويتيح لكل متعلم مسارًا يقوده إلى تعلم أكثر فاعلية وعمقًا؟
كلنا يدرك أن المتعلمين لا يدخلون الفصل الدراسي بالمعارف والخبرات نفسها، ولا يتعلمون بالسرعة ذاتها، ولا يواجهون المصاعب عينها، فقد يقرأ أحد المتعلمين النص بسهولة، لكنه يتعثر في استنتاج أفكاره، وقد يتقن متعلم قاعدة نحوية من أول تدريب، في حين يحتاج آخر إلى أمثلة إضافية وتدرج أكبر في التطبيق؛ ليتقن ذلك.
ومع ذلك، ما يزال التعليم يفترض أحيانًا أن درسًا ومحتوى وطريقة وتقويمًا واحدًا يمكن أن يلائم الجميع، والمشكلة لم تعد تنحصر في وجود الفروق الفردية فحسب، وإنما في قدرة التدريس على الاستجابة لها، ومن هنا يكتسب التدريس التكيفي أهميته، فهو لا ينظر إلى اختلاف المتعلمين باعتباره مشكلة ينبغي تجاوزها، بل باعتباره معلومة عن المتعلم ينبغي أن تؤثر في القرارات المتعلقة بالمحتوى التعليمي، وطرائق التدريس، والأنشطة، وطبيعة التعلم، وأساليب التقويم التي تُقدَّم له.
ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، أصبحت أمام المعلم إمكانات جديدة لتحليل أداء المتعلمين، واكتشاف احتياجاتهم، وتقديم استجابات أكثر ملاءمة لهذه الاحتياجات المختلفة، وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم التعلم الشخصي والتكيفي من خلال تحليل بيانات المتعلم وتعديل المحتوى والسرعة والتغذية الراجعة، مع التأكيد بأن دوره ينبغي أن يعزّز أداء المعلم ولا يحلّ محلّه.
فمن السهل أن نقول: إن المتعلمين مختلفون، لكن الأهم، هو: أن ندرك ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للتدريس؟
فمثلا في درس للغة العربية، قد يطلب المعلم من جميع المتعلمين قراءة نص واحد والإجابة عن الأسئلة نفسها، فينجح بعضهم في تحديد الفكرة الرئيسة، بينما يتوقف آخرون عند معاني المفردات، وقد يستطيع آخرون الانتقال إلى الاستنتاج والتحليل. فإذا ظل المعلم يقدّم النشاط نفسه للجميع، فهو ساوى بينهم في المعاملة، لكنه لم يراعِ اختلاف احتياجاتهم التعليمية.
ومراعاة الفروق الفردية لا تعني منهجًا مستقلًا لكل متعلم، بل تدريسًا أكثر مرونة، يتيح لكل متعلم الدعم الذي يحتاج إليه والتحدي الذي يناسب قدراته؛ أي الانتقال من تعليم يركّز على ما يقدّمه المعلّم إلى تعليم يستجيب لما يحتاج إليه المتعلم.
فالتدريس التكيفي ليس مجرد تنويع في الأنشطة، ولا يعني إعداد مجموعة من المهام المختلفة قبل دخول المتعلمين إلى فصولهم الدراسية، ثم توزيعها عليهم، إن جوهر التدريس التكيفي أعمق من ذلك بكثير.
إنه عملية مستمرة تبدأ من معرفة مستوى المتعلم، ثم الاستجابة لما تكشفه هذه المعرفة، ثم متابعة أثر الاستجابة، ومن ثم إعادة تعديل التدريس عند الحاجة.
فإذا أظهر التقويم أنّ المتعلّم لم يتقن مهارة معينة، فإنه يجب أن يحصل على دعم أو تدريب إضافي، وإذا أظهر إتقانًا مبكرًا، يجب أن ينتقل إلى مهمة أكثر تحديًا. وإذا كشفت استجاباته عن نوع مختلف من الخطأ، يتغير أسلوب المعالجة.
ففي درس القراءة (شرح المفردات) مثلًا، قد لا يحتاج جميع المتعلمين الذين أخطؤوا في كلمة واحدة إلى النشاط العلاجي نفسه؛ فأحد المتعلمين قد لا يعرف معنى المفردة، بينما يعرفها متعلم آخر، لكنه لا يستطيع توظيفها في سياق جديد. وهنا يكشف الخطأ عن معلومة تشخيصية تساعد المعلم على تحديد حاجة كل متعلم والاستجابة لها بصورة مناسبة، فإذا كان المعلم قد أعد مسبقًا أنشطة مختلفة تناسب مستويات المتعلمين، فهذا يُعد من قبيل التدريس المتمايز؛ أما إذا أظهرت استجاباتهم أثناء التعلم أن بعضهم يحتاج إلى دعم في فهم معنى المفردة، بينما يحتاج آخرون إلى تدريب على توظيفها في سياق جديد، فإن المعلم يعدّل التدريس ويقدّم الدعم المناسب بناءً على ما تكشفه استجابات المتعلمين أثناء التعلم، فهنا نكون أمام التدريس التكيفي.
وهذا يوضح الفرق بينهما، فالتدريس المتمايز يقوم على تنويع التعليم استجابةً لاختلاف المتعلمين واحتياجاتهم، بينما يضيف التدريس التكيفي إلى هذا التمايز مرونة مستمرة، حيث تتغير الاستجابة التعليمية وفق ما يكشفه تعلّم المتعلّم. ومن ثم، لا تكون حاجة المتعلم ثابتة؛ فقد يحتاج إلى دعم في موقف تعليمي، ثم ينتقل إلى مستوى أكثر تقدمًا في موقف آخر.
هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في جعل التدريس التكيفي أكثر فاعلية واستمرارية؛ فمنصات، مثل: AlifBee وShamArabic توظف الذكاء الاصطناعي لمتابعة أداء المتعلم، واكتشاف احتياجاته، وتكييف التدريبات والتفاعل التعليمي وفق مستواه وتقدمه؛ ليصبح التعلم أقرب إلى مسار شخصي يتغير مع المتعلم بدل أن يسير الجميع في المسار نفسه، وبذلك لا يقتصر دوره على إنتاج أنشطة متنوعة، وإنما يمتد إلى تحليل ما يظهره المتعلم من بيانات، وربطها بالاستجابة التعليمية المناسبة، ومتابعة أثر هذه الاستجابة وتعديلها مع تغير أدائه.
وتتضح القيمة الحقيقية لذلك في الانتقال من معرفة أن المتعلم يواجه صعوبة إلى فهم طبيعة هذه الصعوبة. ففي درس النحو، مثلًا، قد تكشف إجابات المتعلمين أن بعضهم يخلط بين الفاعل والمفعول به، بينما يعرف آخرون القاعدة، لكنهم يخطؤون عند تطبيقها. وهنا لا تكون الاستجابة المناسبة بتقديم شرح نحوي جديد للجميع، وإنما بتقديم معالجة تتناسب مع طبيعة الصعوبة، فقد يحتاج أحد المتعلمين إلى مراجعة المفهوم الأساسي، بينما يحتاج آخر إلى تدريبات تطبيقية، وقد ينتقل ثالث إلى مهمة أكثر تعقيدًا.
الفرق الحقيقي ليس بين استخدام الذكاء الاصطناعي وعدم استخدامه، وإنما بين استخدامه لإنتاج المحتوى التعليمي، واستخدامه لفهم المتعلم وتوجيه التدريس وفق احتياجاته، فإذا طلب المعلم من أداة للذكاء الاصطناعي إعداد مجموعة من الأسئلة أو الأنشطة، فإنه يكون قد استفاد من قدرتها على توليد المحتوى، لكن هذا الاستخدام لا يصبح تكيفيًا لمجرد أن المحتوى أُنتج بالذكاء الاصطناعي. فالتدريس التكيفي يبدأ عندما تنتقل بيانات المتعلم من مجرد نتائج تُرصد إلى معلومات تُستخدم في اتخاذ القرار التدريسي، فتحلل استجاباته، وتُفسَّر أنماط أدائه، وتُحدَّد جوانب القوة والحاجة لديه، ثم تُبنى في ضوء ذلك القرارات المتعلقة بما يتعلمه، وكيف يتعلمه، وما النشاط أو الدعم الذي يحتاج إليه في الخطوة التالية.
وهنا تتغير وظيفة الذكاء الاصطناعي من إنتاج ما يمكن أن يتعلمه المتعلّم إلى المساعدة في تحديد ما يحتاج إلى تعلمه، وكيف يمكن أن يتعلمه، وهذه نقلة مهمة؛ لأن المحتوى الجيد في ذاته لا يعني أنه مناسب لكل متعلم، فقد يكون النشاط مناسبًا لمتعلم، لكنه سهل جدًا لآخر أو صعب عليه، وقد تكون المشكلة في المعرفة نفسها، أو في القدرة على تطبيقها، أو في الانتقال بها إلى موقف جديد. ومن ثم، فإن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في قدرته على إنتاج عدد أكبر من البدائل، ولا تكمن القيمة في البديل ذاته، بل في مدى ملاءمته للحاجة التعليمية التي تكشفها بيانات المتعلم.
لذلك، لا تُعد بيانات التعلم مجرد سجلات لما أنجزه المتعلم، بل مؤشرات تساعد المعلم على تحديد حاجته واتخاذ القرار المناسب. فالخطأ، وزمن الاستجابة، ونمط الإجابات، والمحاولات المتكررة، ومستوى الإنجاز، تكشف جوانب من تعلمه، لكنها لا تصبح ذات قيمة تعليمية إلا بعد تفسيرها وتوظيفها في قرار تدريسي مناسب، ومن ثم، لا يسير التدريس التكيفي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في مسار آلي من البيانات إلى الخوارزمية إلى النشاط، بل في حلقة تربوية متتابعة وفق الآتي :
تبدأ العملية ببيانات التعلم التي تكشف حاجة المتعلم، ثم تُفسَّر هذه الحاجة لتوجيه القرار التدريسي، ويترجم القرار إلى استجابة تعليمية مناسبة، ويُقوَّم أثرها، ثم تُستخدم نتائج التقويم في إعادة تكييف التدريس.
والتدريس التكيفي لا يعني أن يجمع النظام بيانات عن المتعلم، ثم يغير مستوى الأسئلة تلقائيًا؛ فالمسألة أعمق من ذلك. تبدأ العملية بملاحظة أداء المتعلم، ثم فهم ما يكشفه هذا الأداء عن حاجته، واختيار التدخل المناسب، ومتابعة أثره، ثم تعديل التدريس مرة أخرى إذا اقتضت الحاجة.
وهنا تبرز أهمية المعلم. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كمّ كبير من البيانات، واكتشاف أنماط قد يصعب ملاحظتها في الصف، ومقارنة أداء المتعلمين، واقتراح طرائق مختلفة للتعامل معهم، لكنه لا يستطيع أن يفهم دائمًا لماذا أخطأ المتعلم أو لماذا نجح. فقد يكون الخطأ ناتجًا عن ضعف في الفهم، أو عن طريقة عرض المحتوى، أو عن تشتت الانتباه، أو عن ظرف عابر لا يظهر في البيانات، ولهذا تبقى للمعلم مهمة أساسية، هي: أن يفهم ما وراء الأرقام، وأن يقرر ما التدخل المناسب يحتاج إليه المتعلم فعلًا.. ومن هنا يمكن التمييز بين التكيف التقني والتكيف التربوي، فالتكيف التقني قد يعني أن ينتقل المتعلم تلقائيًا إلى أسئلة أصعب؛ لأنه أجاب عن عدد من الأسئلة بصورة صحيحة. أما التكيف التربوي، فيذهب إلى ما هو أبعد، إلى : ما الذي يحتاجه هذا المتعلم الآن؟ ولماذا؟ وما الطريقة الأنسب لمساعدته على التقدم؟
وهذه النقطة هي جوهر التدريس التكيفي الحقيقي، والتي تكمن في أنه: ليست قيمة الذكاء الاصطناعي في أن يتخذ القرار بدلًا من المعلم، وإنما في أن يمنح المعلم صورة أوسع وأدق عن تعلّم طلابه، تساعده على اتخاذ قرار تربوي أفضل.
لذلك، فإن وجود الذكاء الاصطناعي لا يجعل التدريس تكيفيًا تلقائيًا، كما أن كثرة الأنشطة التي ينتجها لا تعني أن التعليم أصبح أكثر تخصيصًا؛ لأن المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت المعلومات التي يجمعها النظام، ويحللها تؤدي إلى تغيير ذي معنى في القرار التدريسي، ثم إلى استجابة جديدة، ثم إلى إعادة تقويم تسمح بتعديل هذا القرار مرة أخرى.
كما ينبغي ألا يحوّل التدريس التكيفي المتعلم إلى قالب ثابت؛ فاحتياجاته قد تتغير من مهارة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر، مما يتطلب تكيفات مرنة قابلة للمراجعة. كما أن بيانات التعلم لا تكشف دائمًا السبب الحقيقي وراء أداء المتعلم؛ فقد يكون بطء الاستجابة أو الخطأ ناتجًا عن حاجته إلى وقت أطول للتفكير أو صعوبة في استخدام المنصة، لا عن ضعف في الفهم؛ لذلك تظل خبرة المعلم ضرورية لتفسير البيانات والتحقق من دقة مخرجات الذكاء الاصطناعي، وتوجيه التكيف بما يخدم حاجة المتعلم فعلًا. فالمعلم لا يحتاج إلى الذكاء الاصطناعي؛ ليخبره بأن المتعلمين مختلفون، وإنما ؛ ليساعده على فهم هذه الاختلافات بدقة أكبر والاستجابة لها بمرونة أكبر، وبناء عليه يتم التأكيد أنّ قيمة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في أن يحلّ محلّ المعلم، أو ينتج محتوى أكثر، بل في أن يساعد المعلم على الانتقال من تعليم يتكيّف معه جميع المتعلمين إلى تعليم يتكيّف هو مع المتعلمين، بما يجعل التعلّم أكثر إنسانية واستجابة وقدرة على دعم نمو المتعلّم وإنجازه.
** **
- أستاذ المناهج وطرق التدريس في جامعة المدينة العالمية