سعدون مطلق السوارج
ليست قيمة المؤتمرات الدولية الكبرى في عدد الوفود التي تستضيفها المدن، بل في الأسئلة التي تضعها أمام العالم، وفي قدرتها على تحويل الحوار إلى خيارات تصمد أمام الأزمات. ومن هذه الزاوية، تتجاوز استضافة الرياض مؤتمر الطاقة العالمي الخامس والعشرين حدود حدث دولي بارز؛ فهي تضع المملكة في قلب نقاش يتصل بأمن الإمدادات، واستقرار الأسواق، ومستقبل الصناعة، والعلاقة المتجددة بين الطاقة والاقتصاد والتقنية.
يكتسب المؤتمر، المنعقد من 11 إلى 15 أكتوبر 2026 تحت شعار «مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع»، دلالة تاريخية خاصة؛ إذ تستضيفه المملكة للمرة الأولى منذ انطلاق هذا التجمع الدولي عام 1933. وبين تاريخ المؤتمر واكتشاف النفط التجاري في بئر الدمام رقم 7 عام 1938، وصولًا إلى الرياض اليوم، تتجلى مسيرة لم تعد فيها الطاقة مجرد مورد طبيعي، بل أساس لبناء الاقتصاد، وتطوير الصناعة، وتعزيز الحضور السعودي في منظومة المصالح العالمية.
غير أن أهمية اللحظة لا تنبع من التاريخ وحده؛ فالاضطرابات الإقليمية والتهديدات التي تطال البنية التحتية وطرق النقل أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن ضمان استمرار الإمدادات عندما تتعرض حلقات المنظومة للضغط؟ لم يعد أمن الطاقة مسألة تتعلق بحجم الإنتاج فحسب، وإنما بقدرة الدول والشركات على نقل الموارد وتخزينها ومعالجتها، وحماية المنشآت، واستعادة التشغيل، والحد من آثار الانقطاعات على الاقتصادات والمستهلكين.
وقد ألقت الظروف الأمنية بظلالها على حركة السفر ومشاركة عدد من القيادات التنفيذية الدولية. لكن دلالة الحدث لا تختزل في قائمة الحضور؛ فالأزمات نفسها تبرز قيمة التخطيط والاستثمار والبنية التحتية التي تُبنى قبل وقوعها. فالمرونة الحقيقية لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل تُصنع قبلها بسنوات، ثم تُختبر عندما تتعطل الخيارات المعتادة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان توجه المملكة إلى رفع القدرة التصديرية للنفط عبر خطوط الأنابيب إلى ما يصل إلى عشرة ملايين برميل يوميًا. وتشمل الخطة الاستفادة المؤقتة من خط غاز لنقل الخام، بما قد يضيف 1.2 مليون برميل يوميًا خلال سبعة إلى ثمانية أسابيع، إلى جانب تطوير شبكة خط الشرق – الغرب ومحطات الضخ والبنية التحتية المرتبطة بها. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بخطط تطويرية وقدرات مستهدفة؛ لذلك ينبغي التمييز بينها وبين ما أصبح متاحًا فعليًا.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها وحده، بل في دلالتها الاستراتيجية؛ إذ إن تنويع طرق التصدير يمنح منظومة الطاقة خيارات إضافية عند ارتفاع المخاطر في مسار معين، ويعزز قدرتها على الاستجابة للاضطرابات. فالجغرافيا تفرض حقائقها، لكن الاستثمار في البنية التحتية يوسع الخيارات المتاحة للتعامل معها. ومن هنا، تصبح القدرة على إعادة توجيه الإمدادات عنصرًا من عناصر أمن الطاقة، لا مجرد مسألة لوجستية.
وتتضح الصورة في كلمة أمين الناصر، رئيس أرامكو السعودية وكبير إدارييها التنفيذيين، أمام المؤتمر، حين تناول المرونة التشغيلية بوصفها منظومة متكاملة تشمل سلامة المنشآت، والقدرات الاحتياطية، وتعدد طرق التصدير، وتأمين سلاسل الإمداد، والحماية الرقمية، وتسريع استعادة العمليات. فخط الأنابيب، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده ضمان أمن الإمدادات؛ لأن المنظومة لا تكون أقوى من قدرتها على التعامل مع نقاط التعطل في حلقاتها المختلفة.
ومن أبرز ما كشف عنه الناصر أن أكثر من 90 في المئة من المواد المستخدمة في استعادة العمليات جرى توفيرها محليًا عبر برنامج «اكتفاء». وهذه المعلومة تفتح زاوية تتجاوز الصناعة إلى الأمن الاقتصادي؛ فتوطين سلاسل الإمداد ليس مجرد زيادة في المكوّن المحلي، بل قدرة على مواصلة العمل عندما تصبح الإمدادات الخارجية أبطأ أو أكثر كلفة.
فعندما تتوافر المواد وقطع الغيار والخدمات اللازمة محليًا، يمكن تقليص زمن التعطل وتسريع استعادة التشغيل. وحين يرتبط هذا التوطين بالجودة ونقل المعرفة وتطوير الشركات والكوادر، فإنه يتحول إلى قيمة تتراكم داخل الاقتصاد الوطني. وهنا تتضح أهمية السياسات التي لا تنتظر الأزمة لتبحث عن بدائل، بل تبني القدرات التي تجعل الاستجابة ممكنة عند الحاجة.
هذا المعنى يتصل مباشرة بمستهدفات رؤية السعودية 2030؛ فالقضية ليست المحافظة على تدفق النفط إلى الأسواق فحسب، بل توسيع القيمة التي تنتجها الموارد داخل المملكة. ومن هنا تبرز أهمية التكامل بين الطاقة والصناعة والتعدين، وبين المحتوى المحلي والصادرات والتمويل وسلاسل الإمداد. فالمورد الطبيعي يكتسب بعدًا اقتصاديًا أوسع عندما يغذي الصناعات التحويلية، ويدعم إنتاج السلع والخدمات المتخصصة، ويوسع فرص العمل، ويخلق مجالات جديدة لنقل المعرفة والتقنية.
فقوة قطاع الطاقة لا تُقاس بما يخرج من باطن الأرض وحده، بل بما يبنيه الاقتصاد حوله من صناعة ومعرفة وقدرات. وهذه ليست دعوة إلى التقليل من أهمية النفط، بل إلى فهم قيمته ضمن سلسلة أوسع؛ تبدأ بالإنتاج، وتمتد إلى التكرير والبتروكيماويات والصناعات المرتبطة بها، وتصل إلى المهارات والوظائف والاستثمارات التي تعزز قدرة الاقتصاد على النمو والتكيف.
ويبرز الغاز في هذه المعادلة بوصفه حلقة أساسية بين موارد الطاقة والاقتصاد المحلي؛ فهو يسهم في تلبية احتياجات توليد الكهرباء والتحلية والتكرير والبتروكيماويات والصناعة. وتستهدف أرامكو زيادة الطاقة الإنتاجية لغاز البيع بنحو 80 في المئة بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2021. وبالتوازي، تتقدم مشروعات الطاقة المتجددة ضمن طموح المملكة إلى أن تتقاسم مصادر الغاز والطاقة المتجددة حصص توليد الكهرباء بالتساوي بحلول عام 2030. وهي مستهدفات تعكس اتجاهًا إلى توسيع منظومة الإمدادات وتنويع مصادر توليد الكهرباء، بما يواكب نمو الطلب المحلي واحتياجات الصناعة.
والدلالة هنا أن تطوير منظومة الطاقة يتطلب الجمع بين موثوقية الإمدادات وتنوع المصادر والاستثمار في التقنيات الجديدة. فالتحول لا يسلك طريقًا واحدًا في جميع البلدان؛ إذ تختلف الموارد والاحتياجات والقدرات الصناعية. ولذلك يحتاج المستقبل إلى مقاربة واقعية تراعي أمن الإمدادات وتكلفتها، وتفتح المجال أمام الطاقة المتجددة والهيدروجين وتقنيات إدارة الكربون والذكاء الاصطناعي، من دون تجاهل احتياجات النمو والصناعة.
تمنح توقعات منظمة أوبك في تقرير آفاق النفط العالمية لعام 2026 هذا النقاش بعدًا إضافيًا؛ إذ تشير إلى احتمال ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة بنسبة 23 في المئة حتى عام 2050، مع توقع وصول الطلب على النفط إلى 124 مليون برميل يوميًا، وتقدير احتياجات الاستثمار في قطاع النفط بنحو 17.7 تريليون دولار خلال الفترة من 2026 إلى 2050. وهذه توقعات وليست نتائج محسومة، لكنها تبرز حجم التحدي: العالم يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، في وقت تتغير فيه التقنيات والسياسات وتزداد المخاطر الجيوسياسية.
ومن الزوايا المهمة في قراءة مستقبل الطاقة أن الأسواق تستطيع تنويع مورديها، لكنها لا تستطيع تغيير المواقع الجغرافية التي توجد فيها الموارد. فخريطة الطاقة لا يعاد تشكيلها بقرار تجاري وحده؛ إذ تحدد الجغرافيا مواقع الموارد وممرات النقل، بينما يحدد الاستثمار والتقنية والتعاون مدى القدرة على الاستفادة منها. كما أن تكلفة بناء المرونة يتحملها المستثمرون في البداية، بينما تمتد فوائدها إلى المستهلكين والصناعة والتجارة العالمية؛ إذ قد تكون قيمة الانقطاع الذي يجري تجنبه أكبر من تكلفة الاستعداد له.
وهنا تتضح مسؤولية الشراكة الدولية. فأمن الطاقة لا يتحقق بمجرد توافر الموارد، بل يحتاج إلى بنية تحتية موثوقة، وطرق نقل آمنة، واستثمارات مستمرة، وتعاون في التقنية والمعرفة. كما أن توسيع التعاون مع الشركاء، ومن بينهم دول الخليج، في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة وغيرها، يمنح التكامل الإقليمي مضمونًا عمليًا يتصل بالمصالح المشتركة واستقرار التنمية.
وتبقى القيمة النهائية لهذه المنظومة مرتبطة بالإنسان؛ فموثوقية الطاقة تعني استمرار المصانع في الإنتاج، ووصول الكهرباء إلى المنازل، وعمل مرافق التحلية والخدمات الأساسية، وقدرة سلاسل الإمداد على تلبية احتياجات المجتمعات. كما أن توطين الصناعة وتعظيم القيمة المحلية ينبغي أن ينعكسا في المهارات وفرص العمل والإنتاجية، وفي اقتصاد أوسع خيارات وأكثر قدرة على مواجهة المتغيرات.
إن استضافة الرياض للمؤتمر لا تختزل في احتضان حدث عالمي، بل تتيح قراءة مسار طويل من بناء القدرات، وتطوير البنية التحتية، وربط الموارد بالتصنيع والاستثمار والتقنية. ومن هذه الزاوية، لا تكون قيمة التجربة في رقم إنتاج أو مشروع منفرد، بل في تكامل حلقاتها؛ من المورد إلى النقل، ومن سلاسل الإمداد إلى الصناعة، ومن الاستثمار إلى القدرة على الصمود.
التاريخ يثبت أن امتلاك المورد قد يصنع بداية التحول، لكن بناء القدرات هو ما يحفظ أثره ويمنحه مستقبلًا. وفي عالم تختبر فيه الأزمات موثوقية كل حلقة من حلقات الطاقة، تتحدد المكانة بقدرة الدول على حماية مواردها، وضمان وصولها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وهنا تُكتب معادلة الطاقة الحقيقية: ليس بما تملكه الدول من موارد فحسب، بل بما تبنيه حولها من قدرة على الاستمرار، وما تمنحه للعالم من موثوقية في المستقبل.
باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي