سليمان بن صالح المطرودي
بين الفينة والأخرى، ولا سيما في أوقات الأزمات والتوترات السياسية، تشهد منصات التواصل الاجتماعي حملات من الإساءة غير المسؤولة للمملكة العربية السعودية، تشارك فيها حسابات إلكترونية، إلى جانب بعض المغردين والإعلاميين والمشاهير من دول شقيقة، تتجاوز في خطابها حدود الاختلاف المشروع إلى استهداف القيادة والرموز الوطنية والشعب والتاريخ والمنجزات.
وحين يرد مغردون سعوديون على تلك الإساءات، دفاعًا عن وطنهم وقيادتهم ومكتسباتهم، تتعالى من بعض الأطراف دعوات إلى التهدئة وضبط النفس وعدم الانجرار إلى المهاترات؛ بل قد تُطرح روايات توحي بأن الجانب السعودي هو من بدأ التصعيد، في مشهد يستدعي المثل الشهير: (ضربني وبكى، وسبقني واشتكى).
والمقصود هنا ليس جنسية أحد، ولا تحميل شعب بأكمله مسؤولية تصرفات بعض أفراده، وإنما نقد سلوك يتناقض مع أبسط قواعد الإنصاف: أن يشارك المرء في التصعيد، ثم حين يواجه الرد، يتصدر المطالبين بالتهدئة، ويقدم نفسه بوصفه الطرف المتضرر، متجاهلًا ما سبق من أقوال ومواقف أسهمت في تأجيج الخلاف.
فالتهدئة مطلوبة، والحوار المحترم ضرورة، وضبط النفس قيمة لا يختلف عليها العقلاء.
لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى تسلسل الوقائع، والتمييز بين من بدأ بالإساءة ومن رد عليها، ومحاسبة كل طرف على ما صدر عنه، بدلًا من اجتزاء الأحداث أو قلب الأدوار أو مطالبة طرف واحد بتحمل مسؤولية التهدئة.
إن الدعوة إلى تجاوز المهاترات وتغليب الحكمة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتجاوز أسباب المشكلة، أو إلى مطالبة المتضرر بالصمت فيما تستمر الممارسات التي تستفزه. فالتهدئة الحقيقية لا تبدأ من لحظة الرد فحسب، بل من منع الإساءة التي تسبق الرد، ومعالجة الأسباب التي تدفع نحو التصعيد.
ومن هذا المنطلق، فإن المغرد السعودي الذي يدافع عن وطنه وقيادته ومكتسباته لا يجوز أن يُدان لمجرد أنه رد على إساءة، كما لا ينبغي أن يكون الدفاع عن الوطن مبررًا للإساءة المقابلة أو تجاوز حدود المسؤولية. فرفض التجاوزات يجب أن يكون مبدأً ثابتًا، لا موقفًا انتقائيًا يتغير بحسب هوية الطرف الذي صدرت عنه الإساءة.
نحن مع التهدئة، ومع صون الأخوّة الخليجية والعربية، ومع الحوار الذي يحفظ الود والاحترام المتبادل؛ لكننا لسنا مع ازدواجية المعايير، ولا مع مطالبة الآخرين بضبط النفس في الوقت الذي تُترك فيه أسباب التوتر ومصادر الاستفزاز دون معالجة.
ويا من تنادون بتغليب الحكمة وضبط النفس، فإن من مقتضيات هذه الدعوة العمل على وقف الإساءات والاستفزازات الصادرة عن الحسابات التي تستهدف المملكة، وعدم الاكتفاء بدعوات عامة إلى نبذ التناكف.
فمن يملك القدرة على الحد من هذه الممارسات، ثم يتجاهلها أو لا يبذل ما يكفي لمعالجتها، يتحمل مسؤولية تتناسب مع دوره وقدرته على التأثير.
إن الأخوّة الخليجية والعربية أكبر من أن تُختزل في شعارات تُرفع عند اشتداد الخلاف، ثم تُهمَل مقتضياتها عند الممارسة.
فهي مسؤولية متبادلة، تقوم على احترام الدول وسيادتها، وعدم التدخل في شؤونها، والامتناع عن استهداف قياداتها ورموزها الوطنية ومشاريعها ومنجزاتها.
أوقفوا أسباب الاستفزاز، تتراجع دوافع الردود، واجعلوا التهدئة مبدأً سابقًا للتصعيد ولاحقًا له، لا شعارًا يُرفع حين تتغير موازين المواجهة.
فالأخوّة لا تصونها الشعارات الرنانة وحدها؛ بل تصونها المواقف الصادقة، والإنصاف في الحكم، والالتزام المتبادل بأخلاقيات الاختلاف؛ إذ لا تستقيم التهدئة بقلب الحقائق، ولا تُبنى العلاقات الراسخة على ازدواجية المعايير.