د. إبراهيم بن جلال فضلون
ليست كل قوةٍ تملك الصاروخ قادرةً على صناعة النصر، وليست كل دولة تتعرض للتهديد دولةً تقف على حافة السقوط، فقد اتخذ الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- خطوته الشجاعة في رسالة حازمة للقوى الكبرى المتضامنة مع الاحتلال قائلاً: «لا نفط للعالم ومصر تحارب، وحرب مصر هي حرب الأمة كلها»، وتابع -عليه رحمه الله- في موقفه الشهير: «كنا نعيش تحت الخيام، ونستطيع أن نعود إليها، فلئن نخسر المال ولا نخسر الشرف.. والله لا قطرة نفط لهم وإخواننا المصريون في الحرب».
حين يصبح التهديد دليلًا على المأزق
إننا لا نخشى شيئًا مادامت كلمتنا واحدة وصفنا متضامنًا، لكن ثمة خطأ متكرر في قراءة المشهد اليمني، يتمثل في التعامل مع التصعيد الحوثي باعتباره دليلًا قاطعًا على قوة الجماعة الحوثية، فيما قد يكون بعض هذا التصعيد تعبيرًا عن مأزقها في إدارة النفوذ، وحاجتها المستمرة إلى إثبات قدرتها الواهية على فرض الحضور، وإبقاء أتباعها داخل دائرة التعبئة، وتحويل الصراع إلى مبرر دائم لاحتكار القرار والسلاح بالإرهاب الدولى، لرفع سقف المواجهة محاولة تعويض عجزها عن بناء دولة قابلة للحياة، أو صرف الأنظار عن التناقض بين وعودها السياسية والواقع الذي يعيشه السكان تحت سلطتها وكلاهما ضدها.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق أن يتوقف عندها المحللون: ما الذي تريده الحوثية من استمرار التوتر؟ وما الذي تكسبه من توسيع دائرة الخصومة؟ والأهم، هل تتناسب المكاسب الدعائية التي تحققها مع المخاطر الاستراتيجية التي تضع نفسها واليمن والمنطقة أمامها؟، فمنذ استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014، لم تعد الأزمة مجرد خلاف على السلطة داخل اليمن، بل أصبحت نموذجًا لكيفية استثمار انهيار المؤسسات، والاستفادة من مخزونات الدولة العسكرية، وبناء تحالفات مؤقتة مع خصوم الأمس، ثم استخدام القوة لفرض واقع سياسي جديد، وقد وكان تحالفهم مع علي عبدالله صالح، على الرغم من التباعد الفكري والسياسي بينهما، شاهدًا على أن المصلحة قد تتقدم على العقيدة حين تتاح فرصة الاستحواذ على الدولة، لكن التحالف الذي مكّنهم من توسيع نفوذهم لم يكن أبديًا، لينتهي بمقتل صالح في ديسمبر 2017، لتظهر حقيقة لا يجوز تجاهلها: الجماعة التي تستفيد من الحلفاء ما دامت مصالحهم متقاطعة معها قد تتحول إلى خصم لهم حين يصبح وجودهم عائقًا أمام احتكارها للسلطة كما هم الحوثيون.
هذه ليست تفصيلة من تاريخ الحرب اليمنية؛ إنها مفتاح لفهم طبيعة المشروع السياسي الحوثي، وحدود الثقة في تحالفاته، والمخاطر التي تنشأ حين تصبح القوة المسلحة مرجعًا أعلى من الدولة والقانون.
إيران.. الدعم لا يلغي المسؤولية
السؤال عن علاقة الحوثية بالخمينية أعمق من الاختيار بين وصف الجماعة بأنها تابعة بالكامل لإيران أو مستقلة عنها تمامًا، وكليهما يُضعف التحليل، لأن النفوذ الخارجي لا يحتاج إلى إلغاء الشخصية المحلية للحليف حتى يصبح مؤثرًا في قراراته وقدرات، فإيران دولة تمتلك مؤسسات وخبرات عسكرية وشبكات نفوذ إقليمية، فيما نشأت الحركة الحوثية في بيئة يمنية لها تاريخها السياسي والاجتماعي والمذهبي الخاص. وقد أتاح التلاقي بين الطرفين مجالًا للتعاون في ملفات عسكرية وسياسية، بينما وفرت الحرب اليمنية للحوثيين الإرهابيين فرصًا للاستفادة من انهيار مؤسسات الدولة، والسيطرة على مخزون من أسلحتها، ثم تطوير قدراتها بمساعدة خارجية، وفق ما تناولته تقارير دولية بشأن التسليح ونقل التكنولوجيا. إلا أن فهم هذه العلاقة لا يكتمل بالقول إن إيران تدعم الحوثيين، السؤال الاستراتيجي هو: كيف يتحول الدعم إلى قدرة عملياتية؟، وكيف تنتقل المكونات والخبرات إلى منظومات سلاح؟، وكيف تتكيف شبكات الإمداد مع الضغوط والاعتراضات؟، وما الذي يجعل الحوثيين قادرين على الاستمرار رغم ما تتعرض له من استهداف وعزلة؟.
هذه الأسئلة أكثر قيمة من الاكتفاء بترديد أسماء الأسلحة أو تضخيم أعدادها، لأنها تبحث في البنية التي تنتج التهديد، لا في مظاهره وحدها، وفي المقابل، فإن نسبة كل قرار حوثي إلى طهران مباشرةً تعفيهم من مسؤولية إرهابها، وتمنحها فرصة لتقديم نفسها باعتبارها مجرد طرف في صراع أكبر، لا جهة تتخذ قرارات تؤثر في اليمنيين ومحيطهم، والصواب أن الدعم الإيراني، حيث تثبته الأدلة، لا يلغي المسؤولية السياسية والعسكرية للقيادة الحوثية عن أفعالها الإجرامية، كما أن استقلال بعض حساباتها المحلية لا ينفي أثر الدعم الخارجي في تعزيز قدراتها. أما الجدل بشأن اتجاه التأثير الفكري بين الخمينية والزيدية، فلا يُحسم بالشعارات أو التشابه الظاهري، فهو موضوع يحتاج إلى دراسة تاريخية للنصوص والتحولات السياسية والفقهية، تميز بين الاختلافات المذهبية، والتأثيرات الفكرية، والتوظيف السياسي للدين، فليس كل تقارب في الخطاب دليلًا على تطابق في الجذور، وليس كل اختلاف في الأصل مانعًا من بناء تحالف شديد التماسك حين تتلاقى المصالح.
السلاح الذي لا يصنع دولة
تكشف التجربة اليمنية أن امتلاك السلاح قد يمنح ميليشيا الحوثيين قدرةً على تعطيل الدولة، لكنه لا يمنحها تلقائيًا القدرة على بناء دولة مستقرة، فالسيطرة على العاصمة لا تعني السيطرة على المستقبل، والقدرة على إطلاق الصواريخ لا تعني امتلاك اقتصاد مُنتج، أو مؤسسات تحظى بقبول وطني، أو مشروع يستطيع إخراج المجتمع من الحرب والفقر والخوف. وهنا تتضح المفارقة الحوثية، فكلما توسعت هذه الميليشيا في استخدام القوة خارج إطار الدولة، ازدادت أهمية السؤال عن الثمن الذي يدفعه اليمن، لأن المغامرات العسكرية لا تُقاس بنتائجها الدعائية وحدها، بل بما تتركه من أضرار على الاقتصاد، وفرص العمل، والبنية التحتية، وحياة المدنيين، وإمكانات إعادة بناء المؤسسات.
وقد أظهرت التطورات في البحر الأحمر أن توسيع المواجهة لا يبقى محصورًا في حدود اليمن، بل يتعداه لأن استهداف السفن أو تهديد الملاحة يضع التجارة الدولية أمام مخاطر إضافية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الاقتصادات التي تعتمد على انسياب التجارة والطاقة، وبالتالي تتحول قرارات الحوثيين إلى عامل اضطراب يتجاوز النزاع الداخلي، فيما لا يضمن التصعيد لها تحقيق مكاسب سياسية مستدامة، ولا يعني ذلك التقليل من خطورة القدرات العسكرية الحوثية؛ فالتهديد الذي يمكن أن يوقع أضرارًا بالمدنيين أو المنشآت أو حركة الملاحة يستحق التعامل معه بجدية، غير أن الجدية تختلف عن التهويل، كما تختلف عن الاعتقاد بأن كل عملية عسكرية تمثل انتصارًا استراتيجيًا.
فالانتصار الحقيقي ليس في إطالة أمد الصراع، بل في امتلاك القدرة على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار. ومن يعجز عن تقديم هذه النتيجة قد يجد نفسه أسيرًا لآلة تصعيد يحتاج إلى تشغيلها باستمرار كي يبرر استمرار سلطته.
السعودية.. قراءة تتجاوز ضجيج التهديد
في كل مرحلة تاريخية مفصلية، تطل علينا أصوات غربية أو إقليمية تراهن على تصدع النموذج الخليجي وفي مقدمته النموذج السعودي، متوهمة أن الهزات المحيطة قادرة على زعزعة أركان الدولة الكبرى. فكلما تصاعد التهديد الحوثي للمملكة، ظهرت قراءات تتعامل مع المشهد وكأن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة كافٍ لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة. غير أن هذا المنطق يخلط بين القدرة على إيقاع الضرر والقدرة على تحقيق نصر استراتيجي؛ فالأولى قد تمتلكها جماعة مُسلحة، أما الثانية فتتطلب أهدافًا قابلة للتحقق، وموارد مستدامة، وقدرة على إدارة النتائج السياسية والاقتصادية للمواجهة.
إن السعودية، بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وسياسي ومؤسسات دفاعية وعلاقات دولية واسعة، لا تُقاس مكانتها بغياب التهديدات عنها، بل بقدرتها على حماية مصالحها والتعامل مع المخاطر دون السماح لها بتعطيل مشروعها الوطني. ولا يعني ذلك أنها بمنأى عن الخطر، وإنما أن تقدير الموقف ينبغي أن يستند إلى موازين القوة الفعلية، لا إلى الدعاية التي يروّجها الخصوم أو التهويل الذي تتبناه بعض القراءات، وتبقى الأولوية في التعامل مع الاعتداءات الحوثية حماية المواطنين والمنشآت الحيوية، وتعزيز الردع، وملاحقة مصادر التهديد، بالتوازي مع دعم مسار سياسي يعيد للدولة اليمنية قدرتها على احتكار السلاح المشروع. فمواجهة الجماعة لا تستلزم تحويل الصراع إلى خصومة مع اليمن وشعبه، بل تقتضي الفصل بين مجتمع أنهكته الحرب وتنظيم يفرض خياراته بالقوة.
مصر والسعودية.. شراكة تتجاوز التصريحات
في هذه المعادلة، تكتسب العلاقة المصرية السعودية وزنًا يتجاوز التضامن السياسي التقليدي، فإعلان الرئيس السيسي، أنّ أي إجراء لحماية المملكة والدفاع عنها سيُنفَّذ طبقاً لتوجيهات الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد يحمل دلالة بالغة الأهمية، وهي أن القيادة المصرية لا تتعامل مع الرياض كحليفٍ خارجي يُدار التنسيق معه وفق موازين الربح والخسارة فحسب، بل كعمقٍ عربي تتوحّد معه الإرادة السياسية حتى في أخطر الملفات وأكثرها حساسية، وهو ملف الأمن القومي والدفاع عن السيادة. كرسالة طمأنةٍ للرياض بأن أمنها ليس محلّ مساومة، وأن التفويض الشعبي المصري سيكون خلف أي خطوةٍ دفاعية عند الحاجة.
إن أمن المملكة يرتبط باستقرار البحر الأحمر وسلامة الملاحة، وهي ملفات تمس المصالح المصرية مباشرة بحكم الموقع الجغرافي وأهمية الممرات البحرية للاقتصاد الإقليمي والدولي. ومن ثم، فإن التقاطع بين مصالح القاهرة والرياض ليس افتراضًا عاطفيًا، بل حقيقة استراتيجية تفرضها الجغرافيا وتشابك المصالح، التي تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون عملي عبر تنسيق المواقف الدبلوماسية، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات العابرة للحدود، ودعم أمن الملاحة، وتعزيز التعاون الدفاعي وفق الأطر الرسمية، والعمل مع الشركاء الدوليين على الحد من تدفق الأسلحة والمكونات العسكرية إلى الجماعات المسلحة، والقيمة الحقيقية للعلاقة بين البلدين تظهر في استمرارية التنسيق وقدرته على حماية المصالح المشتركة، لا في المبالغة الخطابية.
من اعتراض السلاح إلى معالجة جذور الأزمة
إن تفكيك شبكات التسليح والتمويل المرتبطة بالحوثيين ضرورة أمنية، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء التهديد. فاعتراض الشحنات ومراقبة مسارات التوريد يجب أن يترافقا مع تعاون استخباراتي وقانوني دولي، وفحص دقيق للأدلة التي تحدد مصادر المكونات ومسؤولية الجهات المتورطة في نقلها أو استخدامها عسكريًا. فبلد المنشأ وحده لا يثبت مسؤولية الحكومة، كما أن ضبط شحنة لا يكشف بالضرورة عن الشبكة كاملة، وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الأمن الإقليمي عن مستقبل اليمن. فاستمرار انقسام المؤسسات واحتكار السلاح خارج إطار الدولة يوفران بيئة قابلة لتجدد الصراع، مهما تغيرت موازين المواجهة. لذلك، فإن المسار الأكثر استدامة يجمع بين ردع الاعتداءات، وتقليص مصادر التسليح، ودعم تسوية سياسية تعيد القرار الوطني إلى مؤسسات يمنية جامعة.
وقفة: إن الأوطان العظيمة لا تنحني للعواصف، بل تخرج من أتون المحن أشد صلابة وأكثر إصراراً على حماية كرامتها وصون مستقبل أبنائها، فمعركة الأمة ضد مشاريع الهيمنة الحوثية والخمينية ليست معركة حدود مستباحة فحسب، بل هي معركة مصيرية بين منطق الدولة الوطنية القائمة على القانون وسيادة القانون والتنمية، ومنطق الميليشيا القائم على الخراب والتبعية والتوحش. والمملكة ومصر، بإرادتهما الصلبة وتاريخهما العريق، تمضيان معاً لصياغة مشهد عربي جديد يرفض الوصاية ويحمي المكتسبات ويصنع المستقبل بثقة واقتدار.