د. رنا بنت عبدالله الغامدي
تزامنت كتابة هذه الأسطر مع فوز منتخبنا الغالي بكأس الخليج. في المواسم الكروية نتابع المباريات، ونحلل ما يحدث في الملعب، وبنهاية كل بطولة تبدأ النقاشات والتحليلات، وقد يتخللها بعض التعصب لفريقنا المفضل.
ولعالم الأكاديميا مواسمه الخاصة أيضًا، ويمكن تشبيه هذا العالم بكرة القدم: دوريات، وكؤوس، وميداليات وتصنيفات. جامعات تتقدم، وأخرى تتراجع، وجمهور يقرأ الأرقام ويحاول تفسيرها. غير أن المنافسة الأكاديمية تدور غالبًا في كواليس بعيدة عن البث المباشر؛ في الفصول الدراسية وفي المختبرات، أو بين صفحات الأبحاث والشراكات المعرفية.
هذا العالم أيضًا له نجومه الصاعدون، ومراكزه المتبدلة، وعناوينه الإعلامية، ففي خريف 2026 بدأت إعلانات جوائز نوبل، وصدرت النسخة الجديدة من القائمة المعروفة باسم (ستانفورد)، فيما استمر صدى إعلانات تصنيف QS وتايمز وشنغهاي التي صدرت تباعًا خلال العام. فإذا كانت التصنيفات العالمية أشبه بكأس العالم للجامعات، فإن جائزة نوبل هي الكرة الذهبية في عالم المعرفة؛ تتجه الأنظار فيها إلى عدد محدود من نخبة العلماء الذين بلغ أثر اكتشافهم مدى استثنائيًا يستحق الإشادة والاعتراف الدولي. أما قائمة (ستانفورد) لأفضل 2 % من العلماء فهي أقرب إلى تصنيف الفيفا: قائمة عالمية متجددة، تمنح الاعتراف، وتثير الجدل حول معاييرها في الوقت نفسه.
في كرة القدم قانون واحد وقواعد معلنة. أما في التصنيفات العالمية، فلكل جهة تعريفها الخاص للجامعة المتميزة. فـيركّز تصنيف (QS) على السمعة الأكاديمية والبحث والتوظيف والانفتاح الدولي، بينما يجمع (تايمز) بين التعليم والبحث والانفتاح الدولي وعلاقة الجامعة بالشركات وتحويل أبحاثها إلى أثر اقتصادي. أما (شنغهاي) فهو تصنيف بحثيّ بحت، يعتمد على الجوائز والاستشهادات والنشر المرموق؛ بل إن جائزة نوبل نفسها تدخل في حسابه، إذ يمنح نقاطًا للجامعات التي تخرّج فيها حائزو نوبل أو يعملون بها.
وقد ارتفع حضور الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية من خمس جامعات في العقد الماضي إلى أكثر من 30 جامعة. ويؤكد اختلاف معايير التقييم أن صدارة هذه التصنيفات تتبدّل من قائمة إلى أخرى؛ وفي أحدث نسخ هذه التصنيفات تصدّرت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الجامعات السعودية في تصنيفي QS وتايمز، فيما تصدّرت جامعة الملك سعود الجامعات السعودية في تصنيف شنغهاي.
ويأتي هذا التقدم بالتوازي مع ما أعلنه مجلس شؤون الجامعات، من تقدم المملكة من المركز 40 إلى 18 عالميًّا في ركيزة رأس المال البشري والبحث. وحلول المملكة في المركز 19 عالميًّا في الالتحاق بالتعليم العالي، و13 في خريجي تخصصات العلوم والهندسة، و49 في الطلاب الدوليين.
وهذا يعزز من تطور منظومة التعليم العالي السعودية وقدرتها على المنافسة وجذب الشراكات والكفاءات.
التصنيفات مهمة لأنها تضع الجامعة على الخريطة، وتوضح موقعها بين نظيراتها محليًّا وعالميًّا، كما تساعد الطالب والباحث والشريك الدولي على اتخاذ قراراتهم.
وتتيح للمؤسسة التعليمية مراجعة المؤشرات وكشف مواطن القوة والضعف، وتحسين الأثر. وقد أدرجت رؤية السعودية 2030 دخول خمس جامعات ضمن أفضل 200 عالميًا هدفًا وطنيًّا. لكن قيمة التصنيف لا تكمن في الرقم وحده، ولا ينبغي أن يتحول المركز إلى الغاية الوحيدة؛ فتُدار الجامعة لأجل المؤشر، ويصبح الطالب وجودة التعليم في الهامش.
ولهذا طورت دول عدة أطرًا محلية لقياس ما يخص منظومتها التعليمية، ففي المملكة المتحدة، يصدر (الدليل الكامل للجامعات) والذي يتضمن جداول سنوية لمراكز الجامعات البريطانية وفق جودة البحث ورضا الطلاب وفرص الخريجين، وفي الولايات المتحدة، يستخدم (إطار كارنيغي) والذي يقدم تصنيفًا مؤسسيًّا يجمع الجامعات المتشابهة في رسالتها ونشاطها البحثي ونتائج خريجيها.
أما الصين، فتصدر مؤسسة شانغهاي تصنيف (أفضل الجامعات الصينية)، والذي يضعها ضمن قوائم تراعي التخصصات، وتقيس جودة التعليم، والقوة العلمية، والموارد، وتنمية المواهب، والبحث، وخدمة المجتمع، والقدرة التنافسية الدولية.
لذلك من المهم الاسترشاد بمقاييس محلية أكثر قدرة على فهم اختلاف جامعاتنا. ومن هنا تبرز أهمية التصنيف السعودي العالمي لمؤسسات التعليم العالي (صقر) والذي أطلقته «هيئة تقويم التعليم والتدريب» عام 2023. وبحسب منهجيته المنشورة على موقع الهيئة، يقدّم (صقر) قراءة أوسع لأداء المؤسسات التعليمية محليًّا، ويتتبع جودة التعليم ونتائج الخريجين والبحث والابتكار ونقل المعرفة وخدمة المجتمع.
ويعتمد (صقر) حاليًا فئتين: الفئة التعليمية التي تشمل مؤسسات التعليم العالي، والفئة الشاملة للجامعات ذات النشاط البحثي. كما تُستكمل بيانات المؤسسات باستطلاعات وبيانات وطنية ومصادر بحثية ومهنية متعددة، فلا يقتصر القياس على ما ترفعه الجامعة وحدها. وقد أتاحت الهيئة تفاصيل المنهجية ومراحل جمع البيانات وتدقيقها عبر موقعها، لكن لا تتضح حتى الآن المقارنة بين الجامعات وفق فئات مجلس شؤون الجامعات الخمس: الشاملة، والتدريسية، والبحثية، والتخصصية، والتطبيقية. وأرى أن تطوير المقارنات داخل هذه الفئات سيجعل القياس أكثر عدالة؛ فالجامعة التطبيقية في محافظة لا ينبغي أن تُقاس بالمعايير نفسها التي تقاس بها جامعة بحثية كبرى في العاصمة.
وأعلنت الهيئة سابقًا عن نتائج الدورة التأسيسية لـ(صقر) بمشاركة 54 مؤسسة تعليمية، وأتاحت لهذه المؤسسات تقارير وبطاقات تفصيلية عبر المنصة الرقمية. لكنني لم أجد ضمن المواد المتاحة للجمهور نتائج تفصيلية تتيح للقارئ الاطلاع على أداء كل جامعة ومقارنتها بغيرها. وسيكون من المهم أن تُعلن نتائج الدورة الثانية بصورة مبسطة وسهلة القراءة لغير المتخصصين؛ لأنها تمنح القارئ سياقًا محليًا لفهم ما تعنيه المراكز العالمية. فالطالب وولي الأمر وصاحب العمل والمجتمع تهمهم معرفة جودة التجربة التعليمية وفرص العمل بعد التخرج، ومدى مواءمة المخرجات لاحتياجات سوق العمل.
تواجد الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية مكسب وطني مهم، لكن الأهم أن تتيح هذه المراكز الفرصة للتحسين والتطوير، لا أن تكون مجرد أرقام نتابعها كما نتابع نتائج الفرق الرياضية فنختزل النقاش في: جامعتي أفضل من جامعتك. فالانتماء الحقيقي لا يقتصر على الفخر بمركز الجامعة أو تقدمها، بل يظهر حين يرى كل طالب وعضو هيئة تدريس وموظف في هذه النتائج دافعًا للمشاركة في تطوير جامعته وتعزيز أثرها.