محمد بن عبدالله العتيق
ليست المملكة العربية السعودية دولةً عابرة في حسابات المنطقة، ولا وطنًا يمكن استهداف أمنه بالمناورات السياسية أو الاحتماء خلف شعارات الأخوة. فمن يعلن تضامنه مع المملكة، ثم يتيح من وراء الأبواب ما يهدد أمنها أو يسهّل الاعتداء عليها، تكشفه أفعاله مهما حاول إخفاء حقيقة موقفه. فالعلاقات لا تُقاس بالتصريحات، والشجب والاستنكار يفقدان معناهما حين تناقضهما الممارسات على الأرض.
يعرف السعوديون تاريخ بلادهم جيدًا؛ تاريخ دولة لم تُبنَ في يوم وليلة، بل مرت بمراحل من التحديات والمعارك حتى توحدت على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، الذي جمع أجزاء البلاد تحت راية واحدة، وأرسى دعائم دولة امتلكت قرارها ومضت في بناء مؤسساتها وحماية سيادتها. ومنذ ذلك العهد، تعاقب أبناء الملك المؤسس على الحكم، واستمرت مسيرة الدولة حتى أصبحت المملكة صاحبة ثقل سياسي واقتصادي وعسكري على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تواصل المملكة تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز جاهزيتها الأمنية، بالتوازي مع مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي. فهي لا تقف متفرجة على ما يجري حولها، ولا تغفل عن الأخطار التي قد تستهدف أمنها، بل تدرك أن حماية الوطن تبدأ بالاستعداد، وأن الحفاظ على السلام يحتاج إلى قوة تحميه وقيادة تعرف كيف تدير الأزمات وتتعامل مع التحديات.
وتستند قوة المملكة إلى مقومات تتجاوز قدراتها العسكرية؛ فهي دولة ذات ثقل اقتصادي، ومكانة دينية، وحضور سياسي مؤثر، وعلاقات دولية واسعة. وتضطلع قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية بمسؤولية حماية الحدود والمنشآت والمقدرات الوطنية، مستندة إلى قدرات واستعدادات تتطور لمواكبة التهديدات. ويقف خلف هذه المنظومة شعب يعتز بوطنه ويلتف حول قيادته، ويعرف أن أمن البلاد وسيادتها مسؤولية مشتركة لا تقبل التهاون.
ومن يظن أن حرص المملكة على تجنب التصعيد يعني ضعفًا، أو أن انشغالها بالتنمية يعني غفلةً عن الأخطار، يخطئ في قراءة الدولة السعودية. فالحكمة ليست تراجعًا، وضبط النفس ليس عجزًا، والسعي إلى الحلول السياسية لا يعني التفريط في الحقوق. المملكة لا تبحث عن الحرب، لكنها لن تقبل أن يصبح أمنها مجالًا للمساومات، أو أن تُستغل علاقات الجوار والأخوة للإضرار بها.
أما الذين يرفعون شعارات الأخوة، ويعلنون رفض الاعتداء على المملكة، بينما تتيح مواقفهم أو أفعالهم ما يسهّل وقوعه، فإن التصريحات وحدها لا تكفي لتبرئة المواقف. فالفيصل هو ما تثبته الوقائع، لا ما يُقال أمام الكاميرات. ومن يثبت تورطه في دعم ما يهدد أمن المملكة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يتحمل مسؤولية أفعاله وتبعاتها. ولا تنطلي على دولة تعرف محيطها وتتابع ما يجري حولها محاولات إخفاء الأهداف خلف خطاب دبلوماسي منمق.
وللمملكة سجل طويل في مساندة الدول العربية والإسلامية، وتقديم المساعدات الإنسانية، والوقوف مع الشعوب في أوقات الشدة. وقد أسهمت عبر عقود في دعم دول واجهت ظروفًا اقتصادية وإنسانية صعبة، وهو ما يجعل مقابلة المعروف بالجحود أمرًا يثير الاستياء ويستحضر المثل العربي «جزاء سنمار». لكن المملكة لا تقيس قيمة مواقفها بردود أفعال الآخرين؛ فالمعروف يبقى معروفًا، والتاريخ يحفظ المواقف، ويفرق بين من يصون العهد ومن يتنكر له. وفي مثل هذه الظروف، تظهر حقيقة العلاقات، ويتبين الفرق بين من يحترم ويحفظ الود، ومن يبدل مواقفه وفق حساباته. فالعروبة الأصيلة لا تُقاس بالأنساب ولا بالشعارات، وإنما بالوفاء والمسؤولية واحترام سيادة الدول. ومن أراد علاقة مستقرة مع المملكة، فإن طريقها واضح: احترام متبادل، ووفاء بالعهود، وامتناع عن كل ما يهدد أمنها أو يمس مصالحها.
لقد أثبت التاريخ أن المكائد قد تحقق مكسبًا عابرًا، لكنها لا تصنع زعامة راسخة، وأن من يبني علاقاته على الغدر يبدد الثقة التي يحتاج إليها قبل أي نفوذ. أما المملكة، فتمضي في حماية مصالحها وبناء مستقبلها، مستندة إلى تاريخها ومؤسساتها وقيادتها وشعبها، ولا تجعل خصومات الآخرين معيارًا لقراراتها.
ولا يُلام المواطن السعودي حين يدافع عن وطنه، ويرفض المساس بأرضه وقيادته ومقدساته. فالدفاع عن الوطن حق أصيل، والغيرة عليه والذود عن أمنه وكرامته من أبسط حقوق المواطنة. وهذا المواطن الذي يفدي بلاده بروحه وماله وأبنائه، ويقدم كل ما يستطيع لحمايتها، لا يمكن أن يُلام على موقفه حين يرى وطنه مستهدفًا أو كرامته محل تجاوز. ومن حقه أن يعبّر عن اعتزازه ببلاده، وأن يرد على الإساءة بما يليق، ملتزمًا بالحكمة والمسؤولية. أما من يلومه على دفاعه عن وطنه، ويتوقع منه الصمت أمام التجاوزات، فعليه أن يدرك أن الولاء للأرض والوفاء للقيادة ليسا موضع اختبار أو مساومة. فالمواطن الذي يدافع عن وطنه لا يستحق اللوم، بل التقدير؛ واللوم الحقيقي يقع على من يتجاوز على الأوطان، ثم يستنكر على أبنائها أن يدافعوا عنها.
السعودية وطنٌ لا يُختبر، وقيادةٌ لا تُخدع، وتاريخٌ لا ينحني. لا تستمد المملكة قوتها من التهديد، ولا تثبت مكانتها بالصخب، بل بما تملكه من مقومات وقدرة على حماية أمنها وسيادتها. ومن يراهن على خلاف ذلك، أو يظن أن تعدد الوجوه يمكن أن يحجب حقيقة المواقف، عليه أن يدرك أن الدول تُعرف بأفعالها، وأن الثقة لا تُبنى بالكلام وحده.
ستظل المملكة العربية السعودية حريصةً على السلام، متمسكةً بحقها في الدفاع عن أرضها ومقدساتها وشعبها وكل من يقيم على ترابها، وصون سيادتها وحماية أمنها، والتصدي لكل تهديد يمس استقرارها أو يستهدف مقدراتها. فالأوطان يحميها تماسك شعوبها، وحكمة قياداتها، وقوة مؤسساتها، واستعداد قواتها المسلحة. أما الغدر، مهما تعددت وجوهه، فلا يصنع مجدًا دائمًا، بل يترك وراءه تاريخًا من انعدام الثقة والخسارة.