حسن اليمني
إن أخطر ما تفرزه الحروب يتمثل في تضخيم الشائعات وترويج الأخبار المضللة والتحليلات السياسية والعسكرية المسيّسة الموجهة، تلك التي تعمل على إحداث فراغ معرفي وإرباك في الوعي لدى قطاعات من المجتمع، وقد أسهم الوعي المجتمعي بفضل الله، في إحباط هذه المساعي الكثيرة من المغرضين وتجار الحروب، من خلال حضور سعة مساحة الوعي لدى الشعب السعودي وإيمانه العميق بكفاءة وقوة بلاده.
تستمر إيران رغم الحرب الأمريكية ضدها في إدارة ميليشياتها في بعض البلدان العربية وخاصة اليمن ضد المملكة العربية السعودية، ويدعمها ويسندها أطراف أخرى، وبرغم ذلك يعيش المواطن السعودي والمقيم والزائر في أمن وأمان واستقرار، رغم فرقعة مقذوفات متفرقة تستهدف النيل من هذا الفضل الإلهي الملهم لقواتنا العربية السعودية بكفاءة في التعامل، بما أحبط رهانات المغرضين وافقد حملاتهم كثيراً من التأثير في بث رسائل إعلامية مضللة وتوجيه الرأي العام، لكن مساحة وعمق الوعي الوطني الواثق كان لهم بالمرصاد.
يتميز الشعب العربي السعودي بصفاء ذهني نقي يحمي مساحة الوعي والفهم بما يُسقط كثير من محاولات النيل من الموقف السعودي –سياسي وعسكري واقتصادي– تشهد له منجزات يبرهنها واقع مشهود يراه المواطن والمقيم والزائر، واقع معاش يُكذب ارهاصات إعلام مضاد تعيس فقير في محتواه وفي رؤيته لواقع خيالي وهمي يرسمه في ذهنه امنيات وأحلام.
إن الحقيقة هي أن المملكة العربية السعودية لا تخوض حربا ضد أحد، سواء في الجوار أو الإقليم، وإنما هي وبدافع الأمن القومي عربي وإسلامي تدعم وتسند الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا في اليمن الشقيق ضد مليشيات طائفية ومذهبية ترتبط بمشروع نفوذ إقليمي ذي امتدادات تاريخية ومذهبية، اتسمت بعض مراحله في هذا الصراع التاريخي بتنافس سياسي انعكست آثاره على المنطقة العربية والإسلامية، وبرغم دحره وقهره مرة إثر أخرى، ومد يد السلام والتعاون مرة إثر أخرى، إلا انه مستمر ويتقاطع في بعض ممارساته مع مصالح قوى صهيونية ودولية أخرى في طعن الأمة العربية والإسلامية في الخلف في كل مواجهة مع الصهيونية العالمية، وبالتالي فإن كل ما تقوم به عصابات «الحوثي» من أعمال إجرامية بواسطة مقذوفات مستوردة تجاه الأراضي العربية السعودية ليس إلا ضمن سلسلة من هذا التاريخ الطويل، وامتدادا لصراعات إقليمية تغذيها اعتبارات طائفية وحسابات نفوذ.
إن ما يسر قلب كل عربي ومسلم، قوة الدفع العربي السعودي لمعالجة هذا الوباء الطائفي البغيض ودحره في اضيق نطاق للقضاء عليه، والمسألة مسألة وقت لا اكثر، فليس هناك بديل آخر عن إطفاء شعلة هذا التسخين الطائفي الذي جثم على اطراف المنطقة العربية مستهدف النيل من كل ما هو عربي وإسلامي نقي حر، وإذا كانت العربية السعودية تتزعم المواجهة لردع الشر عن الأمة العربية والإسلامية، فإن المملكة لا تتحرك بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي، وتتقاطع مواقف تركيا والباكستان وعدد من الدول العربية معها في هذه القضايا الأمنية والإقليمية، خاصة وان توافق بعض أماني وأحلام الشر المغرضة تكاد تتحد في القول أن المنطقة مقبلة على مرحلة خطرة تتغير فيها الجغرافيا وتتبدل فيها الحدود السيادية.
بين طموحات الكيان المحتل للهيمنة الإقليمية ومساعي النفوذ الإيراني في ذات الغاية تقف المملكة العربية السعودية في مقدمة الدفاع عن الأمة العربية والإسلامية وحماية أمن المنطقة مع تركيا وباكستان، ومن يعتقد أن التفاهمات والتحالفات الإقليمية لا تتجاوز حدود التصريحات، فإنه قد يغفل ما يمكن أن تنطوي عليه من أبعاد وإستراتيجيات بعيدة المدى، فلا مجال للتطبيع مع الكيان المحتل قبل التوصل لتسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة، ولن يكون لتوظيف المذهبية في مشاريع النفوذ ضمانة لاستمرارها أو نجاحها، لن تسمح المملكة العربية السعودية بذلك وحق للعرب والمسلمين الاعتزاز والافتخار بالزعامة السعودية.
إن ما تشهده أراضي العربية السعودية من تجاوزات عبر مقذوفات متفرقة على منشآت وأماكن في الغالب مدنية لن تنال من سعة الوعي والفهم لدى المواطن العربي السعودي أو تزعزع ثقته المتينة بقوة الردع السعودي، وان استغربت حلم وصبر القيادة السعودية لهذا النزق الجاهل لجماعات مسلحة في اليمن، إلا أنها تدرك تماماً، إن ذلك ليس إلا نتيجة حكمة القيادة في إدارة الصراع وضبط القوة، وتغليب الاعتبارات الإستراتيجية والإنسانية، التي تمنعها عن القضاء على قدرات الجماعات المسلحة أينما وجدت بأسرع الطرق وأمضاها في التدمير، إذ يعلم القاصي والداني، صديق أو عدو، إن لدى القوة السعودية من أسلحة التدمير ما يفوق ما لدى عصابات الحوثي وداعميه فيما لو أرادت حسم الصراع في اليمن بأي ثمن، لكنها أخلاق العرب ومبادئ الإسلام، التي تأبى القيادة السعودية على نفسها أن تتجاوزها، وإذا كان هناك من استخدم هذه الحكمة والانضباط في أخلاق الحرب وعدّه شيئا من الضعف فهو واهم، ومن ظن أن فرقعة المقذوفات الحوثية كافية لزرع الهلع أو الخوف لدى الشعب السعودي فهو واهم أيضا، فالحياة اليومية في الوطن تستمر بوتيرتها المعتادة، وإضافة على ذلك تستمر مسيرة البناء والتنمية وفق برامجها وجداولها الزمنية، ويواصل النشاط الاقتصادي والتجاري مساره بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تعزيز جودة الحياة، بأمن وسلاسة واستقامة، وأهم من كل ذلك، يُمَكن الوعي والفهم لدى المواطن والمقيم والزائر التمييز بين المعلومات والشائعات المضللة مستندا إلى ثقة راسخة بقدرة المملكة على حماية أمنها ومواصلة مسيرتها التنموية بأمن وسلامة المسار.
أخيرًا، إن كان بعضهم يرى فيما يجري اليوم مقدمة لاضطراب المنطقة وتفكيكها، فإننا نرى في هذه التحديات فرصة لتعزيز اليقظة، وترسيخ التحرر من معوقات التقدم واستنهاض مقومات القوة العربية والإسلامية، ونؤمن بأن مسارات النهوض لا تخلو من المحن والاختبارات، وأن تجاوزها يتطلب وعيًا راسخًا، وحكمة سياسية، واستعدادًا مستمرًا لحماية أمن الوطن والمنطقة وصون مصالح الأمة العربية والإسلامية، وبعون الله، تبقى الثقة بقدرة المملكة العربية السعودية على مواصلة مسيرتها التنموية وحماية أمنها واستقرارها ركيزة أساسية في مواجهة التحديات، ونحن أهل لتجاوز كل ذلك بنجاح يسوء العدو ويسر الصديق.