منصور بن صالح العُمري
ليست عظمة الأوطان فيما تملكه من أسباب القوة وحدها، بل فيما تصنعه بتلك القوة من أمنٍ للإنسان، وصونٍ لكرامته، وإغاثةٍ لملهوفه؛ فكم من قوةٍ أورثت الخوف، وكم من سلطانٍ اتسعت حدوده وضاقت رحمته! أما المملكة العربية السعودية، فقد جمعت، بفضل الله، بين بأسٍ يردع العدوان، ورحمةٍ تتجاوز الحدود، حتى غدا الحزم في سياستها حارسًا للحياة، والعطاء في رسالتها شاهدًا على شرف الغاية ونبل المقصد.
وما أبلغ هذا المشهد الذي تكتبه المملكة في سجل الإنسانية! يدٌ تحرس الأمن فلا تعبث به أيدي المعتدين، ويدٌ تمسح الدمع عن وجوه المكلومين؛ وعزيمةٌ لا تستكين أمام الإرهاب، وقلبٌ لا يغلق أبوابه دون المستضعفين. وليس بين اليدين تناقض؛ فكلتاهما تعملان للغاية نفسها: أن يأمن الإنسان على حياته، وأن يجد في هذه الحياة ما يستحق أن يعيش من أجله.
من جزر فيجي إلى الرياض.. رحلة الألم إلى الأمل
على ضفاف المحيط الهادئ، حيث تتناثر جزر فيجي بعيدًا عن الجزيرة العربية بآلاف الأميال، كانت هناك أسرة تحمل همًّا تنوء به الجبال؛ طفلان جمعتهما الأقدار في جسدٍ متصل، وقلبان صغيران ينتظران من رحمة الله فرجًا، ومن علم الإنسان سببًا للنجاة.
ولم تكن المسافة بين فيجي والرياض مجرد بحارٍ وقارات، بل كانت في وجدان تلك الأسرة مسافةً بين خوفٍ يطيل الليل، ورجاءٍ يترقب الصباح.
ثم أذن الله أن تمتد إليهما يدٌ من أرض الحرمين الشريفين، لا تسأل عن جنسيةٍ ولا لونٍ ولا معتقد، وإنما ترى في الإنسان نفسًا مكرمة، وفي الألم نداءً يستحق الإجابة، وفي إنقاذ الحياة عملًا من أشرف الأعمال.
وهكذا جاء نجاح العملية الرابعة والسبعين لفصل التوائم السيامية في المملكة، لا بوصفه رقمًا جديدًا في سجل الإنجازات الطبية فحسب، بل فصلًا جديدًا من فصول الرحمة حين تتخذ من العلم وسيلة، ومن الإتقان منهجًا، ومن كرامة الإنسان غاية.
وفي غرف العمليات بالرياض، حيث تجتمع العقول الماهرة والأيدي الأمينة، لا يُفصل جسدان فحسب، بل يُفتح بإذن الله بابان للحياة، ويُكتب لأبوين فصلٌ جديد من الرجاء، وتتحول دموعٌ طالما انحدرت خوفًا إلى دموعٍ تنحدر شكرًا وفرحًا.
وهنا تتجاوز الجراحة حدود الطب، لتصبح رسالةً أخلاقية بليغة: أن الوطن العظيم لا ينتظر أن يأتيه المحتاج إلى حدوده، بل تمتد رحمته إلى حيث يكون المحتاج.
حين تصبح الرحمة مشروع دولة
إن البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة، بما بلغه من خبرةٍ وريادةٍ عالمية، ليس إنجازًا عابرًا صنعته مصادفة، وإنما ثمرة رؤيةٍ بعيدة المدى، ورعايةٍ كريمة، وعملٍ مؤسسي تراكمت خبراته، حتى أصبح بابًا للأمل تتعلق به أسرٌ من أقطار الأرض.
ووراء هذه المنجزات رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ودعم ومتابعة سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وجهود فرقٍ طبية سعودية جعلت من العلم أمانة، ومن المهارة مسؤولية، ومن كل حياةٍ تُنقذ وسامًا أرفع من أوسمة التكريم.
وإذا كان الأطباء يكتبون نجاحهم بأدوات الجراحة، فإن الوطن يكتب رسالته بما يتركه ذلك النجاح في القلوب؛ فثمة أمٌّ ستضم طفلها وقد انقشع عن قلبها خوفٌ ثقيل، وأبٌ سيعود إلى دياره يحمل من الفرح ما يعجز لسانه عن وصفه، وطفلان ستكبر معهما حكاية أرضٍ بعيدة كانت، بعد فضل الله، سببًا في منحهما فرصةً لحياةٍ جديدة.
وأيُّ سفارةٍ أبلغ من دمعة امتنان؟ وأيُّ خطابٍ إلى العالم أصدق من طفلٍ يستقبل الحياة وقد أعانه الله على تجاوز محنته بأيدٍ سعودية؟
الحزم والرحمة.. وجهان لرسالة واحدة
ولعل أبلغ ما في المشهد السعودي أنه لا يفصل بين حماية الحياة وإنقاذها؛ فالدولة التي تواجه الإرهاب بحزم، وتحرس حدودها بيقظة، وتتصدى للعدوان بعزيمة، هي ذاتها التي تسخّر إمكاناتها لتضميد الجراح، وإغاثة المنكوبين، وعلاج المرضى، وإنقاذ الأطفال. فالحزم ليس نقيض الرحمة حين يكون عدلًا منضبطًا؛ بل هو سياجها الذي يحميها من عبث المعتدين.
وما قيمة مستشفى تُفتح أبوابه للعلاج إذا لم يكن وراءه أمنٌ يحرسه؟ وما جدوى يدٍ تمتد بالدواء إذا تُركت يد العدوان تعبث بالأرواح؟
إن الأمن ليس مجرد غياب الخوف، بل هو الأرض التي تنبت فيها الطمأنينة، وتزدهر عليها المعرفة، وتؤتي الرحمة ثمارها.
وفي هذا المعنى تتجلى هداية الإسلام الذي قامت عليه هذه البلاد، حيث يقول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32]. فما أعظم أن تتحول هذه المعاني من كلماتٍ تُتلى إلى أعمالٍ تُرى، ومن قيمٍ تُعلَّم إلى مؤسساتٍ تُنجز، ومن رحمةٍ تستقر في الضمائر إلى حياةٍ تنبض في أجساد الأطفال!
وطنٌ لا تقف إنسانيته عند حدوده
ليس من اليسير أن تبلغ دولةٌ من أسباب القوة ما يحفظ هيبتها، ثم تجعل من تقدمها العلمي والطبي جسرًا تعبر عليه الرحمة إلى أقاصي الأرض.
ولكن السعودية لا ترى في بعدها الجغرافي عن المحتاج عذرًا للتخلي عنه، ولا في اختلاف الألسنة والألوان حاجزًا دون الإحسان إليه؛ فهي لا تمنح المحتاج جنسيةً ليصبح جديرًا برحمتها، ولا تشترط عليه انتماءً ليكون أهلًا لعطائها، بل تنظر إليه من حيث هو إنسانٌ أكرمه الله. وما أروع أن يكون للوطن في ذاكرة الشعوب موضعان: موضع الهيبة في نفوس من يعتدي، وموضع المحبة في قلوب من أحسن إليهم!
إن القوة التي تُحسن حماية الإنسان جديرةٌ بالاحترام، ولكن القوة التي تحميه حين يخاف، وتسعفه حين يتألم، وتعينه على النهوض حين يعجز، تجمع إلى الاحترام محبةً لا تصنعها الخطب، ولا تشتريها الأموال.
حين تتحدث الأفعال.. تصمت المبالغات
إن بعض المنجزات يبلغ من جلاله أن المبالغة في وصفه تنتقص من قدره؛ لأن الحقيقة فيه أبلغ من الخيال.
وحين نشاهد طفلين جاءا من أقاصي المحيطات يخرجان من محنة الالتصاق إلى آفاق الحياة المستقلة، فإننا لا نحتاج إلى استدعاء ألفاظ المجد كلها؛ يكفي أن نتأمل وجه أمٍّ انقشع عنه الخوف، وأن نصغي إلى دعاء أبٍ أُعيد إلى قلبه الرجاء، لنعلم أن هناك من الأمجاد ما لا يُقاس بما يُقال عنه، وإنما بما يتركه من أثرٍ في حياة الناس. تلك هي البطولة الهادئة التي لا تُسمع فيها قعقعة السلاح، ولكن تُسمع فيها نبضات القلوب التي كتب الله لها النجاة. وتلك هي المكانة الأخلاقية التي لا تُفرض على القلوب بسلطان، بل تدخلها من أبواب الإحسان.
فإذا كانت الحدود ترسم مساحة الوطن على الخرائط، فإن الرحمة ترسم مكانته في القلوب؛ وحدود الجغرافيا تنتهي حيث تنتهي الأرض، أما حدود الإحسان فتمتد حيث يبلغ أثره.
وستبقى هذه البلاد، بإذن الله، قويةً حين يستدعي الحق قوة، رحيمةً حين ينادي الألم رحمة؛ لا يطغى بأسها على عدلها، ولا يشغلها حزمها عن إحسانها.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، وأدام عليها نعمة الإيمان والأمن والوحدة والرخاء، وبارك في علمائها وأطبائها وجنودها وكل يدٍ مخلصةٍ تعمل لرفعتها وخدمة الإنسان.
وما أجمل أن يُذكر الوطن فيقول المعتدي: هنا قوةٌ تردعني، ويقول المكلوم: هنا رحمةٌ تسعني، ويقول التاريخ: هنا أمةٌ عرفت كيف تحرس الحياة، وكيف تهبها، بعد الله، أسباب البقاء.