د. أنس عضيبات
في زوايا المكاتب المعتمة وبعيداً عن لوائح الشرف المعلقة على الجدران، تجري تجارة من نوع خاص؛ بضاعتها النزاهة وثمنها منصب عابر أو مكافأة مصطنعة وما يمكن تسميته «الابتذال الإداري» ليس مجرد كسل وظيفي أو خللاً في الموازنات، بل هو سقوط حر لمنظومة القيم حين يتحول الكرسي من أمانة عامة إلى وسيلة مساومة شخصية وفي هذا الفضاء الزجاجي البارد، تُعرض المبادئ في سوق العرض والطلب؛ فيباع الرأي المهني الحر وتُشترى الولاءات الرخيصة، وتتحول المؤسسة من محراب للإنتاج إلى حلبة تقتات على التنازلات الأخلاقية والتصفيق المجاني.
يمارس «تجار الإدارة» فن التلون بمهارة استثنائية؛ فهم لا يملكون رصيداً من الإنجاز، لكنهم أساتذة في هندسة التملق وتجميل الإخفاقات، حيث ينسجون شبكات ناعمة من المحاباة تُقصي أصحاب العقول المستقلة وتخنُق كل صوت يجرؤ على قول الحقيقة، مستبدلين المعايير الصارمة بابتسامات الولاء المطلق والتقارير الوردية المفبركة، حيث إنه تسلقٌ انتهازي يقفز فوق أكتاف المخلصين؛ حيث يصبح القرب من صاحب القرار أهم بكثير من خدمة القرار نفسه، وتُختزل الكفاءة في قدرة الموظف على التماهي مع أهواء مديريه لا مع أهداف مؤسسته.
إن التكلفة الحقيقية لهذا العبث لا تُقاس بالأرقام المهدورة في الميزانيات، بل بـ «الأرواح المهنية» التي تُغتال يومياً في الممرات، فحين يشاهد أصحاب الكفاءات كيف تُوزع المكافآت على المتملقين وتُحجب عن المنجزين، يتسلل الإحباط كالسوس إلى أعمدة المؤسسة؛ فينفرط عقد الانتماء، ويهرب المبدعون، ويختار الباقون «الموت الوظيفي الصامت»، كما تتحول البيئة حينها من مصنع للأفكار الريادية إلى مقبرة طاردة لكل من يحمل شرفاً مهنياً، لتصبح المؤسسة هيكلاً فارغاً يعيش على صدى الماضي ولا يملك أدوات المستقبل.
إن محاصرة هذا التردي لا تكون بالنوايا الطيبة ولا بالشعارات البراقة، بل بقرارات جراحية تعيد رسم الحدود بين الكفاءة والابتذال، حيث تبدأ المعركة الحقيقية بفرض حوكمة صارمة تُعرّي المتسلقين وتخضع الجميع لمسطرة أداء واضحة لا مكان فيها للهوى والمزاجية، وبقيادات تملك الشجاعة لتحصين بيئاتها ضد داء التزلف والشللية، فشرف الوظيفة العامة ليس رفاهية نملك خيار التفريط فيها؛ إنه العمود الفقري لهيبة الدولة وكرامة المجتمع، وأول خطوة لإنقاذه تبدأ بإغلاق تلك الأسواق الرخيصة ورفع لافتة واحدة في وجه الجميع: «البقاء للجدارة وحدها».